ستون مليون زهرة للروائي مروان عبد العال/ كاظم الموسوي

أضيف بتاريخ: 26 - 08 - 2016 | أضيف بواسطة: admin | أضيف في: الوان ثقافية

كاظم الموسويimages

تمكن الروائي مروان عبد العال في روايته، 60 مليون زهرة، من المزج بين فن الرواية الواقعية والسحرية، واستطاع ان يثبت قدرة فنية فيه، بحيث يدفع القارئ الى فصولها بقوة لمعرفة ما سيصل اليه الروائي ويهدف اليه، في سرد فني منساب ومتوتر او متموج، منطلقا من رحبة المضمون وشجاعة الكشف وانفتاح النص.

استفاد مروان عبد العال، او عكس طاقاته ككاتب وروائي وفنان تشكيلي وناشط سياسي وقيادي فلسطيني (مواليد مخيم نهر البارد، شمال لبنان عام 1957) في صناعة هذه الرواية، التي صدرت له عن دار الفارابي، بيروت عام 2016 وكان قد نشر العديد من النصوص الادبية والسياسية، وصدرت له ست روايات: سفر ايوب، دار كنعان، دمشق 2002، وعن دار الفارابي، بيروت: زهرة الطين 2006، حاسة هاربة 2008، وجفرا لغاية في نفسها2010 ، وايفان الفلسطيني2011 ، وشيرديل الثاني 2013.

سجل في غلاف الرواية الاخير: تتعدد الوجوه الانسانية في رواية 60 مليون زهرة وتسير في دائرة حلزونية حول الجندي المجهول الشاهد على صمت الاطباء وذبح الحياة ومصادرة الوانها الجميلة. تسجل يوميات مدينة غزة على اوراقي من موسم العزلة والموت والقهر، في فانتازيا روائية تمزج الانا المتعددة في لغة الاسطورة والحقيقة، بين الاثارة والغموض، في تألق الخيال وقساوة الواقع، وبين الحاضر والماضي، ويتصل فيها السرمدي بالزمن المحض، نختبر فيها نطفة مهربة تمارس العزف في مدينة العنقاء، ايقاعها رصاص وأنفاسها انفاق بين مشاعر فتاة باحثة عن الحياة وعنكبوت يحيك خيوط الخيانة، وآخر يراقب الموتى وسط انفعالات مميتة لعشق شمشون ودليلة، وسيدة لها حياة متحولة تمضي خلف بطل مطارد.

يكاد تكون الاسطر السابقة مختصرا معرفيا، او مفاتيح الرواية، عن سير السرد وتوالي الفصول، حيث اصبح تعدد الوجوه الانسانية مفسرا لتعدد شخصيات الرواية او ابطالها الرئيسيين، من تمثال جندي مجهول وعازف الاكورديون المقابل له الى دليلة وشمشونها واختها وخالها، وحياة تلك السيدة وما تمثله في واقع السرد الروائي. وكذلك تتوازى معهم تسميات المنعوتين بالعنكبوت وكولومبو والطاووس، والملفت للنظر فيه ان ما ذكر من تبادل حراكها الحلزوني حول مكان وزمان مختلط، متقارب حينا في فضاء الواقع، ومتباعد في الخيال السردي وهو ما يكشف ان المكان المحدد والزمان المختار من قبل الروائي، لاسيما بعد انتفاضة شعبية وانسحاب العدو

وصراعات قادت الى كارثة الانقسام الفصائلي قد سحبت ظلالها على منحى السرد والنص. فتجتمع في الرواية وقائع ورؤى ورموز تعبر عن نفسها وعن معرفة دقيقة بها.

لم يزر المؤلف المدينة او لم يعش فيها كيما يستخدم ذاكرته في نقل مرآتها، وتحسب عليها، ولكنه نجح في رسم صورتها وتخيلها من الملاحظات والتقارير التي وصلته واطلع عليها، ومن قصص ابنائها وصفحات تاريخها السياسي. مؤكدا على قضايا اساسية في الهم الفلسطيني وسلوك متناقض بين الهم اليومي والقضية الوطنية، بين النضال الحقيقي والتلون وحتى التلوث السياسي. مثبتا في نصها شهادات لإبطال منسيين وتذكير بقصصهم الفعلية عبر حوار الشخصيات او التداعيات الداخلية لهم.

