حديث المقاهي في الناصرة / جواد بولس

جواد بولس

جواد بولس

جواد بولس

لم ننتبه لعددهم، فلقد تحلقوا طاولةً من خلفنا وتناقشوا بصحبة القهوة وشقيقاتها. كانوا يتحدثون بصوت خفيت وخال من الإنفعالات، لكنهم لم ينجحوا بضبط إيقاع الجلسة فكان، بين حين وآخر، يفلت منهم ما يشبه الصراخ.

كان عدنان، هكذا دعاه صاحبه حين قاطع كلامه، يصف بدقة كاريكاتيرست كيف بدت وجوه أعضاء المجلس البلدي في الناصرة عندما نهرهم رئيس بلديتها وأمرهم بمغادرة قاعة الإجتماعات معلنًا، بشكل مفاجئ، عن إنهاء جلسة البلدية التي انعقدت، في الثالث عشر من تموز الجاري، وفق أمر قضائي إستصدرته قائمة الجبهة لمناقشة قضية مركز المسن في المدينة. لم نفهم إذا كان عدنان مؤيدًا للرئيس أم معارضًا، مع أنه وصف المنظر بنبرة ممسرحة مستعرضًا كيف”سكسك” الجميع وتركوا المكان وكان في طليعتهم زملاء الرئيس من قائمة ناصرتي، وأضاف، قبل أن يوقفه سليمان، أن الناصرة بحاجة لرئيس “قد حالو جدع” ويفهمها.

لم يوافقه سليمان بشكل تام، فهو بدوره عزا قوة الرئيس الحالي لما خلفته الحروب الطاحنة، التي دارت لسنوات طويلة بين نشطاء الجبهة مع نشطاء حزب التجمع، من عداوات وجروح ما زالت متقرحة لم تشفها الأيام ولا تشكيل القائمة المشتركة التي ألفت بين الرؤوس وأهملت الجذوع والأغصان، فعمليًا صار الرئيس قويًا لغياب معارضة سياسية حقيقية تحظى باحترام أهل الناصرة وتأييدهم، وذكّر سليمان رفاقه كيف خاطب السيد علي سلام جميع أعضاء الكنيست عن القائمة المشتركة حين وقف، في التاسع عشر من حزيران/ يونيو، أمام آلاف المحتفلين في آخر يوم من ليالي رمضان المنصرم، وأعلن قبوله تحدي القائمة المشتركة إذا ما قررت ترشيح منافس له في إنتخابات البلدية المقبلة، كما نشر في الأخبار، واعدًا الجماهير أنه سيهزم ذلك المرشح، ومتوعدًا “المشتركة”، لأنه واثق بما يملكه من رصيد كبير وهام هو : محبة أهل الناصرة له، وهذا ما لا تمتلكه الأحزاب السياسية التي خسرت أمامه في الإنتخابات الأخيرة.

حاولنا ألا نصغي لحديثهم والعودة إلى مواضيعنا، فلقد كان انتقالنا بينها أسرع من ايقاع الموسيقى التي ملأت فضاء المقهى الذي التقيت فيه إثنين من أصدقائي النصراويين في ظهيرة يوم الجمعة الفائت. في الخارج درجة الحرارة أعلى من معدلها العام، كما تردد في نشرات الأحوال الجوية، أما نحن فلم نشعر بذلك وقد ألهانا النقاش المتفرع بيننا وحولنا وطرّت بعض كؤوس البيرة جفاف حناجرنا.

الناصرة كانت تفيق كطفلة تتحسس ضفائرها.

أذكر أننا بدأنا الحديث عن محمود درويش ومقارنته الخرقاء بهتلر. فثلاثتنا نحب الدرويش ونُنقود كالحمام، كلّما نلتقي، الحب من طواحينه، كل حسبما تسعفه الذاكرة وتغويه الذكرى، فتجد رائفنا يتلو ما تيسر من

دروس كاما سوترا في الإنتظار، ونبيل يستعذب “طباقه” لادوارد سعيد، وأنا تأخذني عتبات ستيني إلى منفاي وما أبقاه العمر من طل في العيون الشقية.

في مثل هذه المجالس يمر الوقت مخلفًا دهشة هشة وكسرات مواضيع كنا نعفناها بين ضحكاتنا ولم نشأ لملمتها، فليس من طبيعة الندمان إحتراف الجد والعبوس.

