أحدث الأخبار

حبل الاستيطان ودف ترامب/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

يقوم في فلسطين اليوم وعلى أرضها التاريخية، كيان استيطاني عنصري، يختلف بطبيعته وطبعه، ومهما حاول من تطبع أو تطبيع، عن طبيعة الدولة أو طبع الدول في كل العالم، بل هو كيان إحلالي، أحل أناسا من مشارق الأرض ومغاربها محل أصحاب الأرض الطبيعيين منذ الأزل، وذلك تحت شعار كاذب وزائف: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” شعار اشتق من أيديولوجيا العنصرية الأكثر فاشية، في استنادها إلى تدين توراتي، لا أساس ولا أصل له في تاريخ الديانات لا الزراعية ولا المدينية ولا السماوية.

الأدهى والأمر أن احتلال الوطن الفلسطيني، لم يبق وقفا على الايديولوجية الصهيونية كحركة سياسية، تشكلت في مناخات الاضطهاد الأوروبي لفئات من يهود أوروبا، بل استطاع بعض الأوروبيين توظيف المسألة اليهودية عندهم وتحويلها إلى مسألة عالمية، عبر ما فعلته النازية بيهودها، وعبر ما ارتكبته بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين، من قمع النزوع التحرري للشعب الفلسطيني، والانحياز لليهود الصهاينة، والعمل على إنشاء “وعد من لا يملك لمن لا يستحق” (وعد بلفور) وصولا إلى تجسيد هذا الوعد باحتلال فلسطين يومها، رغم وجود قرار بالتقسيم، أباح الوطن الفلسطيني كله لصالح “الدولة الإسرائيلية”، في حين بقيت “الدولة الفلسطينية” للعديد من الأسباب، مجرد حبر على ورق الوعود الزائفة والكاذبة.

لهذا ومنذ بدء الصراع الفلسطيني – الصهيوني، ما قبل الانتداب البريطاني، وحتى اللحظة، بقي البناء الاستيطاني على أرض وممتلكات الفلسطينيين، يتواكب مع الاحتلال العسكري أو يأتي على أثره، حتى بات هذا الأخير يتوازى على الدوام مع مسألة الاستيطان، فصارت المسألة الفلسطينية من زاوية النظر إليها من الجهة الإسرائيلية، تختزل في قضيتي الاحتلال والاستيطان، ليعيشا وينموا ويتوسعا سويا. حتى وقعت فلسطين كلها في حرب العام 1967، (جرى الانسحاب من قطاع غزة عام 2005) تحت نير احتلال الصهيونية العالمية التي ضمت أقساما واسعة من إنجيليي المسيحية الصهيونية، في تحول مضاد للتاريخ والعدالة والانسانية، وها هو البيت الأبيض الأميركي وقد بات محتلا من قبل إدارة عنصرية فاشية من ذاك الصنف، لا يتوقع منها سوى العزف على وتر التطرف الصهيوني وأهدافه في الإبقاء على الاستيطان، النموذج الاحتلالي الأعلى للهيمنة الكولونيالية على أراضي وممتلكات الفلسطينيين، في لفتة لا تنتهي لتواصل النكبة كما بدأت تباشيرها تلوح أول مرة، منذ قيام أول مستوطنة على الأرض الفلسطينية في القرن الثامن عشر (عام 1878) وحتى اليوم.

وها هو بيان البيت الأبيض (أو ما قيل إنه مسودة بيان) لساكنه الجديد (دونالد ترامب) في الثاني من فبراير/شباط 2017، يقامر في أول مغامراته وفي بيان رسمي، ليعتبر أن “بناء مستوطنات جديدة قد لا يساعد في عملية السلام”، وذلك في لهجة غير قاطعة ولا حاسمة، في ذات الوقت الذي رأى فيه أن ما سبق من بناء استيطاني، “لا يشكل عقبة أمام السلام”، بينما كانت كل قرارات الشرعية الدولية قد اعتبرت أن البناء الاستيطاني غير شرعي، وعقبة ليس أمام السلام، بل وأمام المفاوضات التي يمكن لها أن تجلب مثل هذا السلام المأمول. وكذلك فعلت اتفاقات أوسلو التي بقيت تعتبر كل بناء استيطاني جديد أعقب توقيع الاتفاق غير شرعي، بل وتقوم مقام حائط الصد أمام استمرار المفاوضات حتى اللحظة.

بالتوازي مع هذا الموقف الترامبي، وفي مقابل عملية إخلاء مستوطنة “عمونا”، وهي غيض من فيض الاستيطان، صادق كنيست الاحتلال مساء الاثنين (7/2/2017) على “قانون التسويات” أو بحسب ما أطلق عليه البعض تسمية “تبييض المستوطنات” بأغلبية 62 صوتاً مقابل معارضة 52 صوتاً، حيث يتيح القانون الذي صودق عليه بالقراءتين الثانية والثالثة “تبييض وشرعنة حوالي 50 بؤرة استيطانية قائمة تضم أكثر من 4 آلاف وحدة سكنية للمستوطنين”، كما يسمح القانون بالبقاء في أراضي ثبتت ملكيتها لمواطنين فلسطينيين من دون إخلائها، مع تعويضهم إذا ما أثبتوا ملكيتهم لها.

