28 سنة على تجربة ثقافية عربية في واشنطن/ صبحي غندور

صبحي غندور*

28 سنة مضت على بدء تجربة مؤسسة “الحوار” في واشنطن (نيسان/ابريل في العام 1989). وكان أبرز ثمار هذه التجربة هو تأسيس “مركز الحوار العربي” في خريف العام 1994 ليكون منتدىً عربياً فريداً من نوعه في أميركا،

يجمع بين الفكر والعمل، بين الأنشطة الثقافية والقضايا العربية العامة، بين تحسين الفكر والأداء الحواري لدى العرب وبين تصحيح الصورة المشوّهة عنهم وعن قضاياهم لدى غير العرب، بين أنشطة ومطبوعات باللغة الإنجليزية موجّهة لعموم الأميركيين، وأخرى باللغة العربية تهتمّ بالشأن العربي في كلّ مكان.

“مركز الحوار العربي” هو الآن منبر يخدم الثقافة العربية ومضمونها الحضاري، ويسعى نحو دور إيجابي أفعل للعرب في المجتمعات الغربية وبين العرب أنفسهم.

أيضاً، وجود “تجربة الحوار” على مدار 28 سنة كان تلبيةً لحاجة الجالية العربية في أميركا إلى مؤسسات ومنابر ثقافية تعزّز دورها في المجتمع الأميركي وتصون هويتها الثقافية وجذورها الحضارية.

ورغم ضعف الإمكانات المالية وصعوبة ظروف العمل العربي في أميركا، أوجدت مؤسسة “الحوار” مناخاً حوارياً عربياً حضارياً في واشنطن يخاطب العقل لا العواطف، ويحثّ العرب في كلّ مكان على نبذ العنف وعلى اعتماد اسلوب الحوار لحسم خلافاتهم، وإلى تفهّم الرأي الآخر والبحث عمّا يجمع معه عوضاً عن تخوينه وإدانته لمجرّد أنّه رأي آخر!

ورغم أنّ “تجربة الحوار” ليست بجمعية حركية سياسية بل تأسّست كمنبر فكري وثقافي عربي في منطقة واشنطن، رغم ذلك، فإنّها كانت دائماً في مقدّمة المؤسسات والجمعيات العربية الأميركية التي تعمل وتنشط دفاعاً عن قضايا عربية هامّة داخل المجتمع الأميركي. ف”الحوار” كانت في مقدّمة من يعملون من أجل توعية الأميركيين عموماً بحقوق الشعب الفلسطيني وبعدالة المسألة الفلسطينية. كما خصّصت “الحوار” على موقعها على الإنترنت صفحة هامة جداً باللغة الإنجليزية عن حقوق الشعب الفلسطيني وعن مخاطر استمرار الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل.

هذا في الجانب الإعلامي والسياسي، أمّا في الجانب الفكري والثقافي فقد كان تاريخ 28 سنة من عمر مؤسسة “الحوار” سجلاً حافلاً من العرض السليم للثقافة العربية ولمضامين الحضارة العربية والإسلامية، ومن الردّ على الحملات العنصرية داخل المجتمع الأميركي ضدّ العرب والمسلمين، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر من العام 2001. وقامت “الحوار” أيضا بتخصيص قسمٍ من موقعها على شبكة الإنترنت لموضوعات مهمة باللغة الإنجليزية عن الإسلام والعرب غايتها تصحيح الكثير من المعلومات والمفاهيم الخاطئة لدى الأميركيين والغربيين عن الأمور الثقافية والتاريخية والسياسية الخاصّة بالعرب.

وقامت “الحوار” بهذه الأنشطة الفكرية والثقافية والإعلامية من خلال مطبوعات وندوات أسبوعية (أكثر من 1030 ندوة حتى الآن)، وموقع على الإنترنت (منذ العام 1996)، ثمّ من خلال حملات الرسائل الإلكترونية شبه اليومية باللغتين الإنجليزية والعربية.

ولم تكن الصعوبات المادية هي وحدها التحدّي الكبير أمام استمرار هذه التجربة على مدار 28 سنة، أولاً كمجلة شهرية (1989-1994)، ثمّ لاحقاً كمنتدى ثقافي، بل كان أيضاً تحدّي إثبات أهمّية مبرّر الوجود وجدوى فاعلية الأنشطة، هو الهمّ المعنوي الملازم للهمّ المادّي المتواصل. فكثيرٌ من العرب الذين سمعوا عن تجربة “مركز الحوار العربي” حين تأسيسها في العام 1994، لم يتفاعلوا معها مباشرة لفترة من الزمن، حيث طرحوا أسئلة مشروعة تتعلّق بالفائدة أصلاً من الاهتمام بالأمور الفكرية، فهي بالنسبة لهم، مسألة هامشية، أو حينما تساءلوا عن جدوى أسلوب الحوار حيث هو بنظرهم “مجرّد كلام بكلام” ولا يغيّر شيئاً!.

رأيٌ آخر أيضاً واجه تجربة “مركز الحوار العربي”، وهو لا يقلّل من قيمة الفكر وأسلوب الحوار لكنْ لا يحبّذ حدوثه بين العرب أنفسهم في أميركا، حيث الأولوية لدى أصحاب هذا الرأي يجب أن تكون للحوار مع الأميركيين فقط، وبأن على “الحوار” واجب العمل مع الأميركيين غير العرب، أولاً وأخيراً.

لكن هذه التساؤلات السابق ذكرها أكّدت عن غير قصد أهمّية وجود تجربة “مركز الحوار” وما يماثلها الآن من تجارب عربية فكرية وثقافية، لإزالة هذا “الاستخفاف” بالفكر عموماً وبجدوى الحوار المنشود بين العرب في كلّ مكان.

