أدونيس: أخشى أن يكون الربيع إشارة إلى تحلل العالم العربي

أضيف بتاريخ: 25 - 04 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: اخبار وتقاريرالوان ثقافية

حاورته: فوزية دواغي

ترجمة :سعيـد بوخليـط

‭{‬ كيف تصف لنا حالتك الفكرية الراهنة؟

< جيدة، لست سعيد ولا حزينا، ببساطة أشعر أني على ما يرام.

‭{‬ بفضل أو رغما على الربيع العربي؟

< تعلمون أني دعمت منذ البداية ذاك الربيع العربي الشهير، وكتبت الكثير بهذا الخصوص، لكني عدلت فيما بعد. اليوم، أعتقد أن الربيع العربي انتهى تاركا مكانه لثورة الأئمة، وكذا التحطيم الذاتي للعرب من طرف العرب والمسلمين من قبل المسلمين، وكذا انبعاث الصدى الإسلامي القديم، بخصوص الفتح، وما يقتضيه من فولكلور حول الغزوات والإتاوات وأسواق العبيد.

‭{‬ لهذا لم تتخذ موقفا واضحا من الربيع السوري؟

< لا يمكن الدفاع عن النظام السوري. لكني أخبرت أيضا هؤلاء المشتغلين بالسياسة، أنه عليهم الاختيار بين الدولة الإسلامية وبشار الأسد. من جهتي، انحزت إلى جوار أشخاص فضلوا مسارا ثالثا، واشتغلت وفق هذا التصور مع المتواجدين في باريس وسوريا، الذين يراهنون على العلمانية والتحديث والتشبيب.

هدف شكل جانبا ضمن سعي أكثر عمومية يلزمني باعتباري مثقفا، إعادة قراءة التاريخ العربي. من ناحية ثانية، وعندما نقرأ مجددا بثقابة ذهن ذلك التاريخ فلن نشعر بالاندهاش حيال ما يجري حاليا، مادام في حقيقة الأمر لم يتغير أي شيء، فالحرب داخل الإسلام، لم تتوقف ولا يبدو أنها على وشك التوقف. أخشى أن يكون الربيع إشارة عن تحلل العالم العربي، وليس إعادة بنائه.

‭{‬ ها أنت تبدو فعلا قلقا؟

< قد لا أكون كذلك وسط عالم عربي حقير وفارغ. عالم عربي لا يملك شيئا. تكمن مشكلتنا في هذه النخب الغائبة، ولا تريد أن تفهم أننا نعيش مرحلة انحطاط شاملة، وانتهاء للحقبة العربية. مصدر مشكلتنا أن بلداننا تملك ثروات لا يمكن تصورها، دون أن تكون لها جامعة واحدة، أو مركزا للبحث ذائع الصيت، وتدير أمورها بمؤسسات مهجورة. هكذا، صار الانتماء إلى العالم المعاصر إهانة.

‭{‬ ما هي مؤاخذاتكم على العرب؟

< أولا، ثقافة قائمة على تصور للسلطة، مرتبط بالمال والقبيلة مع انعدام كل مفهوم للديمقراطية. وضع دشنته الأزمنة الأولى للإسلام. فبعد وفاة الرسول اقترح صاحبه ابن عبد الله الأنصاري على الخليفة المقبل عمر كي يقتسم «ديمقراطيا» السلطة بين القبائل: (أمير منا، وأمير منكم). فأجاب عمر:(مستحيل، لن يكون الخليفة إلا قرشيا)، بمعنى أقام عمر بصيغة من الصيغ منظومة الحزب الوحيد، الوضع الذي استمر إلى وقتنا الحالي. لم ينجح العرب في خلق دولة واحدة مواطنة، بل فقط أنظمة تنهض على تحالفات عشائرية، لا تتحدد معها قيمة الفرد بصفاته الإنسانية، ولكن بلونه الإثني والديني وعلاقته بالزعيم، فالمنطق الداخلي للمنظومة العربية قائم على الولاء. العالم العربي يلازمه طاعون سوسيولوجي وإثني. التاريخ العربي هو تاريخ للسلطة وليس الوقائع وتاريخ الحاكم بغير الشعوب، ثم دون أن أتكلم، هنا، عن غياب نصف كبير من المجتمع.

