أحدث الأخبار

يالطا الجديدة وحزمة المصالح والمصالحات البراغماتية / ماجد الشَّيخ

+ = -

ماجد الشَّيخmajed1

هل هي المصادفة وحدها ما حكم سرديات المصالحة التركية، مع كل من روسيا وإسرائيل، خلال يومين متتاليين، أم هي سلسلة خطط السياسة والمصالح الاقتصادية والتجارية وتبادل الموارد والسلع، وهي تقود خطى الدول في اتجاهات المصالح البراغماتية، بغض النظر عن تفاوت وعمق الخلافات وتباعد السياسات أو تقاربها؟.

في جدل الصراع والسياسة والدبلوماسية والمصالح المشتركة والمتباينة والمتعادية، لا تنطوي المصادفات على البراءة وحسن النوايا دائما، فهي من نوع الدبلوماسية الخفية، والعلاقات الأكثر خفاءا بين الدول، لا سيما وأن مصالحتي تركيا مع كل من إسرائيل وروسيا، مؤشر على توافق إزاء النظام السوري، كما تزامنتا مع تدريبات روسية – إسرائيلية اعتبرت سابقة في البحر المتوسط، فقد ارتبطت، أو هي جاءت في أجواء قرار آخر لبوتين ونتنياهو بالسماح لشركات الغاز الروسية بالمشاركة في العطاءات الخاصة بتطوير حقلي الغاز الإسرائيليين في البحر الأبيض المتوسط.

وهذا يعني استنادا إلى تقارير روسية، أن التعاون العسكري لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة أو أرضية نوع من التوافقات أو الشراكات السياسية والاقتصادية الإقليمية، وفي الوضع الراهن والمعين بالتحديد، القائم في المنطقة وإزاء التحالفات القائمة في سوريا، تبدو الصلة واضحة بين تلك الشراكات المستجدة، والدفاع عن بنى الطاقة الإسرائيلية القائمة في المنطقة، باعتبار أن عرض عضلات السفن الحربية الروسية قرب منشآت الغاز الإسرائيلية في المتوسط، يوجّه رسالة حازمة إلى إيران و “حزب الله” والنظام السوري، مفادها حظر استهداف مواقع إسرائيلية حيوية.

هذا الاستنتاج هو خلاصة معطيات التقارير الروسية، في استنادها إلى حصيلة الاجتماع السنوي لسفراء روسيا، وما نقل عن بوتين أخيراً بقوله: “لا نبالغ إذا اعتبرنا أن الشرق الأوسط ليس المنطقة الوحيدة التي بات مستقبلها مرهوناً بمصير سوريا، والسياسة الدولية تغدو أقل قابلية للتكهّن وتحديد توقّعات، مع احتدام الصراع على الموارد والأسواق في العالم”. الأمر الذي انطلق منه المحللون للإشارة إلى اعتبار ما يجري بمثابة “يالطا” جديدة، عمادها ذاك التحالف الذي بدأ يتبلور في هذه الأيام بين روسيا وتركيا وإسرائيل، وإيران كذلك وإن لأهداف أخرى، تستهدف الحد من دور إيراني متعاظم أو متغول يجري في معزل عن التنسيق مع كل هذه القوى، وفي ما يخدم المصالح الإيرانية الخاصة في توظيفها واستثمارها قوى التمذهب الشيعي لمصالح إمبراطورية وقومية خاصة، بكل ما يعني هذا التحالف من مصالح مشتركة ليست بالضرورة آنية، وربما كانت تطلعاتها أبعد على المدى الاستراتيجي، في انتظار وصول إدارة جديدة إلى البيت الأبيض ذات برامج أكثر حسما ووضوحا، إزاء قضايا الصراع في المنطقة، وأبرزها الوضع السوري والعراقي والقضية الفلسطينية.

