أحدث الأخبار

معاداة العقل كمتلازمة لمعاداة الثقافة/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

هناك العديد من التداعيات المدمرة، التي لم تستطع البشرية أن توجد لها العلاجات اللازمة، والكفيلة بالقضاء على الآفات والأوبئة والعلل السياسية والاجتماعية، التي يقف الجوع والفقر والغنى الفاحش، والتطرف والإرهاب بمختلف تلوناته على رأسها؛ إرهاب محلي متعولم، وإرهاب عالمي أكثر تعولما، بات ينتشر كالفطر على امتداد مجتمعات ودول العالم في مختلف القارات، يعادي السياسة بما هي “فن الممكن” وإمكانية فتح العديد من مسارب كفيلة بابتداع وتخليق فنون الحوار والتواصل.

انسجاما مع مشهد وسرديات الإرهاب الذي بات عالميا وعولميا، ها نحن نشهد لجولات تتفاصل وتتواصل بين الحين والآخر، فيما التطرف يواصل مسلكياته الوحشية، في انتقاله بين “الهنا” و”الهناك”، إرهاب بهويات غير محددة، وإن يكن بأقنعة أكثر تحديدا، ذلك أن الموجة الحالية من الإرهاب الذي يحاكي إرهابا متماهيا مع العديد من أصناف الإجرام، هو إرهاب معاداة السوية الإنسانية بقيمها وأخلاقياتها المتعارف عليها بين بني البشر، فلا شيء يبرره بالمطلق؛ لا تلك الدعاوى والمزاعم الدينية، ولا تلك السياسوية على اختلاف منطلقاتها ومندرجاتها الجماعية والفردية.

من هنا تأكيد العديد من الشواهد والسرديات الحية والواقعية، أن ما يجري اليوم على مسرح الوقائع اليومية في عالمنا، وليس في بلادنا فحسب، إنما يعكس مزيدا من الإيغال في صناعة أدلوجات سوداء، عمدت أو هي تعمد بكل تأكيد، عبر الاستثمار في السياسات التدينية وتمذهباتها، إلى ترذيل استعمال العقل، بل وتعطيل كامل قدراته وإمكانياته عن الفعل الخلاق، والتفكير المنطقي والعقلاني السليم.

ذلك إن مثل تلك السياسات هي في مثابة انحرافات مشهودة ومسنودة بأعمال من التطرف والإرهاب، ومسلكيات وحشية يسندها فقه يغالي في تدين زائف ومنحرف، وممارسات فاشية لا حدود لها، بل فاقت وتفوقت على كل ما سبق من سرديات ما قامت به عصبويات العنصرية الفاشية والنازية والصهيونية، والشموليات الاستبدادية التي سادت ثم بادت في بعض المناطق، وهي تستمر في مناطق أخرى من العالم، وفي بعض بلداننا المحكومة لمنظور الاستبداد والأنظمة البوليسية والعسكرية التي أطاحت الدولة، كما هي تستمر في بعض بلدان العالم الأخرى المحكومة لمنظور الحكم الشمولي، تحت سقف نظام رئاسي مطلق، بشكليه المدني والعسكري، الذي لا تسنده أي مرجعية حقوقية أو قانونية أو دستورية، رغم ممارسة شكل من أشكال وأنماط الانتخابات الشكلية.

ثمة ايديولوجيات من بينها تلك التي تتفشى في مجتمعات ترفض الاندماج، وفي تلك المجتمعات المغلقة ذات السمات العنصرية التعصبية، هذه الأيديولوجيات الهوياتية، ترفض الاعتراف بالآخر، كما ترفض الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف والمغايرة، وتلك سمات أفراد وجماعات وبعض مجتمعات أدمنت الاستبداد، وهي تعيش في ذروة أو في أعلى مراحل عنصرية الفاشية المتعسكرة، والمسلحة بأعتى الأفكار دونية وانحطاطا، من قبيل أولئك النازيين المعاصرين، إلى جانب أقسام من الحركة الصهيونية السياسية والدينية، وفاشيي اليمين الأوروبي، وفاشيي العنصرية الطوائفية والمذهبية، كما وفاشيي ونازيي اليمين الأميركي العنصري الأبيض.

وفي هذا السلوك لا يختلف فاشيونا من “الدواعش” وأضرابهم والمتواطئين معهم في سلوكياتهم المتوحشة في بلادنا وعبر العالم، وهم يسعون، كما سعى من سبقهم، إلى محاولات دائبة لهدم صرح الحضارة، لكي لا يبنوا أي حضارة، بل ليخسروا فرص العيش في قلب الحضارات القائمة، وهم يقدمون على سياسات ترذيل استعمال العقل، وتقديم قرائن وأدلة دامغة على معاداة الحضارة، بما هي ثقافة دائمة ودائبة على الفعل الخلاق، على عكس تلك المتلازمات المرضية والانفعالات الوحشية؛ المجنونة والمدمرة، والتي لم تسفر إلا عن ارتكابات ألحقت بالذات وبقضاياها العديد

من أشكال الكره والغبن الذاتي، وتدمير الذات من داخلها، والتضاد مع كامل القيم وأخلاقيات الإنسان، ومع كل القيم الثقافية للإنسانية المعاصرة.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°