من “طباق” محمود اشتبكنا سريعًا مع واقعنا، نحن الجماهير العربية في إسرائيل، ومع أزمة هويتنا المتفاقمة، أو على وجه التحديد مع عوامل التأثير الفاعلة في تكوين هويتنا الوطنية، لا سيما بعد أن أصررت أن ما كان مسلّمًا به قد تصدّع، فاليوم قد تراجع “الفلسطيني” عن مكانته كمركب محسوم بارز في هويتنا المخروقة أمام الإسلامي الداهم الطاغي، والإسرائيلي المهزوز الملتبس المدفوع بيننا؛ ومن سيمعن التمحيص سيجد، هكذا قلت مستنفرًا صديقين مثقفين وطنيين، أن أقوى عاملين يؤثران في تكوين هوية الفرد الوطنية ومنها في هويتنا الجمعية هما: الحركات الإسلامية على تفرعاتها وتشكيلاتها المعلنة والسرية ووعاظها المتزمتين والعصريين من جهة، وبالمقابل ستجدان المؤثرات الإسرائيلية الموجَّهة علينا وبيننا، المباشرة منها والمخفية، كما يعكف على تصنيعها وتوريدها إلينا دهاقنة السياسيين الإسرائيليين ومخططو الاستراتيجيات العليا.

يساندني في موقفي هذا تلك المشاهد لعروبة تتشظى فيما كنا نأمنه كعمقنا العربي، حيث تصطف اليوم مجتمعات تلك الدول قبائل وطوائف ومللا متناحرة، وفيها جيوش من القتلة يحاربون قتلة والعوائد: سبايا ونفط ورقاب ناس صارت أرخص من رقاب الماعز والبقر، ويساندني كذلك اندفاع غزة نحو المطلق وإبقاء الضفة تواجه مجهولها والعدم؛ فأنا لا أملك بينّة “علمية” تدعم موققي وأحساسي، قلت لرفيقيّ، إنها مجرد إنطباعات وقراءات لواقع أحوالنا كما نعيشها، بمرّها وأمرّها، ولتلك الضوابط القامعة التي تتجذر أمام أعيننا في قرانا.

حاول نديماي اعتراض فكرتي ونفيها بخفة، لكنني ألححت مطالبًا بما لديهما من إثباتات معمدة في بساتين حاراتنا وملاعبها، وأكدت أنني غير مقتنع بما يسمى “دراسات وأبحاث” تجريها بعض جمعيات المجتمع المدني حتى وإن صدقت ببعض جوانبها، فهذا لا يشكل، برأيي، بينة موضوعية شاملة كافية تتعرض لتفاصيل حياة مجتمعاتنا المتشيئة جزيئياتها أمامنا، وكذلك لا أعتمد على ولا أثق بإستطلاعات رأي يحلو للبعض وصفها “بالمهنية” خاصة تلك التي أعدتها ونفذتها بعض معاهد البحث والدراسات الإسرائيلية، فواقع مجتمعاتنا يفقأ أعين جميع تلك الخلاصات ويفند نتائج تلك الدراسات، لا سيما ونحن نعرف، فوق كل ذلك وقبله، أن السياسة الإسرائيلية الممنهجة تعمدت تضخيم قضية هويتنا الفلسطينية حتى حوّلونا باستغلالها إلى طابور خامس يسعى إلى تدمير إسرائيل من الداخل، وعلى ظهر هذه “التهمة” مرروا ممارسات قمعهم العنصري ضدنا وسهلوا عملية إقصائنا عن حياة الدولة ومؤسساتها وضمنوا حرماننا من حقوقنا المترتبة على كوننا أقلية مواطنِة تنشد العيش بسلام وحرية وكرامة ومساواة.

لم نف هذه المسألة حقّها بشكل عميق وجدي، لكننا، وقبل انتقالنا لموضوع آخر، أجمعنا أن الهوية لا تعرف الجمود وهي أبدًا تتغير وتتبدل أو كما قالها محمود في طباقه: ” إن الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها لا وراثة ماض” ..

