رابـنـدرانات طاغـور:  مـنـارة الـهـنـد الـكـبـرى/ الدكتور عـبـد القـادر حسين ياسين

الدكتور عـبـد القـادر حسين ياسين

لأنه أعظم شاعر هندي في العصر الحديث،
وأحد أهم رموز الحكمة المشرقية في التراث الشعري الإنساني،
يستحقّ رابـنـدرانات طاغـور أن تـحـتـفـل به الـهـنـد،
فالنقد الحديث يرى في هذا الـهـنـدي الكبير امتداداً شعرياً وفلسفياً،
لملحمة “المهابهارتا” التي تعكس ضمير الهند وروحها المشرقية،

هو الحكيم الصّوفي الذي جدّد اللّغة البنغالية، وأثرى قاموسها الأدبي،
وجعلها تتخطّى حدود الهند، لترفرف عالياً في سموات القارات الخمس.

كتب رابـنـدرانات طاغـور القصيدة والرواية والقصة القصيرة،
والمسرحية والمقالة، وبرع فيها جميعاً.

في سنّ السابعة كتب أوّل قصيدة،
وفي سنّ السبعين تعلّم فـنّ الرّسم،
واقتنت لوحاته الفنّية معظم متاحف العالم الكبرى.

كتب آلاف الأغاني، ولحنّ بعضاً منها، وجـدّد الموسيقى البنغالية.
وطاغـور هو أوّل كاتبٍ ينال جائزة نوبل للآداب، من خارج أوروبا، عام 1913،
حيث تفوّق على صاحب “الحرب والسلم”، الروسي ليو تولستوي،
الذي لم ينلها أبداً، على رغم أنه ظل المرشّح الأقوى، حتى قبل وفاته عام 1910.

خلعـت عليه بريطانيا العظمى لقب “الفارس”، عام 1915،
لكنه تخلّى عنه عام 1919 في أعقاب مجزرة “أمريـتـســار”،
التي راح ضحيتها أكثر من 500 متظاهـر هـندي ،
كانوا يحتجون ضدّ القـوانين الاستعمارية البريطانية التي تكبّل بلادهم.

لكنّ سمعـته الواسعة في الغرب كصوفي روحاني، وشاعر حكيم،
غـيـّـبت، إلى حدّ ما، صورته كناقد لاذع للاستعمار،
نادى باستقلال الهـند عن بريطانيا،
وكان تأثيره في المهاتما غاندي كبيراً، هو القائل في إحدى أغانيه:
“أنا هذا البخورُ الذي لا يفـوحُ عطره ما لم يحترق”.
وليست مصادفة أن يقول عـنه غاندي إنّه “منارة الهـنـد الـكـبـرى”

ألهم رابـنـدرانات طاغـور شعراء عصره جميعاً، في الشّرق والغرب،
ونظر إليه الشعراء الأمـريكيون، بشكل خاص،
بوصفه “خلاصة رفيعة للفلسفة الهندية القديمة”،
وامتدحه شعراء أمريـكا، ورأوا فيه امتداداً للفلسفة الما ورائية ،
التي تنادي بقيم التنوير الداخلي، والغبطة الروحية،
التي تجلّت بوضوح في كتابات رالف والدو إمرسون وقصائد وولت ويتمان.
وقد تكرست سمعة طاغور كأحد أهم الشعراء الرائين في العالم،
بعد نشر قصائد كتابه “جيتانجالي” أو “قرابين الأغاني”،
التي حاول من خلالها أن يجد الهدوء الداخلي، والسكينة الروحية،
ويستكـشف لغز العشق الإلهي، وسرّ الحبّ الدنيوي:
“أيها النّور، يا نوري، يا نورَ العالم،
أيّها النّورُ الذي يقبّلُ العـينين، نور القلب العذب.
آهٍ، إنّ النورَ يتراقـصُ، يا حبيبي، في قلبِ حياتي.
إنّ النورَ، يلامسُ، يا حبيبي، أوتارَ عشقي،
إنّ السماءَ تـنـفـتـحُ…”.

