أحدث الأخبار

زمن الكورونا وثقافة الإستكلاب / رجاء بكرية

+ = -

رجاء بكرية

(2_2)

“..ونحن لا تكادُ نُصَدّق أنّنا شركاء في القسوة والعُنفِ وصناعةِ الجريمة، لأنّنا ببساطة جمهور الهدف. أيُّ لَوثةٍ ضربت إنسانيّة هذا العالم المُسَوِّس بوباء الحِقد لتنتزع ضميره، تلفُّهُ بورق سيلوفان وتُخبّئُهُ في ثلّاجةِ الموتى بتلكَ الشّجاعة المبتذلة؟” رجاء.ب

ما بعد اللّاثقافة

أن تفقد الثّقة بواجهات المؤسّسات الثّقافيّة في الدّولة ليست خطوة عارضةـ ولا هي نتاج حالة طارئة تدخلنا الحكومة وتخرجنا منها برشاقة أرجحة طفلة فوق حَبْلة.

اللاثقافة تعني اختلال التّوازن بينك وبين من هم خارج دينك وقوميّتك، وأخلاقك وأُفُق المكان ومحيطه الّذي تتحرّك فيه أقوامٌ غيرك. أقوام تمتلكُ حضارة وقوميّات وأخلاق لا تشبهك، وعليك أنت المغموس بزيت قلّة الإنتماء لبركات الخليقة أن تؤسّس عالم مفاهيمك خارج علبتك السّوداء وتشحنها بزيت سمائهم وشوارعهم. وعليك أن تقول شكرا لكلّ من يمرّ عن دمامتك الجسديّة, الفكريّة أو النّفسيّة المفترضة ويرضى بأن تكون شريكهُ في ذات الرّقعة الّتي تمشيان عليها معا. وأن تتنفّس في نسيج ملابسكِ والتباس مفاهيمك لئلا تعتدي على مساحات غيرك, لكنّ ما يحدث في الواقع أنّ قانون التّواصل مع مستويات القلب، قلبك، لتهذيب ما تعرفه عن الثّقافة الرّوحيّة

تجاوزكَ بكثير حين حوصِرتَ بالأسلاك الشّائكةِ والممنوعات من كلّ حدب وصوب، فلا أنت وصلتَ إليهم ولا هم فَهِموا عليك.

واللّاثقافة أيضا، أن ترتبك أمام مفاهيم جديدة تغزو حولكَ وقوّتك معا، فترشّ جرح روحك ملحاً يذوبُ ويشعطُ، ولذلك نحن لا نبرأُ، بل نزداد اختلالا وتراجعا في منظومة تسحبنا إليها، إلى عمقها كَحوّامة، ونحتاج من يتخصّصَ في لاهوت الغرقِ كي ينتشلنا منها. فهل تُطابق الثّفافة القلب أم المخيّلة، وفق هذا التصوّر وكلاهما منشقان عن مسار الشّريان الأزرق الّذي يلوّن فكّ الرّأس؟ نسأل لأنّنا وفق موسم الثّقافة الجديد لحقوق الأقليّات، نفهم أنّ التّثاقفَ يعني أن تفهم هامشَكَ وأنت تتسلّح بتفاصيل ما يخيطه الآخر على مقاس شكلك وأصولك. لقد فهمنا أصولَنا هذه الأيّام أكثر من أيّ وقت مضى حين وزّع صورنا رئيس الحكومة كطرود فارغة على الفضاء. كأنّ أدواته في التّعبير خانته وفضّل “اللّاشيء” على أيّ شيء آخر. كنّا نكتشف لأوّل مرّة منذ وقت بعيد أنّنا نشبه لحدّ بعيد الـ(جوييم) الّذين درسناهم في الثّالث ابتدائي ولم ينجح أستاذ اللّغة العبريّة أن يذوّت هويّة حروفهم في عقولنا وجيوبنا. فجأة تنفتح السدّادة ونبدأ باستنشاق مذاق التميّز. أليس مؤلما أن تتعرّف على أصولك صدفة، وفي الزّمن الخطأ؟ موسم الانتخابات الأولى، الثّانية، والصّفقات على أنواعها وأعيادها.. كلّ هذا يحدث في زمن اللّاثقافة، واللّاذوق، واللّااعترف بحقّ الآخر عليك ولو دار في فلك كونِكَ الشّخصيّ. ما نسيهُ الجميعُ في هذه الدّولة يشمل الوزراء والنّبلاء والهُبلاء متنَ الحقوق الأساسي لتشريعات البرلمان منذ صعود بن غوريون للرئاسة وإقراره قانون الأقليّات كجزء لا يتجزّأ من القانون العام الشّامل لمجمل مواطني الدّولة، ويعني أنّ ما يسري على الدّخيل يشمل المقيم، فكيف انقلبت المعايير فجأة، وأنشأنا جدارا عازلا بين الأصلَيْن؟ إنّها خطّة العزل الشّعوري لتشجيع التوّحد الإنساني والقومي، هدفها إضعاف الذّكاء الشّعوري لدى النّاس، وحملهم على التّعايش مع التخلّف العاطفي كجزء من مفهوم الثّقافة العامّة المعتمدة في الدّولة والّذي يَعتَبِرُ اللّاثقافة فكرة حضاريّة خارقة للمُكوّن التّقليديّ “الرّث”، نافذ الصّلاحيّة..