‭{‬ تقصد النساء؟

< بالتأكيد، فمن المخجل الحديث عن بلدان ديمقراطية في ظل غياب النساء. إذا لم تتحرر المرأة من قانون الشريعة سيظل المجتمع العربي سائرا على قدم واحدة، ولن يحقق الإنسان قط وجوده الكامل. مع غياب امرأة متحررة لا يمكننا ادعاء الديمقراطية أو الحرية. في الحقيقة، الإنسان هو المستعبد بين طيات واقعنا مادام يفتقد لأنا خاصة، مستلب جراء وصاية الثقافة الدينية، ويستعيض عن حرمانه بالهيمنة على الجنس الآخر، مما يحيلنا على طب الأمراض النفسية. بهذا الخصوص يمكننا القول إن الثقافة العربية ظاهرة للطب العقلي والنفسي، بحيث لا تبقي سوى على صلة ضيقة مع رؤية موضوعية وسليمة للواقع، لذلك فلا تيار المرزوقي أو السيسي أو بشار، من سيصنع شيئا كبيرا، فلا فرق بين هؤلاء.

‭{‬ لديك مشكلة خاصة مع الأنظمة السياسية؟

< لا، فلا أريد بالضبط أن أخلق حولي انطباعا بكوني أتعارك مع الأنظمة، بل أتوخى على العكس مجابهة الأمور في بعدها العميق. لنأخذ العربية السعودية: هل بوسع بلد لا يتوفر على دستور أن يغير العالم العربي؟ هل بإمكان قطر تطوير العالم الإسلامي؟ هل لتركيا القدرة على إنقاذنا، مع أنها لا تقدم –اليوم- فنا كبيرا أو فلاسفة كبار، لكن فقط المال والجيش. تركيا هي من سحقنا نحن العرب، لمدة أربعمائة سنة، فشوهت ثقافتنا وقوضت لغتنا؟ من جهة أخرى، لا أستوعب ما الذي يتطلع إليه الفلسطينيون حتى اللحظة، عند هذا الطرف أو ذاك. شعب يكابد الاحتلال والتشرد والتقتيل، فشكل وضعا استثنائيا في التاريخ، فأين هم العرب؟ إنهم ينفقون الملايين من أجل تسليح المرتزقة، في سوريا والعراق، فلماذا لا تمنح لفلسطينيين؟ لا شخص يجيب. في النهاية، التصدع الحقيقي بخصوص هذا النزاع لا يقوم بين العرب والإسرائيليين، لكن بين العرب أنفسهم، وبالتالي يجب على الفلسطينيين الصراخ في وجه هؤلاء: أتركونا في سلام.

‭{‬ أيضا، يتحتم على الفلسطينيين الاتفاق فيما بينهم؟

< صحيح، البيت نفسه مقسم، لكن ينبغي الوقوف إلى جانب الفلسطينيين ماداموا يعيشون الاضطهاد، لأن المبدأ يشير إلى ضرورة مساندة المضطهدين. لكن، لما يتأتى لهم في يوم من الأيام تأسيس دولة، فسأكون أول الواقفين ضد حماس.

‭{‬ هل يملك الغرب مسؤولية في هذا التحلل؟

< يستحيل التفكير في العالم العربي، ونحن نغض النظر عن الغرب، لاسيما إسرائيل وأمريكا، اللذين يشكلان جانبا متكاملا في صنع سياسة المجتمع العربي. لقد أضحينا ممتلكات خاصة لهم، وتوصلوا إلى هذه الفكرة الشيطانية العجيبة، لما فهموا القاعدة التالية: عوض السيطرة على العرب خارجيا، بوسعنا أن نفعل ذلك داخليا. لقد استطاعوا النجاح في بلورة سعيهم، على امتداد جميع بلداننا، وتكريسهم لمشهد إقليمي يشكل جانبا ضمن مشهد عام، فالمحاولة التي تتوخى وضع العالم العربي تحت الهيمنة ليست إلا بداية، ارتباطا بإستراتجية أكثر شمولية تستهدف الصين وروسيا.

‭{‬ أنت بصدد السقوط مجددا في نظرية المؤامرة العزيزة جدا على العرب؟

< هذا يتجاوز المؤامرة، هي إستراتجية عالمية، والعرب على رقعة الشطرنج، وإلا كيف نفسر –مثلا- تواجد الإرهابيين في تونس- مع إدراكهم الجيد أنهم لن يصلوا أبدا إلى السلطة- إذا لم يكن ذلك مستندا على سياسة شاملة لتقسيم المنطقة العربية والزج بها نحو الفوضى. كيف نرى كل هذا السلاح الأكثر تطورا، لدى تنظيم «داعش»، لو لم يكن وراء ذلك قوى كبرى؟ فالعرب وأموالهم مجرد رهينة في يد الغرب، الذي يريد حقا متى ظل ذلك في صالحه، عدم الالتفات إلى انتهاكات حقوق الإنسان، وكذا التجاوزات في حق الشعوب العربية. (…)