على العموم لقد بدا واضحا أن ما يجري راهنا، لا يتعدى تغليب براغماتية السياسة والدبلوماسية، على حساب الجوانب الأيديولوجية، سواء بالنسبة لتركيا بالدرجة الأولى، أو بالنسبة لإسرائيل أو روسيا أو إيران، لا سيما في ضوء فشل أو إفشال الحراكات والثورات الشعبية العربية، وتصدي قوى الثورة المضادة لمهام أساسية كانت تقع على عاتق قوى المعارضة والثورة والتغيير التي انكفــأت بفعل التواطؤات المعلنة والخفية بين الأنظمة الاستبدادية الحاكمة وقوى التوحش الإسلاموي، وإغراق الثورات والدول ومجتمعاتها بالدم والحروب الأهلية والتفتيتية والفتن الطائفية والمذهبية.

في هذا الخضم، ما كان لتركيا أن تحافظ على توازنها واستقرار نظامها، خاصة في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة – الناجحة الأخيرة، كنموذج ملهم لتصالح نظامها السياسي الديني مع الحداثة والديمقراطية، وفي ظل سياسات داخلية وتغول النظام مع تغول الرئيس، في اتجاهه نحو تعديل دستوري يحوّل النظام إلى نظام

رئاسي مشابه للنظام الروسي باستبداديته الشرقية المعروفة، هنا انقلبت تركيا على ذاتها، لتساير عزلة مدوية، أفقدتها الكثير من ميزات انفتاحها على الفضاء الأوروبي، وفي أعقاب انقلابها على العملية السياسية مع أكرادها، وغرقها في دم ضحايا الإرهاب الذي كان صنيعتها في وقت من الأوقات، حتى باتت هي نفسها ضحيته الأولى.

في هذا السياق، رأى سكوت بيترسون في صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” (28/6/2016) أن التحول الدبلوماسي البراغماتي الجديد يعبر في إطار منه عن تراجع في وضع أردوغان في المنطقة، خاصة أنه لم يحصل على ما يريد في كل اتفاق سواء مع إسرائيل أو روسيا التي اعتذر لرئيسها. ولا ينفي الكاتب أن يكون هناك رابط بين المشاكل المحلية ومحاولات الإنفتاح على العالم الخارجي.

فيما يقول هنري باركي من معهد وودرو ويلسون للباحثين أن “الناس ينظرون إلى أردوغان باعتباره شخصا مستبدا.. وحمل بعض صفات القادة الذين أطيح بهم” وهذا على خلاف الصورة التي تشكلت عنه عام 2009، عندما وقف إلى جانب غزة في حربها ضد إسرائيل، وفي عام 2011 عندما نظر إليه كبطل في ميدان التحرير، وسط القاهرة. ويرى باركي أن شعبية أردوغان هبطت داخل بلاده وخارجها. وجاء هذا نتاجا لمواقف ديكتاتورية ومواقف متشددة في سوريا، ومن أزمة الهجرة التي ضربت أبواب أوروبا، بحسب “نيويورك تايمز” (27/6/2016) التي قالت ان التطورات الدبلوماسية هي محاولة لإصلاح الضرر الذي تسببت به هذه السياسات.

وبحسب “أصلي أيدينتسباس”، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية “مرت تركيا في فترة من العزلة خلال السنوات الماضية، بعدما تخلت عن سياستها الشهيرة (صفر مشاكل مع الجيران) إلى مكان بمشاكل مع معظم الجيران”. و”كانت هذه أدنى نقطة في تاريخ الجمهورية، حيث لم يتبق لها إلا قطر والسعودية كصديقتين”.

ورغم محاولة أردوغان إنشاء علاقات مع الجيران، إلا أنه أخطأ في حساباته، خاصة في سوريا، فقد دفع باتجاه تغيير النظام السوري، ورفض التعاون الأمريكي مع أكراد سوريا في قتال تنظيم داعش، ولم يلتفت لحدوده الطويلة مع سوريا إلا العام الماضي، بعدما تدفق منها آلاف ممن أسموا بـ “الجهاديين”، وانضموا إلى تنظيم “داعش”. وفي حالة روسيا كان التعاون الاقتصادي هو المهم، مع أنه كان في صالح موسكو التي باعته النفط والغاز، فيما استفادت تركيا من 3 ملايين سائح روسي في كل عام.