علا صوت من الطاولة التي خلفنا فسكتنا. بنبرة موضوعية رصينة جيء على ذكر مقابلة طويلة أجرتها صحيفة الصنارة النصراوية في السادس من آب المنصرم، أكد فيها علي سلام أنه سيفوز في انتخابات ٢٠١٨ برئاسة البلدية بالتزكية. ثم مباشرة كانت مداخلة شابة استعرضتها لرفاقها بصوت ينم عن تجربة تنظيمية مصحوب بوجع؛ فهي، هكذا رشح من حديثها، كانت ناشطة جبهوية متحمسة، لكنها، كمئات مثلها، وجدت نفسها مهملة على الرصيف من غير حيّز فيما كانت تعده بيتها الدافئ الآمن، ولذلك توقفت عن تعريف نفسها بالجبهوية لأنهم: “أطفأوا قناديل جبهتنا الظافرة واستبدلوها بشموع شاحبة تضيء مفاصل جسد متكلسة”، هكذا جاء صوتها من وسط صمت كان يقطر حزنًا وأنهت وهي على حافة الدموع: “الجبهة اليوم صارت جسدًا كهلًا هزيلًا. بعض رؤوسها نسوا أين تكون الجذور وكيف سقاها البناؤون الأوائل بالحب وبريق الانتماء الصادق للبلد، للكادحين وللبؤساء ولفقراء الشعب والوطنيين الصادقين. خسرنا القلاع حجرًا وراء حجر ولا من رقيب جزع أو حسيب قد عرف الفزع، فكيف من المعقول أن تمضي جميع تلك العواصف وتنزل في ساحاتنا كل الهزائم من دون مسؤول يحاسَب أو درس يستنخل كي تنتقى منه الحكمة والعبر. لقد أغفلوا البيت فنشأنا كاليتامى بلا خيمة وفرسان وحقولنا تركت بلا رعاة فعاثت جوارح الجو في أهرائنا، ونحن نجتر خوارق الآباء على عتبات مجد رمادي يتطاير ووطن يئن على مذابح المعابد وفي عتمة الفكر والفكرة”. قالت وكأن في الجو كان نسر “يودع قمته عاليًا، فالإقامة فوق القمم تثير السأم..”

أمامنا قصاصة من تقرير صحفي نشر قبل يومين في رأسه يبرز تصريح لرئيس مجلس عربي أعلن بإصرار أن إسرائيل “دولتنا، وعلينا أن نكافح من أجل ما نريد تحقيقه”، كانت تلك خلاصة تقرير أعدته “ذي ماركر” الإسرائيلية مع ثلاثة رؤساء سلطات محلية عربية هي : إكسال، طرعان وبسمة طبعون. وراءنا ينهي سليمان نقاشه بعد مداخلة صديقته التي كانت مرة جبهوية، ويضيف على ما قالته، أن المصيبة، برأيه، بدأت عندما لم تعترف جبهة الناصرة بفوز علي سلام، وباستخفاف قادتها بتلك الألوف التي أعطته ثقتها، وبمسيرتها المستمرة في ارتكاب الأخطاء، وانشغالها بمماحكات جانبية معه ومقارعاتهم الكيدية له، وذلك بدل تضميد الجراح واستخلاص العبر والعودة إلى ميادين الكفاح والالتحام مجددًا مع الناس. ومضى يقارن سلسلة الأخطاء جميعها بما قاله السيد علي سلام وردده مرارًا: “فأعضاء الكنيست لا يستطيعون التأثير على طفل واحد، القيادي الأول والوحيد الذي يؤثر على الشباب هو أنا والثاني هو الشيخ رائد صلاح”. وأنهى هو حين كنت أردد بيننا” واصرخ لتعلم أنك ما زلت حيًا وحيًا..ابتكر جهةً أو سرابًا يطيل الرجاء”.

الناصرة في الظهيرة تغسل وجهها بماء العيون،

وفي المقهى جو من مرح وموسيقى. خلفنا أفاقت مجموعة شبان وصبايا على زمن جليلي مختلف. ويحاولون إذابة ثلوج الخيبة بدفء المفاجأة وبمصادقة السراب، بعد أن هجروا أوطانهم السياسية وخرجوا من شرنقات أحزابهم التي كادت أن تحولهم إلى أصنام أو عبدة للخدائع. لم يضيعوا، لم يخنعوا لكنهم لم يهتدوا بعد إلى من يحيك معهم أشرعة الأمان ولا من يبني لهم زوارق النجاة.

إنهم أولاد الحياة يفتشون عن زهرة قد تطل برأسها من بين جدران العبث، ففي “عالم لا سماء له تصبح الأرض هاوية” .. فمتى سينشدون: وداعًا لشعر الخسارة والألم؟

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS