ماذا سأفـعل لو كنت سأموت بعد ساعة…؟!/الدكتور عبد القادر حسين ياسين

أضيف بتاريخ: 22 - 01 - 2017 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: قضايا وملفات

الدكتور عـبد القادر حسين ياسين

في السويد يـمـوت الناس بصمت يليق بخفة ملائكة الموت.
يموتون في عـزلة.
يموتون من قـلة الشمس وشدة الإحباط وارتفاع الضغـط….
كيف سيعرف الأهـل والأصـدقـاء بـنـبـأ الـوفـاة ؟!

سؤال صعـب ، لكن الدولة والمؤسسات،
والسـويد “دولـة مـؤسـسـات” بـإمـتـيـاز،
تـتعامل مع الموضوع بطريقة منطقـية.

ففي سجلات كل شخص ثـمـة خانة يتطلب وضع معلومات فيها ،
وهي السؤال عن إسم وهاتف الشخص ،
الذي يجب الاتصال به في حالات الطوارئ.

هذه القسائم تـُحضر في عـقود الإيجار،
وطلبات التقدم لـلـوظيفة،
وتـُطلب هذه المعلومات من الصغار والكبار،
من المهاجرين والسـويديين علـى السـواء..

في السويد يـمـوت الناس بطرق سريالية ،
وبطرق مضحكة ، وبطرق مقيتة.
أشدها مـأسـاوية تلك التي تكتشف ،
بعـد أن يتفسخ المرء في شقـته ،
و”ينزعج” الجيران من “رائحة لا يعرفون مصدرها”.

قـرأت في صحيفـة  Göteborgs-Posten  ،
أن رجـلا تركيـاً إستأجر غـرفـة مـفـروشة،
في شقة  في أطراف المدينة قبل ثلاثـة أسابيع .

وبـعـد بـضـعـة أيـام بدأت تظهر عليه أعـراض المرض/الموت.
كانت صاحبة الشـقـة ، وهي سـيـدة فـنـلـنـدية ،
تخاف عليه وترسل زوجها كل يوم كي يقرع الباب ويطمئن علي حياته…
إلى أن قرع الباب ولم يتلقَ رداً…

كان عـزرائـيـل قـد سـبـقـه إلى الغـرفـة ؛
ولا أدري إن كان “مـلـك الـمـوت” قد دخل من البـاب..
أو من النافذة، أو من ثقـب في الـقـلـب،
أم أنه كان واقفاً فوق أرنـبـة أنف الرجل منذ يوم ولادته.

إتـصـلت السـيدة الـفـنـلـنـدية بالشـرطة كي تحضر وتأخذ الجثة.
اتصلـت الشـرطة بأولاده في مـدينة “أوديـفـالا”،
التي لا تـبـعـد عـن غـوثنبيرغ أكثر من ثلاثين كيلومتراً ،
لإخبارهم ولم يحضر أحد لإجراء مراسيم الدفن ،
أو حتى إلقاء نظرة أخيرة على الأب.

قامت السـيدة الفـنـلـنـدية ، بالتـعـاون مع الجهات المعـنية ، بالواجب.
دُفـنَ الرجل وحـيداً كما عاش وحيدا لسنوات.

في هذا البلد ، “بـلـد الـرفـاه” و “الـمـعـجـزة الإقـتـصـاديـة” ،
لا أحد يعرف حقـيقة أحد،
ولا شيء يكشف ويخـفي ملابسات الناس سوى الموت.
تتعـدد الوفـيـات، وتـتعـدد القصص حول هـذا وذاك.

في يوم الجمعة الماضي كنت وحدي،
ودون سبب وجيه داهمني هذا السؤال :
ما هو الأمر المهم الذي سأحرص على فعله،
لو كنت سأموت بعد ساعة؟!

وفجأة تغير كل شيء في داخلي..
أصبحت في تلك اللحظة هادئاً وشفافاً،
زال توتري وتلاشت قـسوتي،
أصبحت إنساناً مسالماً إلى أبعد حد.