إنّ غياب الرؤى الفكرية السليمة لما هو واقعٌ مرفوض ولما هو مستقبلٌ منشود، يعني دعوةً للآخرين إلى التحكّم بمصائر الواقع والمستقبل معاً. لذلك كانت بداية تجربة “الحوار” قائمةً على دعوةٍ مفادها: “الأمَّة التي لا يفكّر لها أبناؤها تنقاد لما يفكّر لها الغرباء”.

إنّ الشعوب أو الجماعات التي تهمّش دور الفكر في حياتها تُهمّش عملياً دور العقل لتُحِلَّ مكانه الغرائز والانفعالات فتصبح الشعوب أدوات فتن، وتتحوّل الأوطان إلى بؤر صراعات تؤجّحها القوى التي تملك “أفكارا” لتنفيذها هنا وهناك.

وكيف يمكن مخاطبة “الآخر” غير العربي ومحاورته بالقضايا العربية العادلة إذا كان الإنسان العربي نفسه لا يملك المعرفة الصحيحة عن هذه القضايا ولا يجد لديه أي التزام تجاهها؟! وهل يمكن بناء جالية عربية واحدة في أي مجتمع غربي إذا كان أفراد هذه الجالية رافضين لهويّتهم العربية؟!

إنّ حال العرب أينما وُجدوا (في داخل المنطقة العربية أو في أوروبا أو أميركا) هو حالٌ واحد: معاناة من غياب العلاقات السليمة بين أبناء الوطن الواحد، وأيضاً بين أبناء الأمّة الواحدة القائمة على عدّة أوطان ممّا أدّى أحياناً إلى الصراع بين أبناء هذه الأوطان.

صحيحٌ أنّ على العرب في الغرب مسؤولية “إصلاح الصورة” المشوّهة عنهم وعن أوطانهم في المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها الآن، لكنّ ذلك لا يهمّش ضرورة “إصلاح الأصل أولاً”، والعمل على بناء الذات العربية بشكلٍ سليم.

إنّ العيش في أميركا كأقلّية دينية أو إثنية يجعل أفراد الجالية العربية أكثر فهماً لمشاكل الكثير من الأقلّيات في الشرق العربي، وإدراكاً بالتالي لأهمّية الوضع الدستوري السليم المطلوب هناك، حيث أنّ صمّام أمان الحياة العربية في أميركا هو الدستور الأميركي والقوانين الأميركية التي تحمي حقوق النّاس بغضّ النظر عن دينهم أو لونهم أو معتقداتهم أو أصولهم الإثنية.

إنّ الإنسان العربي في المهجر هو إنسان محظوظ إذا أحسن الجمع بين أصوله الثقافية الحضارية وبين التفاعل مع حضارة وثقافات أخرى، فهذا الجمع هو إغناء فكري وثقافي وعملي لمن يقدر عليه، بينما الذوبان الكامل في ثقافة الآخر، أو العزلة في ثقافة الأصل، هو الذي يولّد الأزمات مع النفس ومع الآخر .

إنّ هذا التفاعل الخلاق بين الثقافات والحضارات هو الذي يوسّع مكامن المعرفة ويفتح الآفاق الجديدة أمام الأفراد والجماعات.

فلا تناقض بين “هويّة” مذهبية أو طائفية أو وطنية مع “الهويّة الثقافية العربية”، ثمّ لا تعارض بين كلّ هذه “الهُويّات” التي يحملها معه المهاجر العربي، وبين “هويّة وطنه الجديد” الذي هاجر إليه. فالمهم هو كيفيّة فهمه لمسألة “الهُويّة” وعدم جعلها سدّاً منيعاً أمام التفاعل المطلوب مع محيطه المشترك أو “هُوياته الأخرى”.

وحينما تسود الرؤية السليمة لمشكلة “الهويّة” يتّضح حتماً مفهوم “الدور” وكيفيّة تحقيقه بالوسائل السليمة أيضاً. ولعل “تجربة الحوار” ساهمت في أميركا، ولو بقدر بسيط، في الإجابة الفكرية والعملية عن السؤال التقليدي: “من نحن وماذا نريد”.

إنّ مؤسسة “الحوار” في واشنطن، وُجدت على أرضٍ أميركية، لكنّها زرعت في هذه الأرض نبتة جديدة تحتاجها المنطقة العربية والعرب أينما كانوا، وهي نبتة أهمّية أسلوب الحوار بين العرب وضرورة التسليم بحقّ “الرأي الآخر” بالوجود وبالتعبير عن نفسه، وليكون ذلك مساهماً في بناء مجتمعاتٍ عربية ديمقراطية سليمة. وقد حملت “الحوار” منذ تأسيسها دعوة عربية توحيدية تدعو للتكامل بين العرب بدلاً من التفرّق، وإلى صون التراث الحضاري والاعتزاز بالانتماء العروبي بدلاً من الفراغ والضياع الثقافي والروحي.. وهذه الدعوة أحدثت على مرِّ السنوات الماضية تأثيراً ايجابياً واضحاً في أكثر من مجال ومع أكثر من شخص ومؤسسة..

ألا تستحق هذه التجربة الثقافية العربية الهامّة دعم العرب أينما كانوا للحفاظ على استمراريتها وتطويرها فتكون منارة مستمرة لإشعاع نور نهضوي فكري وثقافي عربي؟!

نيسان/أبريل 2017

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

Sobhi@alhewar.com

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS

One Response to 28 سنة على تجربة ثقافية عربية في واشنطن/ صبحي غندور

  1. Haseeb Shehadeh أبريل 22, 2017 at 8:04 م

    بناء على الخطوط العريضة لهذه التجربة العربية في أمريكا يمكن القول إنها جديرة بالتعميم في بلدان أخرى يعيش فيها العرب.
    ح. شحادة