“أدرَكـَـتـْهُ حـِرفـة الأدب..!”/ الدكتور عـبد القـادر حسين ياسين

الدكتور عـبد القـادر حسين ياسين

أشعـل أبـو حـَـيــَّان الـتـوحـيـدي النار في كتبه ومخطوطاته ،
ثمّ جلس فوق حافـَّة الرماد وأخذ يبكي،
يبثّ أوجاعه وأحزانه لحلقات الدخان المتأجّجة،
والتي دفـن فيها عبقريته الفـذة، وفكره الموسوعي،

وثقافته العميقة، وحكمته البالغة، وأدبه الجميل،
بعدما أنكره زمانه، ونأى عنه أولي الأمر،
وصار يعاني الفـقـر والعـوز والحرمان،

رحل أبـو حـَـيــَّان الـتـوحـيـدي مقهوراً،
تتردّد شكواه في كلّ مكان، راثياً موقـفه الحزين،
مخاطباً الوزير ابن العارض:

“خلـِّصني أيّها الرجل من التكـفـف،
أنقـذني من لـبـس الـفـقـر، أطلـقـني من قـيد الضرّ،
اشترني بالإحسان، اعـتبدني بالشكر،
استعمل لساني بفـنون المدح، اكـفـني مؤونة الغـداء والعـشاء،
أجبرني فإنّني مكسور، اسـقـني فإنـّني صدّ، أغـثـني فإنني ملهـوف ،
حلــّني فإنّني عاطل… قد أذلـَّني السفر من بلد الى بلد،
وخذلني الوقوف على كلّ باب، وأنكرني العارف بي،
وتباعد عـني القـريب منـّي..!”.

هذا هو أبـو حـَـيــَّان الـتـوحـيـدي،
العبقـري الذي قـتله الإهمال واللا مبالاة،
فأصبح سائلاً زمانه، طالباً من ينـقـذه ويحـميه…
وحاله حال الكثير من الأدباء والشعراء والمفكّرين ،
الذين كانوا وما يزالون يعانون العوز…

كأنّ قـدر العـبـقـري أن يملك ناصية الـفـقـر والفـكر معاً ،
فلا يجد له في زمانه من يسانده… لكنّهم يساندون الذي يملك أكثر، ويطعم أكثر…

محترم أنت بقدر ما تحتويه جيوبك من مال،
وليس بقدر ما يملك عقلك من إبداع،
لماذا؟!.. أهي المعايير مقلوبة على قفاها،
أم الأمور لذوي الألـقاب والأطناب؟…
يذهب الأديب إلى أقصى مكان ،
يحمل رأسه وفكره وأصابعه ليحيي أُمسية،
أو يلقي محاضرة، أو يدير ندوة…
في نهاية اللقاء الحميم الذي أودع فيه نبض قلبه، وحطّ حمال عقله،
يقرضونه ما استطاعوا إليه سبيلاً، وربّما… ربّما اكتفوا بكلمة “شكراً”.

في مكان آخر من أرض العـرب ،
الممتدّة على اتّساعها من طنجـة الى أم القـيوين،
تهـزّ راقـصة خصرها، تستعرض مفاتنها، وتقدم آخر إنجازات إغـرائها،
فـتـنهال عليها الدولارات والشيكات ،وعـبارات الحبّ المبرح، والغـزل العـنيف،
والوعـود غـير المؤجّلة…
وكأنّ الله وهـب لها ما وهـب ، لتأخذ في ليلة واحدة،
ما يحصل عـليه عشرات الأدباء في عام كامل.

مطرب صاعـد /هابط/، صوته إلى النشاز أقرب،
يصفع آذاننا بترَّهات تسمى أغـنية،
ترفعه ما بين عـشية وضحاها إلى أعلى المراتب،
ويصبح لديه في البنوك المنتشرة عبر أصقاع الدنيا،
ما يضمن مستقبله ومستقبل أحفاده من بعـده.

أعـرف أدباء وشعـراء وكـتـَّاب ومفكرين عـرب،
استدانوا، أو باعـوا أثاث بيوتهم، ليتمكنّوا من طباعة مؤلّفاتهم.
أحد الأصـدقاء الفلسطينيين باع مكتبته من أجل بناء غرفتين للسكن.
صديق عـراقي ضاقت به أرض العرب بمـا رحبت ،
باع موسوعـة The Story of Civilization  “قـصّة الحضارة” ،
بثمن بخس،  لكي يتسـنى لـه تأمين لقـمـة العيش لأطفـالـه…

شيء يستدعي الضحك…
شيء يستدعي البكاء….
حوادث تتلاحق بذاكرتي،
تقـودني إلى حقيقة مـُرّة مفادها أن حال المفكر،
وهو صاحب القلم والرسالة، وحامل لواء الوعي المجتمعي،
في وضع لا يُحسد عليه،
حيث سيضطر أخيراً، وعندما تضيق به الدنيا ،
إلى إلقاء ما كتب وراء ظهره، والوقوف بجانب الجهلة،
لينعم بحياة أفضل.

عندما قالوا قـديماً: “أدركـته حـرفة الأدب” ،
كأنهم قـصدوا أن يقولوا:
“أدركه سوء الحال”..
فلا تسألوا لماذا أحرق أبـو حـَـيــَّان الـتـوحـيـدي مؤلّفاته..

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS

One Response to “أدرَكـَـتـْهُ حـِرفـة الأدب..!”/ الدكتور عـبد القـادر حسين ياسين

  1. samir khalil مارس 6, 2017 at 10:50 ص

    انتم الكتاب والشعراء والمفكرين و(المثقفين والمتعلمين) لم تستطيعو ان تبنو جيلا صالحا مؤهلا ليعلم الاجيال المتعاقبه , فالطفل يركل ويضرب ويهان طيله سنوات تعليمه ويكبر وتكبر معه كرهه للمدرسه وللقرائه والتعليم وتتراكم اجيال حامله على اكتافها صناديق عظميه فارغه تكثر بين هذه الاجيال الكذب والغش والتحايل والجهل ثم تبدآون البكاء على الاطلال .لعلمكم ان هذه الاجيال صنيعتكم وانتم من يتحمل المسؤوليه عن جهل مجتمعاتكم . كونو قدوه للتغيير