‭{‬ هل تتعارض الديانة الإسلامية مع حرية الإبداع؟

< هل بوسعك الاستشهاد بشاعر عربي واحد يمكننا وصفه بـ«شاعر إسلامي كبير»، مثلما نقول عن كلوديل Claudel، بأنه شاعر «كاثوليكي عظيم»؟. بالنسبة لوضعنا، يستحيل أن تكون مؤمنا وفي الوقت ذاته شاعرا كبيرا، لأن إيماننا لا يسمح بحرية الشاعر الضرورية. نفس التأويل ينطبق على الجانب الفلسفي، فلكي يستطيع الفيلسوف أن يكتب يلزمه الخضوع لنفس التمرين الإجباري؛ التوفيق بين العقل اليوناني والإسلام. كيف يمكننا إطلاق وصف حضارة على فضاء يكون في إطاره الفيلسوف ملزما بالتكلم من منظور الدين وتحت سقفه؟ لذلك، وللتخلص من هذا المأزق، سيغير المتصوفة مفهوم الله، بحيث حولوه إلى قوة محايثة وليس خارجية، ثم حددوا مفهوم الهوية كخلق دائم ومعطى مستقبليا، بدلا من كونه وصية تتأتى من الماضي، واعتبروا مفهوم الآخر عنصرا مؤسسا للذات، كل ذلك كي أدعو إلى التفكير ثانية في الصلة بين الدين والفكر، ثم الدين والإنتاج الأدبي والفني، ينبغي إعادة التفكير فيها داخل الإسلام. وفق هذا التوجه، بدأت أشكك حتى في مفهوم «الحضارة الإسلامية»، وأنعته بالإشكالي.

‭{‬ ماذا ينبغي القيام به من أجل إعادة بناء العالم العربي-الإسلامي؟

< جميع الشعوب التي أنجزت خطوة إلى الأمام استطاعت ذلك، لأنها أعادت النظر في تاريخها وتراثها، وحققت قطيعة مع ماض لا يستجيب لمقتضيات الحاضر. أما نحن العرب فلا زلنا نواصل أخذ الماضي، باعتباره مرجعية مطلقة، والنظر إلى الحاضر على ضوء الماضي، وهو ما يسمى بالتحطيم الذاتي. لقد أصبح الإسلام ديانة بدون ثقافة، والعرب جماعة ليس لها من بضاعة، غير الإسلام. فيما مضى كانت هناك ثقافة مقارنة معنا، لذلك نعيش انحطاطا على جميع الواجهات، وحداثتنا قابعة وراءنا، ولكي ننتشل ذواتنا من هذا الوضع، ينبغي الانكباب على طرح الأسئلة الجوهرية: ماذا نعني بالإسلام؟ ماذا نقصد بالحضارة الإسلامية؟ كيف نعيد قراءة الدين؟

‭{‬ الذين ننعتهم بـ«مفكري الإسلام الجدد»، كرسوا مشاريعهم لقراءة الإسلام على ضوء الحداثة؟

< أحترمهم جدا، ولاسيما محمد أركون. لكنهم، لم يلامسوا الجوهر، بحيث لم يسائلوا النص القرآني نفسه، وبقي عندهم الإسلام مرجعا يحيلون عليه. في حين لا يكفي اعتبار القرآن نصا تاريخيا وقراءته كما هو، لكن مساءلته وإخضاعه للتحليل. لقد كشفت ذات يوم عن هذه الرؤية إلى أركون، فأجابني : «أتريد منهم أن يقتلونني».

‭{‬ التفسيرات العصرية تؤكد أن الإسلام متسامح، وقابل للتماهي مع الديمقراطية؟

< (…) يريد الكائن البشري المساواة وليس التسامح. أما عن الديمقراطية، فقد تكلمت سابقا عن الموضوع. وأعتقد مرة ثانية أنه لا يكفي إعادة قراءة تاريخنا، بل صياغته مجددا مع التخلص من ترسخ بنية الديني، مع فصل الديني عن السياسي والمجتمعي والثقافي. فإن يشكل الإسلام احتياجا روحيا عند أناس مؤمنين يعتبر أمرا عاديا ومقبولا، لكن المطلوب هو الكف عن تحويله إلى مؤسسة سياسية وفرض ذلك بالقوة. يجب تبني قراءة جديدة تستحضر قيم الحرية بالنسبة لفرد- مواطن، له الحق في الاعتقاد بما يريد، مع السعي إلى مجتمع يحكمه قانون مدني؛ بمعنى ثان، ينبغي النهوض بثورة في العمق، بينما ما نقوم به حتى الآن يقف فقط عند السطح، ومنها قضية الربيع العربي. على النقيض، ينبغي تغيير ركائز المجتمع والعائلة والمدرسة والجامعة والثقافة.