السرد في 60 مليون زهرة يشد القاريء ويتوه معه في انسياب ولغة جذابة وخيال متجاوز الواقع اليومي الى وجع الانسان وآلام الاغتراب النفسي داخل الوطن، رغم بساتين الازهار وبطولات القيادات السرية للكفاح التحرري وأسطورة رموزه الفعليين. ولان النص عن فلسطين، فبالضرورة توحي صوره المتلاحقة في الكفاح والعذاب والإصرار على التحمل والمكابدة والمعاناة وزهور الامل، قصص كفاح وطني تحرري ومشاهد بطولات ترمز لأيامها وسجلاتها. ومن جهة العدو المغتصب للأرض والمنتهك لكل حقوق الشعب، لابد من التذكير ببشاعة ووقائع القمع والقتل والتعذيب والاعتقال والظلم والغدر والتغلغل والتدمير بكل معانيه ومستوياته.

الرواية تكونت من اثني عشر فصلا، تداخلت فيها صور متعددة وحكايات ثانوية تدعم سرد الروائي وفضاءه الفني ونسيج القص كأداة ابداعية. ومن الاهداء الذي سجله الكاتب بكلمات تحية تفصح عما بعده من فصول. “الى التي صرخت في ساحة الجندي المجهول:( من غير الحرب، ما كان عنّا نخسره…. اصلا إحنا عايشين من قلة الموت). ليختم في النهاية بصدى تلك الكلمات للمهدى لها وصرختها المدوية، والتأشير الى موت60 مليون زهرة بسبب الحصار كمؤشر واحد عن اساليب الارهاب الصهيوني وإدارة الاحتلال، ولكن الزهور تعرف ضوء الشمس وتواصل اتجاهها، مثلما تحرك التمثال الجامد واستشهد الموسيقى المتحرك، وتظل ملايين الزهور تهدى وتزرع وتصدر الى انحاء العالم، تعبيرا عن رمزية القضية واستمرار صمود قوى العمل ووقود الانتفاضة.

انسياب لغة الرواية وتكثيفها في ان واحد، في فصول وأخرى، تنطق عبر تمثالها الحجري وعبر الحوارات الداخلية فيها، بين شخوصها او ابطالها. من بداية حديث التمثال او اعترافاته: “اذيع لكم سر الزهر الذي يميل الى اللون القاتم، والمرأة التي نجحت في اطالة بقائي في الميدان، ولولا

وقوفها لغادرت نفسي…”. و”سأروي قصة المدينة التي تجوب الشوارع وتتوزع حاراتها في تجاويف صدري، وأكون لسان الاسطورة ورحيقها الذي يبعث في نفسي شعورا حسنا…”. والعازف الذي يعلق على كتفه آلته الموسيقية ويتعلق بها بجنون غير آبه لما يدور حوله ويلعن اخت الحرب. ودليلة التي تقول ما لا يقنع احدا حتى نفسها، و”تحاول ان ترش على الموت سكرا كما يقال، تتكلم مع نفسها كأنها مصابة بوسواس، تصمت دقائق وتتذكر فورة صباها ايام انتفاضة عام 87، وتتذكر من تلك الايام التي مضت…”. تقف امام التمثال وتقول له: “انت لست مجرد تمثال، اتمنى لو تعرفت يوما الى شخص يشبهك، ليس من حجر ولكنه من حلم مثل (رامبو) خالي، زينة الرجال الذي كسر ظهر الغزاة وأذاقهم طعم المرارة بين الصخور الرسوبية في الخليل وأحراش جبل النار”. وتستمر الفصول بين هذا الثلاثي وما يلاقيه في الواقع والخيال.

ستون مليون زهرة رواية مروان عبد العال تسرد قصة من قصص فلسطين، الشعب والمقاومة والتاريخ وصراع الاجيال والحروب التي سجلتها الايام الفلسطينية. ستظل الزهور، الفا او مليون زهرة بل ستين مليون زهرة تغرس الحكاية كي يزهر الحب وتشيد بالبطولة والتأكيد :”تذكري ان من لا يسعه وطنه فان العالم بأسره لا يكفيه”.


الوان عربية تأسست في 2009