عندما عـشت ذلك السؤال شعرت أن الدنيا،
وبكل ضجيجها وأضوائها، لا تساوي شيئاً،
وجدتها مجرد فـراغ، شيء غير ملموس،

ما أجمل أن تتصالح مع نفسك و”تترك الجمل بما حمل”،
ما أجمل أن تعرف أنك بعد ساعة لن تحمل معك شيئاً من هذه البسيطة،
وأنك ستخرج منها عارياً كما دخلتها.

في تلك اللحظة الصافية ، ودون تفكير، التقـطت هاتفي ،
وأرسلت رسائل قـصيرة لأشخاص ،
أحمل في داخلي لهم بعض العتاب،
الذي تحول مع الوقت إلى قطيعة..

لم أفكر في ماذا سأقول لهم لو أجابوا على تلك الرسائل..
كانت في داخلي لهفة عليهم شعرت بها ،
حين أدركت أني سأموت بعد تلك الساعة ،
وتوقعت أن يستجاب لندائي العاجل،
لكن الأمر طال وكنت أجد لهم بعض الأعـذار،
فهم لا يعلمون قيمة تلك الدقائق الثمينة ،
بالنسبة لشخص سيموت بعد قليل!..

بعد انتهاء تلك الساعة ظل ذلك الشعور ملازماً لي،
لم أتمكن من النوم ،
ربما لأنني كنت أرغب في إقناع نفسي بأن الآخرين بهم “خير”،
وبأنهم سوف يستفسرون عن تلك الرسالة ،
التي لم أكن لأرسلها لو لم تكن قد ألـمـَّـت بي كارثة.

عند الثالثة والنصف صباحاً أيقنت أني لم أمت تلك الساعة،
أقفلت هاتفي إلى الأبد ،
أدرت له ظهري ولم أنم!

كانت أفـكاري تـتـمـحـور حـول فـكرة واحـدة :
تــُـرى … كم من الوقـت سـيـمضـي عـلـى تـعـفـن جـثـتـي،
قبـل أن يـتـصـل جـاري بشـركة السـكن…
ليـشـكو من رائحـة كريـهـة…؟!


تعليق واحد لـ “ماذا سأفـعل لو كنت سأموت بعد ساعة…؟!/الدكتور عبد القادر حسين ياسين”

  1. وفاء النواجحة11:55 م في 1-23-2017

    قال رسول صلي الله عليه وسلم :
    ” مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ”
    فمن أهم صفات الكائن البشري وجود علاقات بينه وبين الآخرين
    لا أنكر أن هناك وجود لتغييرات عديدة في المجتمع على رأسها ضعف الروابط الإجتماعية بين الناس، وانشغال الكثير منهم وراء مصالحه الخاصة
    و إصابة علاقاتنا الاجتماعية خللٌ أدى الى ضعف هذه العلاقات..
    خاصة بعد اجتياح وسائل التواصل الاجتماعي للمجتمعات كافة ..
    واعتبارها كافية للتواصل ولكن دعني اقتبس منك بعض الكلمات لدحض هذه الاكذوبة . “التقـطت هاتفي وأرسلت رسائل قـصيرة لأشخاص وتوقعت أن يستجاب لندائي العاجل،لكن الأمر طال …”
    نعم إنها لا تغني عن التلاحم بل أدت الى إنخفاض جودة التفاعل بين أفراد الأسرة الواحدة والمجتمع ..
    لكن جاء ديننا الإسلام ليحثنا على الترابط الاسري والتراحم والمودة
    قال صلى الله عليه وسلم: “الجماعة رحمة والفرقة عذاب”
    فالحمد لله على نعمة الاسلام ..
    سأدعو لك في كل صلاة .. وأنت على يقين بأن هناك رب يحميك ويرعاك ..
    عافاك الله سيدي وشفاك …

اترك تعليقك

يجب أن تسجل دخولك لكتابة تعليق.

الوان عربية تأسست في 2009