وبغض النظر عن شرعية الاستيطان في أي فترة زمنية سابقة أو لاحقة، فالاستيطان الإسرائيلي هو جوهر المشروع الاحتلالي التهويدي الذي تجسد عمليا على أرض الوطن الفلسطيني، ذاك الجوهر الذي لا يتغير أو يتبدل، وفقا لهذا العدد أو ذاك من زيادة الوحدات أو المنازل الاستيطانية، أو المخططات التوسعية في هذه المنطقة أو تلك من الأرض الفلسطينية، على حساب المدن والقرى والبلدات أو المشاعات التي تعود ملكيتها للفلسطينيين أبا عن جد.

هذه الحقيقة التي تفقأ كل عين “بصيرة”، ترى وتتجاهل ما ترى، أو تتعامى عما ترى، ولا تريد أن ترى سوى ما يحقق لها مصالحها في استمرار الأوهام سياسة محبذة ومحببة، على ما وصل إليه الوضع الفلسطيني المشرذم والمنقسم ذاتيا وجغرافيا وموضوعيا في نظر أصحاب الغايات السلطوية، إن تجاهل هذه الحقيقة وتجاوزها لا يمكنه أن يعيد الوضع الوطني الفلسطيني إلى مساره الصحيح، المسار الذي يحقق للفلسطينيين أمنيات وتطلعات تحررهم الوطني من الاحتلال وتسلطه، ومن الاستبداد السلطوي، الفاعل الرئيس في خلق سياسات التشرذم وعدم مقاربة أو تذليل العقبات أمام سياسات الوحدة والتوحد الوطني.
أما الرهان على مواقف جزئية من هنا وهناك، أو تفسيرها على غير حقيقتها، فهو ما سوف يبقي الارتهان للخارج الاقليمي والدولي على حاله، فهو ارتهان ضار، وأكثر من ضار، خاصة وأن الإدارة الترامبية الجديدة في البيت الأبيض “ملكية” صهيونية أكثر من صهيونية “الملك” الإسرائيلي، وهي في اضطراب مواقفها وتخبطاتها المختلفة لن يتاح لها إنجاز ما تفكر أو ما قطعت وعودا “انتخابية” أو “رئاسية” لإنجازه لصالح إسرائيل، حيث يرى خبراء ومعلقون أن موافقة ترامب، ولو بشكل ضمني، على مواصلة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، ترتدي أهمية أكبر لدى نتانياهو من نقل السفارة في الوقت الراهن. ووفق صحيفة «نيويورك تايمز» الصادرة الإثنين، أي قبل يوم من بدء زيارة نتنياهو للولايات المتحدة، فقد تراجع ترامب عن مسألة نقل السفارة بعدما أوحى اليه نتانياهو بأن قراراً يرتدي هذه الرمزية الكبرى، ومع ردود الفعل المترتبة عليه لدى الفلسطينيين والدول العربية، ليس في أعلى سلم أولوياته.

من جانبه وإذ يدرك نتنياهو أن الاستيطان بالنسبة للإدارة الترامبية الجديدة، مشروع وشرعي، مصيري ووجودي قلبا وقالبا، ولا يمكن وقفه بالرغبات والأماني والتمنيات، في ظل هذا الاحتلال المريح والمربح على جانبي خط الصراع الذي تحول بدوره إلى ملهاة وتراجيديا لا خلاص منها إلا بإنهاء الاحتلال، وذلك حينما يستطيع الفلسطينيون وبعون الأشقاء والأصدقاء عبر العالم، إعادة الوضع الوطني الفلسطيني إلى مسارات الكفاح والتحرر الوطني، والمساهمة مساهمة فعلية في تدفيع الإسرائيليين ثمن احتلالهم أضعاف أضعاف ما يستفيدون منه عبر مواصلة الاحتلال والاستيطان، في ظل التباعد عن أهداف العملية السياسية، والتمييع المتواصل للموقف الإسرائيلي من تلك العملية، والتناغم الترامبي معه، بتكبير حجره الذي لن يستطيع به هدم جدران “الستاتيك” التفاوضي، وإجبار إسرائيل على العودة إلى طاولة المفاوضات، حيث ذكر أنه بدلا من الضغط من أجل إجراء محادثات سلام، قال ترامب واهما أو حالما، إنه يريد أن يبدأ النقاش في شأن “اتفاق نهائي”.

كل هذا والوضع الوطني الفلسطيني يراوح مكانه، فيما الاستيطان يحلق عاليا ويتوسع أفقيا في احتلال المزيد من الأرض والممتلكات الفلسطينية، ومد الولاية القانونية والاحتلالية الإسرائيلية، على المزيد من الأراضي الفلسطينية، ليس في الضفة الغربية والقدس، بل وفي مناطق الجليل والمثلث والنقب. وكأن حبل الاستيطان يواصل الرقص على دف الساكن الجديد في البيت الأبيض.

بمعنى من المعاني، وكما يُفهم من بيان أو مسودة بيان العهد الترامبي الجديد: فليبق القديم على قدمه، طالما أن الاستيطان لا يشكل عقبة، وفي نفس الوقت لا يساعد على السلام. فهل هناك أحجية أكثر غموضا من هذه الأحجية الترامبية؟.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°