أحدث الأخبار

دوافع دينية أم دوافع تحررية؟/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ majed1

لم يكن الصراع في أرض فلسطين التاريخية وعليها صراعا دينيا ولن يكون، إذ يخطىء من يعتقد أن “المشتركات” أو الاختلافات الدينية يمكن أن تفضي إلى نوع من التسوية التاريخية، أو إيجاد فهم مشترك أو مفاهيم مشتركة في شأن المسألة الفلسطينية،

وهي المسألة التي نشأت على قاعدة من استعمار استيطاني إحلالي، دخل الأرض الفلسطينية بصفته تلك، حيث قامت الهجرات اليهودية من أوروبا بفعل ما حاق باليهود من مظالم، وارتكب في حقهم من مذابح، ولم يكن كل هذا ناشئا أو ناتج دوافع دينية. بل إن الحركة الصهيونية كحركة سياسية، وهي التي تعاونت مع النازية وتعاملت معها سياسيا وتجاريا، هي من أضفى طابعا دينيا على حركة الهجرات الواسعة لليهود كمحفزات دينية توراتية، من أوطانهم الأصلية إلى فلسطين، وبالرغم من الطابع الأيديولوجي الذي ارتداه الاستيطان، فقد بقي الطابع الاستعماري هو الطاغي، حتى الوعد البريطاني (وعد بلفور) لم يكن يستند بالدرجة الأولى إلى مرجعية دينية، قدر استناده إلى مرجعيات الاستعمار الكولونيالي ومصالحه في المنطقة العربية، وفي فلسطين تحديدا.

لهذا ما كان ممكنا ولن يكون هناك أدنى إمكانية لنزع الطابع التحرري عن قضية فلسطين وشعبها وحركته الوطنية، وتجاوز ذلك إلى إضفاء طابع ديني على الصراع، وبالتالي فإن السعي إلى نوع من التسوية التفاوضية دينيا على الأماكن المقدسة وغيرها من الأرض الفلسطينية، يعد تجاوزا للتاريخ وعنه، وقبولا بل خضوعا لمحددات الاستعمار الاستيطاني الساعي لتثبيت ركائز زائفة في أرض وطن شعب آخر، لم يكن له أي علاقة بمظالم وارتكابات ومجازر ومذابح لحقت بأبناء ديانة أخرى في بلاد بعيدة.

من المؤسف لا أن تنحرف، بل وأن تنجرف قوى ومن ضمنها بعض “المسؤولين” الفلسطينيين بصفتهم الرسمية، في لقاءاتهم مع “أغيار” أميركيين وإسرائيليين ومنهم قادة استيطانيون، إلى اعتبار “الصراع القائم وما يترتب عليه من أعمال (قتل) هي نتاج دوافع دينية”، وهذا في حد ذاته تزييف للتاريخ ولطبيعة الصراع ونفي للطبيعة الاستعمارية الكولونيالية للذين يحتلون الوطن الفلسطيني ويغتصبون أرضه، وكانوا قد شردوا الشعب، ليحلوا غزاة جيىء بهم كي يستوطنوا محل أبناء الأرض، فأين هي الدوافع الدينية لصراع تحرري هذه هي سماته، كما تتجلى في الواقع، لا كما يتراءى لهم الواقع على هيئة تزييفات يجري تصديقها، كما جرى تصديق الخرافات والأساطير التوراتية التي قلبت حال البشرية، وما تني تتجنى عليها على شكل ارتكابات إجرامية، من المؤسف أن المجتمع الدولي هو الآخر، ما زال يعبأ بها تصديقا وثقة بسردياتها الزائفة وأكاذيبها المؤسسة.

وفي وقت خطت اليونيسكو خطوة إلى الأمام على درب إدانة واقع ووقائع الاحتلال في القدس، وممارساته الرسمية والاستيطانية، يأتي من يعتبر الصراع وكأنه قائم كنتاج لدوافع دينية، في وقت اعترفت معظم دول وشعوب العالم بالطابع التحرري للثورة الفلسطينية المعاصرة، وبالطابع التحرري لانتفاضات وهبات شعب يتوق للتحرر من الاحتلال والإحلال الاستيطاني الاستعماري للوطن الفلسطيني.

هي محاولة أخرى ضمن محاولات تحريك الجمود التفاوضي، لن يكون مآلها سوى الفشل، بل الإفشال الإسرائيلي المتواصل لكافة جهود التفاوض، كونها تفتح على تنازلات لا بد منها، للوصول إلى تسوية ما عادت ممكنة؛ بعد كل تلك المراوغات التي قادها اليمين المتطرف وحكومته الائتلافية لرفض “حل الدولتين” من جهة، وفرض حل يقوم على استمرار الاحتلال، ما دام هذا الاحتلال مريحا وغير مكلف، لا سيما وهو يتغذى من نسغ سياسات لها طابع يتعدى “التنسيق الأمني” مع سلطة تتلون وتتلوى على جمر مفاوضات تسعى إليها، يرفضها الجانب الإسرائيلي رفضا قاطعا، حتى تستجيب تلك السلطة لكل ما يريده منها.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°