أحدث الأخبار

العراقيب النقبية للمرة مائة وواحد… تدمير / سليمان الشيخ

+ = -

سليمان الشيخ30

يحتوي كتاب الأساطير على حكاية طائر اسمه «الفينيق» إذا ما احترق، فإنه يقوم من بين رماده، ليعاود حياته من جديد. ذلك ما كان في عالم الحكايات والأساطير، إلا أن ذلك أو شبيهه، أو في افتراض رمزي يوازيه هو ما يتم ويجري حدوثه على أرض الواقع بالنسبة إلى سكان قرية العراقيب الفلسطينية النقبية؛

فمنذ أن أعاد سكانها إعادة إعمارها في تسعينيات القرن الماضي، حتى دأبت السلطات الإسرائيلي على هدم وإزالة ما يبنيه ويزرعه السكان الأصليون في هذه القرية ومنطقتها، ليصل عدد مرات الهدم إلى 101 مرة، كان آخرها في منتصف شهر تموز/يوليو من هذا العام.
وتفيد المصادر التاريخية بأن المنطقة هي في الأساس، تعود ملكيتها لقبيلة العراقيب النقبية الفلسطينية، وأنه تم تهجير وإزالة العديد من القرى والتجمعات البدوية من قبل القوات الإسرائيلية في خمسينيات القرن الماضي، وتشتيت بعض السكان وانتقالهم إلى أماكن عدة، إلا أن الحنين للبيت والسكن الأول أخذ يراود أهالي العراقيب، فعادوا في بداية السبعينيات إلى قريتهم، وجعلوا من الرعي الذي هو مهنتهم الأساسية عملا متواصلا لهم، وكذلك إنبات بعض الزراعات التي تعينهم وتعين مواشيهم على الحياة. إلا أن هذه المساحة الصغيرة من الأرض والتي تبلغ نحو 1250دونما، والتي بنى عليها السكان بيوتا بدائية من الزينكو والصفيح والخشب والحديد وبيوت الشعر، وحتى من إطارات السيارات، لم تستسغ قوات الاحتلال الإسرائيلي وجودها على أرض تدعي أنها من أملاك الدولة، على الرغم من أن أهالي العراقيب يفيدون بأن الأرض هي من ملكيتهم الخاصة أبا عن جد. ومنذ زمن الأتراك العثمانيين لم يتم النزاع معهم على ملكية أرضهم، ولا حتى في زمن الاستعمار البريطاني.
هذا ومع أن العراقيب لا تبعد إلا نحو ثمانية كيلومترات شمالي مدينة بئر السبع المحتلة، مع ذلك فإنها ومع غيرها من القرى والبلدات في النقب ـ نحو 45 قرية وبلدة ـ لم تخصص لها السلطات الإسرائيلية مجالس بلدية، ولم تتول تقديم الخدمات البلدية المفروضة على الدولة تجاه «مواطنيها»، كخدمات المياه والكهرباء والطرق وإنشاء المدارس والمستوصفات الصحية ومشاريع الصرف الصحي، وغير ذلك من البنى التحتية الضرورية، ولم يكن للمواطنين في هذه القرى مع الدولة إلا علاقة التجنيد الإجباري للشبان، حيث تفرض عليهم كل المترتبات المفروضة على أي جندي آخر، لكن وبعد ذلك وعندما يحال الجندي على التقاعد، فإنه يعود إلى سيرته الأولى، كما كان قبل التجنيد، ناقص الحقوق كغيره من أبناء قريته أو بلدته.
لكي يتغلب أهالي العراقيب وغيرها من القرى البدوية في النقب، على الصعوبات في حياتهم، فإنهم لجأوا إلى استعمال المولدات الكهربائية في محاولة منهم للتغلب على حر وقر الصحراء الشديدين، كما وأنهم لجأوا إلى حفر آبار ارتوازية كي يتزودوا بالمياه هم وقطعانهم من الماشية، إلا أن السلطات الإسرائيلية وعندما كانت تقوم بغزواتها التدميرية في كل مرة، فإنها كانت تدمر وما زالت بيوتهم البدائية، وكل ما عمروه وبنوه وأنشأوه، حتى المقابر لم تسلم من غزوات الهدم والتدمير.
هذا وبلغ عدد مرات الهدم منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم 101 مرة، كان آخرها في 18/7/2016، ولم يتم الاكتفاء بما كانت تفعله الجرافات والجرارات في كل مرة، بل إن القوات الإسرائيلية هذه المرة حاصرت القرية لعدة أيام وطالبت السكان بالرحيل عن أراضيهم وبيوتهم ومزارعهم، كونها تريد مصادرة أراضي القرية، كما فعلت في أراضي غيرها من القرى والبلدات، حيث لجأت ومنذ سبعينيات القرن الماضي إلى تجميع سكان عدة قرى في النقب، وأقامت لهم سبعة معازل هي من أسوئها في الخدمات، والاستجابة لسد الاحتياجات والمتطلبات الضرورية، واستولت على أراضيهم التي تحولت مع غيرها من الأراضي إلى ملكيات للمستعمرات الصهيونية، وأقيمت عليها أيضا منشآت للدولة كمعسكرات للجيش وميادين للتدريب ومصانع ومزارع ومطارات وغير ذلك من منشآت.
لكل هذا لا تريد الدولة الصهيونية لأفراد القبائل العربية البدوية في النقب، الاقتراب من هذه المنشآت الحيوية والاطلاع على ما فيها، لأن صاحب القطيع يريد التنقل به بين مكان وآخر، بحثا عن الماء والكلأ، ولا يستقر إلا قليلا في مكان واحد. لذا فإن السلطات الإسرائيلية تريد أن تمنع هذا التنقل بين منطقة وأخرى، فهي بهذه الطريقة تصادر الأرض وتمنع السكان من التنقل الحر. والمحاولات لا زالت جارية لتجميع أكبر عدد ممكن من سكان القرى البدوية، وحصرهم في معازل جديدة، تروج السلطات الإسرائيلية بأنها قد تكون في منطقة النويعمة بالقرب من أريحا. وقد بادر أعضاء في القائمة العربية المشتركة بالكنيست إلى محاولة منع إزالة القرية من الوجود وفك الحصار عنها.
هذا وقد تم اعتقال أحد مشايخ قرية العراقيب الحاج صياح الطوري مع أبنائه وغيرهم من المحتجين في 21/7/2016، إلا أن القوات الإسرائيلية أعادت إطلاق سراحهم في اليوم نفسه، حيث ذكر الشيخ الطوري «أن هذه الأرض تستحق منا التضحية والعيش فيها بكرامة، أو أن نموت وندفن في أرضنا بكرامة أيضا». فهل يتمكن طائر الفينيق من الانبعاث من جديد، ليعاود سيرته في النضال وفي التشبث بحياة يسعى إلى أن تكون كريمة؟.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°