أحدث الأخبار

فهل من مذّكر؟ / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر%d8%af-20%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%20%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d8%b1

مرت منذ أسابيع قليلة ذكرى مذبحة صبرا وشاتيلا والتي مضى على حدوثها 34 عاما وذلك في آخر مرحلة من مراحل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982. ففي تلك الفترة المشؤومة من التاريخ العربي في صراعه مع الكيان الإسرائيلي؛ قامت القوات الإسرائيلية بقصف مدينة بيروت ليل نهار بترسانتها المدمرة وباستعمال كل الأسلحة المحرمة دوليا في حرب غير متكافئة ووسط صمت عربي ودولي مطلق ومخزي.

إنها أيام حزينة من شهر سبتمبر (16-17-18) حين قامت القوات الإسرائيلية برئاسة وزير الدفاع آنذاك المقبور أرييل شارون بمحاصرة مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت وبمساعدة من ميليشيات القوات اللبنانية والتي كانت بقيادة إيلي حبيقة كلب إسرائيل وطفلها المدلل آنذاك بارتكاب أكبر مجزرة عرفها التاريخ الحديث في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، فلقد سمحت القوات الإسرائيلية؛ وبعد حصارها للمخيمين، لميليشيات القوات اللبنانية الحاقدة والتي كانت تتمنى الفرصة للانتقام من الشعب الفلسطيني بارتكاب المجزرة وتحت حراسة وحماية الحراب الإسرائيلية، فقتلوا وبكل وحشية كل شيء حي ولم يرحموا طفلا ولا عجوزا ولا امرأة، بل تجاوز الأمر إلى أن أنهم اغتصبوا النساء وبقروا بطون الحوامل في وحشية وهمجية القرون الحجرية أو القرون الوسطى في أوروبا.
لقد استغل أولئك الأنذال الفرصة بعد أن خلت لهم الساحة بمغادرة كافة القوات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية حينذاك من بيروت وبضمانات أمريكية ودولية؛ فاستأسدوا على المدنيين العزل وأوغلوا حرابهم في أعناقهم واستمرت المذبحة لمدة ثلاث أيام طوال قتلوا فيها 3500 شخص وتركت جثثهم طوال تلك الفترة لتتعفن في الخلاء وتأكلها الحيوانات السائبة وتغطيها الحشرات.
قتل من قتل، واستشهد من استشهد وآثار تلك الجريمة النكراء لا تزال حية في ضمائر البعض من العرب وغير العرب، ولكن أين العدالة التي فقدت عن هذا العالم الجديد الذي يدعي منظروه حماية الإنسان ورعاية حقوقه بدون تمييز لعرق أو دين أو طائفة؟
ماتوا وانتحب عليهم من بقي من أهليهم، وبكينا نحن الجيل الذي عاصر تلك الفترة بكاء مريرا بسبب إحساسنا بالعجز عن الثأر لهم، فنحن نمتلأ حقدا وكراهية ورغبة شديدة في الانتقام ممن اعتدى على حرماتنا وأهلينا واستباح دماءنا وأعراضنا وأفلتوا من العقاب الدنيوي ولكن العقاب في الآخرة بانتظارهم والذي لا تظلم فيه نفس أبدا وسيقضي الله بيننا بالحق.
أربعة وثلاثون عاما مضت ولم يتم تحريك أي ساكن ولم يتم تشكيل أي لجنة تحقيق دولية أو عربية تبحث في أسباب هذه المجزرة ومن ارتكبها حتى تتم محاسبته على فعلته إلا لجنة إسرائيلية تم تشكيلها وتم اعتبار أرييل شارون مسؤول عن المجزرة بشكل غير مباشر استقال على إثرها من منصبه.