هويّات القلب القاتلة

يمكنك أن تفرّط بكلّ شيء حولك، إلّا قلبك. هو الّذي يحتفظ بهويّاتك كلّها. هويّة أعدائك، هويّة عُشاقِكَ هوايةُ أكتافك وأنت تردّ ضربات الجزاء عن رأسكَ حين يسلّطون نقمتهم عليك مثلا، هويّة أوجاعك، هواية لسانك، وهويّة فرحك. كلّها أسماء جمع ما عدا فرحك، يأتي واحدا غير مقسّم لكنّه يتفوّق على صِيَغِ الجَمعِ كلّها عبر فقاعةِ وثبٍ عالية للقلب في فضاءِ الكون، تعيد لرئتيك الحياة سليمة معافاة وتكفي..

فكيف تصير هذه الهويّات مؤلمة لهذا الحد؟ حين تكون زنجيّا أو عربيّا في دولة تشرّع قانون التخلّف الانساني، “القوميّة” مؤونة لمخطّطاتها, وضمن هذا المخطّط مسموح أن تتجاوز الخطوط الحمراء ضدّ الأقليّات، خصوصا إذا صدر عن وزير مثلا، حين أصبح الضّغط على الزناد رشيقا جدّا، وسريعا، وقاتلا جدا. هويّتان سقطتا في امتحان الخوف، والإصرار على الجبن أو الرّغبة في القمع، قمع الضحيّة تحت طائلة الشّك، وللغرابة الفادحة أنّهما كلاهما تعانيان من أمراض مزمنة، مصطفى يونس| عارة وإياد الحلّاقَ| القدس. الأوّل يعاني من مرض الصّرع والثّاني التوحّد. مع فارق الأمكنة فالقاتل واحد، الأسلوب واحد والتّنكيل بخوف الضحيّة واحد.

مصطفى يونس: الإنفعال وانهيار القدرة على الدّفاع عن النّفس أدّى للنّوبة. هذه النّوبات يُنتَظَرُ أن يُسيطَرُ عَليْها من قبلِ حُرّاس الكورونا المحترمين عبر التّثبيت والإحتواء، لكنّ الغريب أنّ فنّ السّيطرة عليه كان مبتكرا جدا، إذ تمّ إِسكاتُ فزعِهِ رميا بالرّصاص. في دولة القانون يسيطرون على المرض بدجدجة الفَشَك وقنابل الغاز، يا للهول! لهذا الحدّ ضيّعوا وسائل الدّفاع عن القلب. كنتُ أبحث بانفعال عن مصدر

يكشف أمامي الحقيقة. ذُهلتُ حين وجدتُ عبر عدّة فيديوهات تتعلّق بالحادثة أنّ السّيطرة على يونس جرت بفنيّة عالية لدى الحرّاس، وأنّ دوريّاتهم لفّت حولهُ وهو صريع ألمِهِ وبطريقة مُخزية، مخجلة عارية من ملابسها. عاهرة حدّ أنّ العهر يتبرّأ من حروفها. نعم سيطروا عليه ولكن سيطرة كاملة فاضت معها روحه.