‭{‬ هل لازلت بعد، تقدر انتماءك إلى الدين الإسلامي؟

< إني أعتبر نفسي ضمن الزمرة التي ترفض العقائدية نحو التقليد الإسلامي القديم، وبالتالي يجسدون رفضا جذريا للمعتقد. تحضرني قولة لأبي العلاء المعري: «يوجد صنفان من البشر على وجه البسيطة: من يمتلكون الدين بدون العقل، ثم الذين يمتلكون العقل دون الدين». وأنا أنتمي إلى الصنف الثاني».

‭{‬ كيف تحدد موقعك بالضبط؟

< أنا إنسان حر، غير متدين. أومن بالحب والصداقة والإبداع.

‭{‬ وربما ملحد شيئا ما؟

< لا أريد توظيف الكلمة، لأنها بدورها دينية.

‭{‬ لقد أنجزنا نصف هذا الحوار باللغة الفرنسية، هل ستصدر في يوم من الأيام عملا بهذه اللغة؟

< لا، مادمت أنه لا يمكنني امتلاك جلدين ولا والدة برأسين. اللغة الوحيدة للقصيدة، هي لغة الأم، أي ما تمثله العربية بالنسبة إلي. للإشارة، يقال عنها بأنها لغة في طور الموت. ربما، لكني أعشق الكتابة بلغة تحتضر. إنها لغة جميلة جدا، والعرب لا يستحقونها، فلا أرى حاليا أي عربي يتقنها.

‭{‬ أنت بصدد خلق مزيد من الأعداء؟

< أحب أن يكون أمامي أعداء، شريطة أن يكونوا أصحاب قامات. لكني ألح وأضع توقيعا: لا يقدم العالم العربي، حاليا، تجربة مهمة على المستويين الفلسفي والأدبي، مقارنة مع الفن التشكيلي مثلا. أدباؤنا ومفكرونا ينجزون أشياء صغيرة، لا تثير الاهتمام، ولم يعمل أي شخص على تثوير اللغة، أو بلورته لمشاريع تقطع مع لـ bla bla bla، حول الدين والله والجنس. تكتب باللغة العربية، ويتم الدفاع عنها من طرف أشخاص عاجزين حتى عن قراءة ما يكتبونه. لا أنفي وجود مواهب، لكنهم يعيشون في أوروبا، حيث هناك شيوع ثقافة وميتودولوجيا وتقليد، تحفر لهم القنوات وتدرك كيفية تحفيزهم. أما عندنا، فالشعل فردية، تنتهي إلى الإخفاق، وعوض أن تتشجع وتتألق، تنطفئ. نحن لا نتمثل –فعلا- لبنات العمل، بناء على مساره المبدئي، بل كل شيء عندنا سهل.

‭{‬ وماذا عن المواهب الشعرية؟

< زمن قصيدتنا يمتد إلى ألفي سنة. بهذا المعنى وقياسا لهذا المجال، فنحن المعاصرون الأكثر قدما، مع ذلك إذا طلبت مني أن أذكر لك ثلاثة شعراء معاصرين يتمتعون بقيمة عظيمة، فسأتردد، لأنه يستحيل العثور على نظير للمتنبي، الذي أبدع لغة الحاضرة ضدا على لغة البادية، أو شاعر كأبي نواس، صاحب منجز مزج بين الشعر والفكر، فكل قصيدة كبيرة تتأسس على الفكر. سأطرح عليك مثالا: ليس هناك شعب تألم ويتألم كالشعب الفلسطيني، لكن في المقابل، لم يتبلور إنتاج في مستوى هذه التراجيديا. لم أعثر عليه.

‭{‬ يعتبر محمود درويش شاعر القضية الكبير؟

< (يصمت أدونيس، وقد حرك رأسه، بكيفية توحي بعدم اتفاقه).

‭{‬ وماذا عن جائزة نوبل؟

< أفضل عدم التطرق إلى هذا الموضوع، والمهم هو استمرار الإبداع.

 

عن مجلة «La Revue» الفرنسية


تعليق واحد لـ “أدونيس: أخشى أن يكون الربيع إشارة إلى تحلل العالم العربي”

  1. ياسين النصير6:33 م في 4-28-2017

    الشاعر العربي الوحيد صاحب الموقف الفكري الطليعي، واحد الذين اعادوا للشعرية دورها النقدي.

اترك تعليقك

يجب أن تسجل دخولك لكتابة تعليق.

الوان عربية تأسست في 2009