في أعقاب حراك المصالحات، هناك في المقابل ما بات يتوازى معها من حراكات انتقالية في سياسات الدول المعنية بصراعات المنطقة، فقد نقلت وكالات الأنباء ما يفيد بتغييرات في كل من وزارتي الخارجية التركية والإيرانية لمسؤولي الملف السوري، استعداداً على ما يبدو لاحتمالات حصول اتفاق بين واشنطن وموسكو للتعاون العسكري بينهما، لمحاربة الإرهاب والتفاهم على الانتقال السياسي في سوريا، في وقت أفادت الأمم المتحدة بوجود 30 ألف “مقاتل إرهابي أجنبي” ينتشرون في العراق وسوريا، محذرة من مخاطر ارتكاب هجمات أوسع في بلدانهم الأصلية. واتهمت منظمة العفو الدولية فصائل إسلامية معارضة بارتكاب “جرائم حرب”.

ومن جديد المستجدات الأبرز في الصراع السوري، ما نقل من أنباء عن اتجاه لدى فريق الرئيس فلاديمير بوتين، لدرس مسودة اتفاق قدمه الرئيس باراك أوباما لإقامة “شراكة عسكرية” تتضمن قيام الجيشين الأميركي والروسي في قتال “جبهة النصرة” وعزلها عن فصائل معارضة، مقابل ضغط موسكو على النظام السوري لوقف استهداف فصائل معارضة، وقيام “مناطق خالية من القصف”، على أمل البناء على هذا “الاتفاق المفصلي” لبحث الطرفين في “الانتقال السياسي” في سورية خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع تغييرات انقلابية وشبه انقلابية في كل من موسكو وأنقرة وطهران، استعداداً للتفاوض على تسوية سياسية، تبقي على الأسد في السلطة، ولو لفترة محددة؛ وهذا ما بات يتفق عليه الروس والإسرائيليون وإيران وتركيا مؤخرا، والولايات المتحدة كذلك.

وهكذا إذا كانت حسابات الدول تختلف عن حسابات المنظمات الارهابية أو التنظيمات السياسية المعارضة، فلا شك أن حسابات الاقتصاد والتجارة والعلاقات المتشابكة، قد تتجاوز حسابات السياسة، لتتجاور مع حسابات براغماتية خالصة، ومهما احتدمت الصراعات السياسية، وانسدت الآفاق أمام الوصول إلى تسويات وحلول سياسية، تبقى مسارب الشراكات المستجدة، هي ما يفتح الطريق أمام تقاسم الموارد والأسواق، وتبادل السلع، خاصة فيما بين الدول الإقليمية التي قد تتجاوز خلافاتها في لحظة مستجدة، لتنقلب على ذاتها، ولتصبح “أكثر واقعية”، وتصالحا مع مصالحها واحتياجاتها، لتقيم في ما بينها حوارات التصالح والتشارك الاقتصادي والتجاري.

وعلى هذه القاعدة قامت سلسلة المصالحات التركية – الإسرائيلية – الروسية وغيرها، ومستقبلا قد تقوم على ذات القاعدة الذهبية مع إيران ومصر ومع دول أخرى محورية في المنطقة وخارجها. ذلك إن المصالح العليا للدول تقاس بميزان البراغماتية الذهبي، لا بموازين الأيديولوجيات العتيقة منها أو المستجدة، على ما هو واقع الحال في سوريا، والتحالفات التي قامت فيها على قواعد خارقة لكل احتمالات التحالفات المبدئية، وقيامها على أسس المصالح المنفعية، وبراغماتية التمذهب السياسوي والتديني، القائم على توظيف الدين على اختلاف فسيفساءاته المذهبية والفتنوية المتعادية.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°