نعم لجنة إسرائيلية تحقق وتحاسب هذا السفاح والعرب آنذاك نيام ولا زالوا حتى هذه اللحظة وكأنهم أهل الكهف قد طال نومهم حتى يأمر الله ويستفيقوا من غفلتهم، أين العدالة التي تتشدق بها مؤسسات العالم الحر؟ وأين العدالة التي تعيد الحقوق لأصحابها إن بقي منهم أحد؟ ولكنها الحقيقة المرة الواضحة أن أولئك الضحايا قد أمسوا أرقاما فقط في تقارير الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة ولجانها التي لا تعد ولا تحصى.
هذه هي الحقيقة.. إنهم أرقام في سلسلة طويلة من أرقام الضحايا العرب الذين يرتقون شهداء كل يوم ومنذ بداية الخريف العربي الأسود الذي سقطت فيه بقية أوراق التوت التي تستر عوراتنا وسوءاتنا، إنهم ضحايا التخاذل العربي قيادة وشعوبا ولا ألوم المجتمع الدولي فتلك الدول تبحث عن مصالحها أما نحن فلا نبحث إلا عن الكراسي والمصالح الفردية دون مراعاة لأية قيم ترعرعرنا عليها أو ثوابت تعلمناها في مدارسنا.
أيها السادة.. الحقوق الثابتة لا تسقط بالتقادم ولا تضيع بعد عدة عقود طالما أن وراء تلك الحقوق شعوب تطالب باستعادتها ولو بعد حين، ولم يفت الأوان بعد فهنالك لا زالت بعض الشخصيات على قيد الحياة وأنظمتها التي تدعمها، ولكن للأسف فلقد مات أرييل شارون بعد أن أطال الله عذابه الدنيوي وهو في غيبوبة استمرت لأكثر من ثمان سنوات حتى مات في عام 2014 في حين سبقه إيلي حبيقة الذي قتلته إسرائيل بسيارة مفخخة في العام 2002 بعد أن انقلب عليها وقرر التوجه لمحكمة العدل الدولية لفضح سياسات إسرائيل وجرائمها وانتهاكاتها التي حدثت في لبنان ومنها طبعا مجزرة صبرا وشاتيلا.
الصراع العربي الإسرائيلي صراع طويل بدأ ولا زال منذ عقود كان فيه فترات مد وجزر وفترات هدوء وتوتر أحيانا، ولكن العرب انشغل كل منهم بشؤونه وخاصة بعد سياسات منظمة التحرير المتذبذبة طوال السنوات التي أعقبت العام 1982 في المهجر (تونس واليمن والسودان والجزائر) وتوجه الساسة الفلسطينيون إلى اتباع أسلوب المناورة السياسية مع العدو الإسرائيلي وبدأوا بالبحث عن الوسائل التي تضمن لهم الحصول على أي مكسب في صراعهم الطويل حتى ولو كان مكسبا وهميا.. وهذا ما كان وخاصة بعد مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو المخجلة في العام 1993 والتي تنازل الفلسطينيون فيها عن الكثير من ثوابتهم في حين أن إسرائيل لم تطبق معظم بنود تلك الاتفاقية فهذا عهدهم وديدنهم… فهل هنالك من مدكر؟ هل هنالك من معتبر؟ أم أن
القلوب قد ماتت والضمائر قد اختفت والحقوق قد ضاعت والعدالة أصبحت شعارا أجوفا نسمع به ولكننا لا نراه أبدا.
ملاحظة: جسد الكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ أحداث مذابح صبرا وشاتيلا بشكل موجع ومؤلم وصدقت كلاماته وأوجعت من كان ضميره لا زال حيا.. إنها رواية “تغريبة حارس المخيم” والتي صدرت منذ أشهر، ولمن أراد أن يستزيد فعليه بقراءتها وأضمن له ألا يتركها حتى ينتهي منها في جلسة واحدة.. كم أنت تؤلمني أيها الوطن بفراق أحبابك وأبنائك.. كم عانيت وتألمت ولم يشعر بك أحد… حسبنا الله ونعم الوكيل .

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°