وقد قام طاغـور بنفسه بترجمة هذه القصائد إلى الإنجليزية،
حيث رأت النورَ عام 1912، تتصدّرها مقـدّمة كتبها الشاعر الإيرلندي الشهير،
وليام بتلر ييتس الذي يصف شعره بالقول:
“هـذه القـصائد الغنائية المفعمة برهافة الإيقاع،
والتموجات اللّونية الخافـتة، والتجديد العروضي،
تكشفُ، في مستوى فكرها، عن عالمٍ حلمتُ به طوالَ حياتي”.

وامتدح عـزرا باوند شعرية طاغـور، حتى أنه لفت انتباه لجنة نوبل،
إلى عـبقرية هذا الشاعـر القادم من بلاد البنغال.
وكتب باوند مقالاً عام 1913 في مجلةFortnightly Review  يقولُ فيه:
“يوجدُ في شعرِه هـدوءَ الطبيعة،
فالقصائد ليست نتاج العاصفة، أو الشّرر،
بل تكشف عن خاصّية عـقـله.
إنه منصهرٌ مع الطبيعة، ولا تناقضات في ذلك.
وهذا يخالف، في شكل حادّ، النمطَ الغربي،
حيث يحاول الإنسان دائماً السيطرة على الطبيعة ،
من أجل الإتيان بدراما عـظيمة”.

هذا التوحّد مع عالم الطبيعة في شعر طاغور ترك تأثيره،
في شكل لافت، في سرديات الياباني كاباواتا، وقصائد الرّوسية آنا أخماتوفا.

شاعـر أم قـديـس؟

وقد أحاطت بالشاعر هالة عالمية نادرة، رافقته كظلّه،
ورفعته إلى مصافّ القـدّيـسـين، وجعلت كاتباً ،
كالفرنسي رومان رولان يقول بعـد لقاء جمعه به:
“حين تقـترب من طاغـور، تشعر أنّكَ في معـبد.
وتبدأُ تتكلّمُ بصوتٍ خفـيض”.

وقد التقى رابـنـدرانات طاغـور أهمّ رموز الثقافة والفكر والأدب في الغرب،
خلال تجولاته الكثيرة، من أمثال هـنري برغـسون، وألـبـرت آيـنـشـتـأيـن،
وروبرت فـروست، وثوماس مان، وجورج برنارد شو، وسواهم.
وفي عام 1932، زار العـراق، واكتشف حكمة بلاد ما بين النهرين،
كما أنه دخل بلاد فارس، وقرأ أشعار الصوفي الكبير حافظ الشيرازي، وتأثّر بها كثيراً.

وُلد رابـنـدرانات طاغـور في مدينة كالكوتا،
في أسرة مرموقة، تعشق الأدب والعلم.
كان والده عالماً معروفاً، ومصلحاً اجتماعياً.
فَقَدَ الشاعر والدته حين كان صغيراً،
وحين حُرِق جثمانها، أدرك أنّها لن تعود أبداً،
مـما أذكى جمرة التأمّل في روحه.

ويعود الفضل الى عائلة طاغـور، وبخاصة جدّه ووالده وأشقائه،
في إحياء نهضة بنغالية رفيعة حاولت الجمع بين الثقافة الهندية والأفكار الغربية.
ومع ذلك، يذكر طاغـور في مذكراته أنه “ارتدى الحـذاء والجوارب،
للمرّة الأولى في حياته، حين كان في سنّ العاشرة.”

بدأ رابـنـدرانات طاغـور كتابة الشعـر في سن مبكّرة،
وتلقّى تعليمه على يد مدرّسين خصوصيين،
ثم تنقّل في مدارس عـدّة في الهند.
ذهب إلى بريطانيا لمدة عام لدراسة الحقوق،
وعاد منها من دون الحصول على شهادة أكاديمية.

لكنه بدأ هـناك بكتابة قـصيدته الشهيرة “قـلـب مـُحـطـَّم”.
كتابه الأوّل ظهر حين كان في السابعة عشرة من عمره،
ونشره له أحد أصدقائه من دون معرفـته.

