المستنقع التركي

سعيد الشيخ2016071894235

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، يبدو كالمثل القائل: “تحته خراء وفوقه خراء ويعلن بصوت عالٍ بأن في الجو رائحة خراء”. وذلك حين يشبّه الممارسات الوحشية للعسكر التركي من الانقلابيين بممارسات العسكر السوري الذي ظل على ولائه للرئيس السوري بشار الأسد.
يبدو التشبيه غير موفق وليس في محله، فالسياسة قادرة دائما على شيطنة القوى المعادية وإلباسها بما هو على غير الواقع. فلدى الحكومة السورية نفس المنطق في إنها تدافع عن الهيكلية الشرعية لنظام الرئيس الأسد، وهي بالتالي لن تسلم السلطة للجيش السوري المنشق ومعه فصائل مسلحة تدفقت على سوريا من كل بقاع الأرض. وهو ذات المنطق الذي يسوقه أردوغان حين يعلن بأنه لن يسلم السلطة إلى إرهابيين خونة تآمروا على الشرعية في تركيا.
نسوق هذا الكلام ليس للدفاع عن ممارسات الجيش السوري، وفي نفس الوقت فأن للمعارضة السورية جيش وميليشيات ينتهجان ذات النهج الوحشي. وعلى كل حال فأن من الصعوبة بمكان أن يتقبل المرء الممارسات العسكرية خاصة حين يكون على رأسها جنرالات لهم شهواتهم السلطوية.

الانقلابيون في تركيا لم يأتوا من المريخ، بل هم أتراك خرجوا من لدن المؤسسة العسكرية. وللعسكر التركي تاريخ طويل مع الانقلابات وسيرة غير حميدة تمتد إلى العهد العثماني. وفي تركيا الحديثة دانت لهم السلطة لحقب طويلة، فهل يجوز الآن وصفهم بمواصفات الشياطين وبأقذع الأوصاف التي تحط من كرامتهم بينما قطاعات بقية الجيش والشرطة الموالية حافظت على ملائكيتها، حتى وهي تعري الجنود المتورطين من ملابسهم، حيث بدو على الفضائيات في مشهد بغاية الذل والانسحاق، لم نر مثيله إلا بما تقترفه عادة جيوش الغزاة. وهذا من قبل أن تقام لهم أي محكمة تنسب إليهم تهمة الخيانة. وبينهم جنود برتب دنيوية يتلقون الأوامر من المراتب العليا وهم قد مضوا إلى الانقلاب بتضليل من قيادتهم. فهل من العدل اتهام هذه الفئة من الجنود بالإرهاب والخيانة.

لحتى اللحظة لم يتسنى للمراقبين تكوين صورة واضحة عن ملامح الانقلابيين، فهم إما إرهابيون أو خونة حسب السلطات التي تعمل مؤسساتها على مدار 24 ساعة على تجريدهم من وطنيتهم. هل يعقل أن يكونوا هؤلاء بلا رؤية وأفكار وطنية تعارض الحكم القائم؟ والمتهم الأول في قيادتهم داعية إسلامي يملك في البلاد وغيرها الكثير من المؤسسات الدينية والفكرية والقانونية. وهذا ما تؤكده أعمال الاعتقالات والتطهير الجارية على قدم وساق ضد المؤسسات القضائية والتربوية بالإضافة إلى العسكرية.

انقلاب على الانقلاب ما يحدث هذه الأيام في تركيا، وكأن الحكومة كانت تنتظر هكذا محاولة لتطلق يدها بما كانت لا تجرأ عليه قبل 15 تموز، حيث ما عادت تركيا بعد هذا التاريخ مثل قبله. الديمقراطية لا تعود مغناة يُتباهى بها وستثبت للقاصي والداني بأن لها أنياب حادة تستطيع غرسها في كل الأجسام التي تستشعر بعدائها لها. ليسوا العسكر وحدهم المستهدفين، بل كل المرافق والقطاعات والمؤسسات. انه التطهير الذي سيمضي عميقا في أروقة الدولة والأحزاب والمؤسسات الشعبية. وإذا كان الانقلاب قد فشل وتوقف، فأن اردوغان وحكومته لن يتوقفان، والأخبار تحمل المزيد من الاعتقالات والتصفية والتوقيف على مدار الساعة. وإذا بدت حملة القمع بعد أيام من محاولة الانقلاب مفهومة ومبررة فأنها لن تكون مقبولة مع مرور الوقت.

مع كل مغيب شمس هناك ترقب دولي عما ستكون تركيا عليه في اليوم التالي. هل الإجراءات التي تجريها الحكومة بعد محاولة الانقلاب كفيلة باستتباب الأمور لمصلحتها؟ أم إنها ستفتح أبواب الجحيم التركي متمثلا في حرب أهلية طاحنة على غرار ما يجري في بعض البلدان العربية؟

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS