أحدث الأخبار

على عتبات السبعين / عبد الهادي شلا

+ = -

عبد الهادي شلاladda ned (2)

لم يبق بيني وبين السبعين سوى خطوتين كل واحدة بطول سنة،أجدني ألتفت إلى الخلف قليلا كلما طال المسير و بعدت المسافة .

أتذكر محطات هامة كانت بداية إنطلاق نحو جديد أصبت منه نجاحا وحققت فيه هدفا فيقع السرور في جوارحي وأنا أستحضر وجوها رافقتني وكانت حاضرة حتى وقت قريب .

إرتبطت هذه المحطات الجميلة بمناسبات تعرفت فيها إلى أشخاص مميزين من المبدعين على طول الوطن العرب وعرضه.

رغم فقدان العديد من الوجوه ورحيلهم إلى العالم الأخر وضياع أخرين في زحمة الحياة والشتات إلا أنهم جميعا حاضرون في ذاكرتي لأن كل منهم له معي حكاية وموقف نبيل والأكثر جمالا هو تواصلي حتى الآن مع أخرين رغم بعد المسافة وشقاء المسير..

شكرا لهذه التقنيات العجيبة التي أعادت لنا فتح صفحات كادت أن تطويها الأيام فقد جعلتني اتواصل مع اؤلئك الذين غيبهم تبدل الحال ولاذوا بالصمت في زمن الزبد والغث الذي طفحت به وسائل أسيء إستخدامها فبقيت صورتهم ناصعة كلما تذكرتها لمعت وتلألأت وسط عثرات الدرب.

على عتبات السبعين أتذكر العشرة الأولى بداية تفتح البراعم الصغيرة والخروج من شرنقة الطفولة إلى عالم الصبا حين بدأ ت الجوارح توهجها وتستقبل كل ما تقع عليه العين برضى وتساؤل تعجز عن الإجابة عليه رغم توهجه الدائم وسط حيرة البحث عن الإجابة.

برعم جميل بلون النبيذ وقعت عيني عليه، دق لها القلب وارتعشت الجوارح وتوقف كل شيء من حولي رغم صخب الرفاق وصراخهم وسط الساحة الصغيرة التي كنا نلعب فيها أمام بيتنا القديم.

حتى غابت عن ناظري وأنا مثل تمثال في جدار معبد إغريقي واقف أتأمل جدائل عقدت بشريطين أبيضين تدلتا على جيدها الصغير!!

لم يعرف إبن العاشرة الذي كنت عليه معنى لكل هذا سوى أنه لا يريد لها أن تغيب في زحمة الطريق الذي لم يرى فيه سواها!!

بدأت الجوارح تفتح طريقا للأحلام والأمنيات الجميلة التي تليق بإبن العاشرة نقي السريرة الذي لم يخرج من شرنقة براءة الأطفال إلا منذ خطوات صغيرة!

العشرة الثانية لم تكن أقل سعادة ولكن بنكهة أخرى حيث العقل يعاضد الجوارح المتوقدة في إنتظار تساقط المطر بعد العاصفة التي أججتها.

غابت الطفلة النبيذية الوجه وسط ضجيج السنين العشرة بعد أن فتحت الباب مبكرا،وكبر الطفل الذي مازال فاتحا قلبه للنسيم يستقبل طائرا ملونا بالسحر جاء من بعيد وحط على غصن القلب المتوهج بالضياء .

في السبعين.. حين تنظر إلى الخلف ترى العمر خطوطا متعرجة و متشابكة تحار أمام كل ما فيه من صور فتراها كلها مجتمعه ولكن جمالها لا يكتمل إلا منفردة في مكانها ووقتها الصحيح .

العشرة الثالثة.. بريقها مختلف فيها تبلورت معالم الشخصية التي ترسم طريقا لمستقبل قواعده مغايرة تتجدد باستمرار نحو هدف يصنعه العقل الواعي لرسالته في الحياة وتبقى الجوارح في يقظتها تعاضد العقل تمنحة تلك الفسحة التي يحتاجها كلما أعياه التدبر، حيث الضبط والربط مع كل خطوة نحو طريق بدأت ملامحه تتضح ويحتاج الجهد والمثابرة لإستكمال المسيرة.

العشرة الرابعة.. تبدو قريبة في ملامحها تكاد الذاكرة أن تستحضر أدق تفاصيلها التي مازالت أثارها مطبوعة على جدار القلب و تسكن دهاليز العقل.

العشرة الخامسة والسادسة هي التي لو مددت يدي لأمسكتها لقربها بما فيها من أحداث وأوجاع وشتات جعلت القلب الذي كان متوهجا بكل الضياء يبدو حزينا كسيرا وهو يجتر في وحدته سنين العمر السبعين وهي على بعد خطوتين سنينا!!!

أنظر إلى الخطوتين الباقيتين بعين الأمل الذي يسكنني منذ خطواتي الأولى التي فرحت بها أمي وأنا أتعثر .

لكن أمي بعيدة ..بعيدة جدا .

حاصرها الحصار و احتفظتُ بيدي ممدودة في الفضاء الفسيح عسى أن تمد يدها أقبلها وتعود الفرحة إلى عينيها الذابلتين في وطن كل ما فيه صــأر ذابــلا.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°