قام طاغـور بجمع الأساطير المحلية، والرموز الخرافية ،
في البنغال الشرقية (التي تُعرف اليوم ببنغلادش) ،
واستلهم منها عشرات القصائد والنصوص،
وأصدر سبعة دواوين شعـرية بين عامي 1893-1900.

حصد شهرة واسعة في هذه الفترة، وكتـب بلغة الناس البسطاء،
مبتعـداً عن فصاحة اللغة الهـنـدية وتراكيبها المعـقـدة.

في عام 1901 أسّس مدرسة خارج كالكوتا، سمّاها “فيسفا بهاراتي”،
كرسها لدراسة الفلسفة الهندية والغربية، وتحولت، في عام 1921، إلى جامعة مستقلة.

مُني طاغـور في هذه الفترة بسلسلة مصائب شخصية،
حيث توفيت زوجته عام 1902، ثم إحدى بناته عام 1903، وابنه الأصغر عام 1907.

عند وفاته عام 1941، بلغ عدد دواوينه أكثر من أربعة وأربعين ديواناً،
وأغانيه تجاوزت الألفين. كما أنّه ألّف أكثر من ثماني روايات،
وأربع وثمانين قصة قصيرة، وأحد عشر مسرحية، وعدداً من كتب الرحلات.

جرّب طاغـور الأشكال الشعرية بكل أنماطها،
لكنه ظل وفياً لغنائية شجية لم تفارقه أبداً.
ويرى معظم النقاد أن قصائده قابلة للتلحين،
لأنّها مسكونة بالإيقاع الرّوحي، ناهيك عن الموسيقى العروضية،
ما يجعل حتّى الناس البسطاء في البنغال يردّدونها بيسر وسهولة.
وقد تحوّلتْ إحدى أغانيه، وعـنوانُها “البنغال الذهبي”،
إلى نشيد وطني لدولة بنغلادش.

كان رابـنـدرانات طاغـور أوّل كاتب هندي يستثمر منجزات علم النفس في فـنّ القصة والسرد. وكتب قصائد نثرية، ومسرحيات ، وألّف كتباً عدّة في التاريخ والفلسفة والخيال العلمي.
وكتب جلّ أعماله باللّغة البنغالية، ولم يكن شغوفاً كثيراً بالإنجليزية التي يتقنها.

وبـعــد ؛

لـقـد خـسـر طـاغـور كل مباهج الحياة ليظفر بالثمرة الناضجة، ووظـَّف سنوات عمره في سبيل رفعة الكلمة، وسمو الحرف. ومهما سعى المرء الى الإحاطة بتجربته الواسعة والغـنية فلن يقدم سوى جزءاً يسيراً من ملامح موهـبة تعددت وتنوعـت على نحو فريد، فطاغور الشاعر والقاص والمسرحي والرسام والموسيقي، “مـُذهـل في مداه، ومـُذهـل في عوالمه” التي جعـلته أحد أعظم كتاب الهند في مختلف العصور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كـاتب وأكـاديمي فلسـطيني مـقـيم في السـويـد.

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS

One Response to رابـنـدرانات طاغـور:  مـنـارة الـهـنـد الـكـبـرى/ الدكتور عـبـد القـادر حسين ياسين

  1. وفاء النواجحة مارس 20, 2017 at 10:24 م

    إن أبلغ درس يتعلمه الإنسان من الحياة هو أنه ليس هناك ألم لا يستطيع المرء أن يتخلص منه بعد فترة معقولة من الزمن أو أن يصادقه ويتعايش معه أو يحيله الي أنس وسعادة بشيء من سعة الأفق وعمق البصيرة.. والنظرة الشاملة للحياة التي تري كل ما فيها من جوانب، فالسعادة والألم لا تتركز فقط علي أحزان الإنسان الخاصة فسأحطم الحجر، وأنفذ خلال الصخور وأفيض على الأرض وأملأها نغماً سأنتقل من قمة إلى قمة، ومن تل إلى تل، وأغوص في واد وواد، سأضحك بملء صدري وأجعل الزمن يسير في ركابي .
    من أقوال طاغور
    بورك قلمك أخي عبد القادر