أحدث الأخبار

السلطوية معادل لغياب السويّة البشرية/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

لا تفرق الأمراض النفسية أو الجنون السلطوي، بين سلطوية التديّن أو سلطوية السياسة، كما لا تفرق حالات أو إحالات التسلط بينهما كذلك، ففي الحالين نحن في مواجهة جريمة واحدة، ومجرمون كثر، و”فرق موت” تتنوع وتتوزع وتتعدد، طالما أن السلطوية كما تتبدّى، واحدة في بداياتها كما في مآلاتها الأخيرة، لذلك لا يمكننا أن نفرق بين فقه التوحش الداعشي، وفقه توحش الاستبداد السلطوي الرسمي، طالما إن غايات وأهداف السلطوية واحدة لا تتغير جوهريا، بغض النظر عن طبيعة السلطة وشخوصها، كما  وبغض النظر عن بعض من يعارضها ولماذا؟.

إن سلطة لا ترى في ذاتها، سوى كونها الأحق في ما يمكن أن تمارسه من مسلكيات شرعية أو غير شرعية، ولا تتوافر على شروط الآدمية الإنسانية، خاصة حين تتواطأ أدواتها التنفيذية مع تلك المسلكيات، ليصبح المنظرون والمنفذون لآليات ومعايير السلطوية وجها عملة واحدة، تحكمهم متلازمة الجنون السلطوي، كما متلازمة “إلهية السلطة” أو “السلطة الإلهية”.

أفصح ما نواجهه في حالة المسالخ البشرية (الهولوكوستات المضافة) التي تعيشها سجون الأنظمة الرسمية، كما سجون المنظمات والميليشيات الأهلية والطائفية المذهبية والإثنية، حيث فقه التوحش هو الفقه السائد، الذي لا يحتاج إلى أي تبرير أو تفسير أو تأويل، على أختلاف مسلكيات القتل والحرق والإعدامات وسلب الإنسان الفرد كما الجموع، الحق في الحياة، وفي التنفس الحر، وفي الدفاع عن النفس في مواجهة أعداء الحياة.

لقد توافرت الأيام الأخيرة على عدد من الشهادات الصادقة، عما يجري من جنون الاعتقال السياسي التعسفي، في سجون ومعتقلات سرية وعلنية، كما في صيدنايا وعدرا وغيرهما في سوريا، وفي سجن جنيد وغيره من أقبية وزنازين سجون السلطة الفلسطينية، كما في سجون سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وسجون العديد من الأنظمة الاستبدادية والطغيانية، وما يماثلها من جماعات أهلية ومجموعات ميليشياوية طائفية ومذهبية مشابهة، من قبيل تلك الـ “معارضات” الأكثر سلطوية، وهي لا تختلف في رؤيتها لذاتها عن رؤية هذه السلطة أو تلك، ولأحقيتها في ممارسة شتى أصناف الارتكابات بحق الإنسان، وذلك على خلفية تشبثها بسلطة فاجرة، لا تريد أن ينازعها عليها أحد، كائنا من يكون.

ما يجري في السجون من إطلاق العنان لوحوش كاسرة، ترتكب ما ترتكب من جرائم، لا تجعل من السلطة أيا تكن، رؤوفة وحنونة وإنسانية تجاه أهلها وأصحابها، فسجان السلطة (وقد يكون زعيمها أو من في حكمه) وجلادوها، على اختلافهم،  وعلى اختلاف انتماءاتهم السياسية أو الدينية، جميعهم لا يختلفون عن سجاني وجلادي السجون، كلهم سجانون وجلادون ضد الحرية وضد الكرامة وضد العدالة والانسانية، وضد القانون والقضاء والدستور، ضد كل ما ينبغي للآدمي أن يمارسه ويسلكه تجاه ذاته وتجاه الآخرين.. أو حتى تجاه الآخر كعدو.

لكن السلطوية كما العديد من مسلكيات السلطة؛ توزع أمراضها منذ لحظة تسللها واستيلائها وبدء تحكمها بمحكوميها، فكيف إذا طال الزمان بها عددا من العقود؟ كحال العديد من سلطات استبدادية “ربخت” على مقاعد الجنون السلطوي ردحا طويلا من الزمن، فما كان منها إلا أن نقلت أدواء جنون السلطة إلى كائناتها المتوحشة داخل السجون، وقد تحولت مع الوقت إلى مسالخ بشرية، أين منها تلك المسالخ الحيوانية، حيث السلخ والذبح وكل موبقات القتل الإجرامي أصبح سلوكا اعتياديا، يمارسه جلادون يعتقدون أنهم أسوياء، وهم في الحقيقة مرضى المتلازمة السلطوية، شديدة الشبه بمرض جنون السلطة، حتى لم تعد تختلف مسلكياتهم غير السوية داخل السجون والمعتقلات عن تلك المسلكيات خارجها، بين أسرهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم، حيث أمراض السلطة وجنونها، تصبح هي “السوية المريضة” ليس لدى السلطة فحسب، بل هي تتوزع على كامل من اقترن بالسلطة، أو من اقترنت السلطة به. لذلك غابت الدولة وغيّب المجتمع، وغاب الإنسان/المواطن في غياهب السجون والنسيان.

فلنتأمل صيدنايا وجنيد وسيرة السلطة الترامبية الناشئة، ومن قبلهم النازية والأنظمة الفاشية، كنماذج لتحولات سلطويات تفتقد العقل والمنطق والسوية البشرية والإنسانية. كل ذلك من أجل إطلاق حرية بلا حدود للجلادين، للثأر أو الانتقام ممن يعاندون أو يشهرون تعارضاتهم ومعارضاتهم للسلطوية الملطخة بكامل سيرها وسردياتها بالعار، الذي لا يمكن محوه بالمطلق على مدى التاريخ، والأجيال المتعاقبة من البشر.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°