أحدث الأخبار

انفلات الشرعيات الفلسطينية!/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

مر زمان على موت ودفن الشرعية الثورية الفلسطينية، وها هو يمر زمان آخر على بدء انحلال وانفلات الشرعية الدستورية، إلى حد إماتتها من قبل أصحابها، من دون نعي أو نية للقيام بدفنها، فهي في حشرجاتها الأخيرة ما تني تقوم مقام تحطيم الأواني في كل فضاء تدخله، وهي الحريصة على بقائها ولو هيكلا عظميا، أو “خيال مآتة” الزرع الذي لم يعد يحرسه أحد، بل بات مشاعا وغنيمة لمن سبق، ولمن سرق، ولمن لم يعد يرى في قضية الشعب الفلسطيني الوطنية همه الأول أو قضيته الأولى؛

وتلك طامة كبرى، تعادل في مفاعيلها وفي تداعياتها، نكبة أخرى من نكبات لا ينبغي إدمانها، أو إدمان رؤيتها تستعاد وتتكرر، على مدى أجيال، يفترض انها وقد تعلمت من دروس الماضي واكتسبت وعيا نفاذا، ترفض بموجبه الانجرار خلف طموحات بعض الأفراد وأطماع بعض الفئويات الفصائلية، للبقاء سيدة سلطة مضاعة تحت الاحتلال، ومالكة زمام المغانم السلطوية بالشراكة معه، وبالنيابة والوكالة عن شعب القضية وهويته الوطنية التي بات البعض يألف مغامرة أو مقامرة إضاعتها، أو التسبب في ضياعها وتبهيتها، بعد نصاعة سنوات الكفاح في الذود والدفاع عنها.

لقد خسرت القضية الوطنية شرعيتها الثورية، وهي تقاد إلى نفق العملية التفاوضية، على قاعدة من أحلام تكسرت من أول الطريق، لكن أوهام “حل الدولتين” ما تني تنجح في حرف المسار الكفاحي إلى جانب الانحراف القائم والمتفاقم في المسيرة التفاوضية، جراء المراوغات والمماطلات والأكاذيب الإسرائيلية، وهي تنطلي مرة بعد مرة على الجانب الفلسطيني، الذي يعود في كل مرة إلى طاولة المفاوضات، من دون أن يخسر الإسرائيلي شيئا، فيما هو يواصل سياسات التطهير العرقي، ليربح المزيد من الأرض وليقيم عليها مستعمراته الاستيطانية، غير القابلة للانسحاب منها، على غرار ما جرى لمستوطنات قطاع غزة، بل يجري “التفكير” بمبادلتها بأراض صحراوية بالنقب.

فيما الفلسطيني وقد طالت فواتير خسائره أرضا وممتلكات، وأكلت من أعمار أجياله، يسلب يوميا ما يملك أو ما كان يملك، على مذبح وعود كاذبة هي مجرد أوهام لا تجد من يصدقها سوى العامدين لتصديق الأكاذيب “لغاية في نفس يعقوب”، حيث أثبتت الأيام أن همه الأول يتركز في خشيته من فقدان سلطته التي كرسها بفعل جدل المال والسلطة، على حساب التزامه بجدل القضية والثورة، أي لشرعيته الثورية، وقد جرى استبدالها فيما بعد بشرعية شبه دستورية؛ باتت هي الأخرى متهالكة ومتقادمة، حتى لم يعد بالإمكان تجديدها ولو في الحد الأدنى الخدماتي، كما تجلى مؤخرا في إلغاء الانتخابات المحلية البلدية؛ فأي إمكانية لإجراء انتخابات عامة تشريعية ورئاسية، لتجديد دماء النظام السياسي، بعد كل تلك السنوات العجاف التي انقضت ومضت على ضرورة وجوب استحقاق إجرائها، ولكنها طالت بتداعياتها حتى “الاستحقاق” الإنقسامي، ولم يزل يطالها ويصيبها بعديد من المقاتل والإصابات المميتة.

كل هذا والوضع الوطني والنظام السياسي أحوج ما يكونا لإعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير، حيث لم يعد يلحظ لها أي دور في الحياة السياسية الفلسطينية، وهو أمر يتوافق والموقف الإسرائيلي الاستفرادي بمؤسسات سلطة مسيطر عليها، وممسوكة عبر التنسيق الأمني المستمر والمتواصل، بالرغم من قرار للجنة التنفيذية والمجلس المركزي منذ عام ونصف العام، قضى بضرورة وقف هذا التنسيق، والاتجاه نحو إعلان دولة فلسطين، وهو ما لم يتم حتى اللحظة، انسجاما وانحيازا لعلاقة السلطة بالاحتلال.

في طيات معطيات هذه هي سماتها العامة، هناك ما يمكن أن يقال عن حراكات غير شرعية وغير دستورية، وهي لا تتوافق بالمطلق مع شرعية ودستورية النظام السياسي الفلسطيني المشرذم أصلا، حتى داخل إقطاعيات السلطات الفئوية الحاكمة على جانبي الانقسام السياسي والجغرافي، في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لا سيما في ظل حالات من النكوص والتراجع عن اتفاقات سابقة بقيت حبرا على ورق، وقد جاءت خطوة الدعوة إلى عودة حكومة اسماعيل هنية لمزاولة عملها، بعد ما قيل عن تخلي “الحكومة الوفاقية” برئاسة رامي الحمدالله عن واجباتها تجاه غزة، لتشكل

آخر فبركات تعليل استمرار الانقسام وتبريره، وهذا ما قررته كتلة (حماس) بالمجلس التشريعي بالإجماع مؤخرا في دراسة أوصت بها.

في ظل الفوضى الدستورية وشرعياتها المتضاربة، الناقصة والمنتقصة من ذاتها ومن أخرياتها، من غير المفهوم كيف يمكن لحكومات أو لأشباه حكومات، وما يوازيها، أن تقوم بمهامها في وضع لا تلتزم واحدتها شرعية الأخرى أصلا، ولا تعترف بها كونها انقلابية، والأخرى غير شرعية، وهكذا يستمر المنوال السلطوي يغزل ويغرد كل وفق هواه ومصالحه الفئوية والزبائنية، ولا عزاء لمن يتوانى أو يتقاعس عن مهامه الفئوية.

أما المهام الوطنية فهي للأسف مما لم تعد ملزمة لأحد،  وهي التي جرى ويجري إغراقها  في بحار من التشرذم والتفتيت، حتى الفئوي داخل الفصيل الواحد. ما بات يؤثر على مفهوم الوحدة الوطنية في واقع إحدى سماته الأبرز أنه يحتضن حركة وطنية تحررية، وأحوج ما يكون إلى وحدة وطنية كفاحية، ترتقي إلى أن تكون جبهة وطنية شعبية عريضة متنوعة ومتعددة، تنتظم تحت راية برنامج كفاحي تحرري بديل، لذاك البرنامج السلطوي الذي بات عبأه ثقيلا، وأثقل من أن يحتمل، وحتى هو ذاته بات يثقل على الحركة الوطنية الفلسطينية، في وقت باتت تكاد تفقد مبرر وجودها السياسي الفاعل. فأين تقبع المخارج الملزمة للخروج عن هذا النمط من تسيير الأمور وتسييلها، حتى لتكاد تغرقنا جميعا ومن جديد في بحار من الدم والدموع، والخراب المتناسل في أكثر من فضاء وطني وإقليمي، يشهد لغياب العقل واستباحة العقلانية؟.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°