إياد الحلّاق: على صدره عِقدٌ تتوسّطهُ بطاقة التّأمين الوطني الإسرائيلي، على اعتبار أنّه أحد مواطني القدس الشّرقيّة، كوثيقة شاهِدة على إعاقتِهِ. طفلٌ كبير مصابٌ بالتوحّد، وترافقُهُ مساعِدَة. برغم ذلك لم يلاحظ الجيشُ الأخلاقيّ جدا بطاقتَهُ ولا عينيهِ الفزعة، ولا هربه بفعل الخوف الّذي استولاه حين تقدّمت ألوانُهم الغريبة منه. صرخت المُساعدةُ، “هو معاق” لأكثر من مرّة ولم يسمعوا غير جَرَسِ الإعاقة الّذي انتقل إليهم، فأفرغ رؤوسهم من مُخِّها. ركضوا خلفه حتّى حشروه في زاوية للمّ القُمامة قريبا من درجِ الأقصى. وسط فزعهِ وصراخهِ المرعوب تأكّد شكَّهم بانتمائه لخليّة من المخرّبينَ، ويبدو لاحظوا السّكين تخرج من بطاقة الإعاقة خاصّته، فأطلقوا الرّصاصَ عليهِ عن بعد صفر، طلقتين في الصّدر ونجَوا من فكرة موتهم المُحقّق.

والغريب فيما يحدث أنّ أداء الشّرطةِ المهنيِّ جِدًا يوازي أداء آخر أشدّ مهنيّة لجيش “الدّفاع” المنتشر بكثرة في القدس الشّرقيّة ومحيط الأقصى. فهل صدفة أن يدعس شّرطي أمريكي على رقبة الرّجل الأسود حتّى الموت مقابل شّرطي إسرائيلي يدعسُ مُباشرةً على القلب ثمّ يُطلِقُ رَصاصَهُ الحيّ في الصّدرِ على أنّه سرب عصافير مارقة فيقتلها بذات البُرود والحياديّة دون أن يرفّ له جفن؟ ما نعيشُهُ هذه الأيّام يشبه أفلام الرّعب الّتي يخرجونها سينمائيّا بعد سنوات من التدرّب على القتل، والفرق أنّ تقنيّة الإخراج السّينمائي انتقلت إلى الشّارع بفعل الممارسة الفِجّة حدَّ نبوغ المنفّذ في توزيع الأدوار. فنيّا لن أخبركم بأنّهُ يؤدّيها جميعا بفنيّة عالية، لكن واقعيا ما عدنا نحتاج لأبواب التخصّصات لأنّ الفنّ عموما يموت هذه الأيّام، وينسحب من المشهد. ونحن لا تكادُ نُصَدّق أنّنا شركاء في القسوة والعُنفِ وصناعةِ الجريمة، لأنّنا ببساطة جمهور الهدف. أيُّ لَوثةٍ ضربت إنسانيّة هذا العالم المُسَوِّس بوباء الحِقد؟ لتنتزعَ ضميرهُ، تلفّهُ بورق سيلوفان وتُخبّئهُ في ثلّاجةِ الموتى بتلك الشّجاعة المبتذلة؟ والمُرعبُ بِحق أنّ ارتياد هذا النّوع من الأفلام أصبح باهتا وبلا معنى لأنّ ما ينتجِهُ الشّارع يتجاوز الواقع المفبرك لتناغُمهِ المُذهل مع إيقاع الشّارع الحقيقي.

والخلاصة أنّ سياسة المحاسبة على سقوط قناع عن الوجه يوازي الشّكّ بامتلاك صاحب القناع السّلاح، واستحقاقِهِ القَتل. والحال أنّ رزالةَ المُحاسَبَة تجري بسهولة ودِقّة وبلا تكبيتٍ لضمير القاتل، ولا تنسَوا تَنضوي تحتَ طائلةِ القانون في الوضعين، فأداء شركات الحراسة يطابق أداء الجيش والشّرطة وكلاهما يملكان ذات الصّلاحيّات، وهذا ما يثير القلق ويستفزّ الضّمائر الّتي لا تزال تُولي اعتبارا لقيمة الإنسان، وحقّة الطّبيعي في ممارسة حريّاته بكرامة.

جمر ُالسّؤال

هل تبدو الآن صورة الثّقافة أشدّ بُهوتا ممّا نتوقّع؟ هل استطاع إياد الحلّاق ومحمود يونس أن يغيّرا منطق المعادلة؟ معادلة “دولة لكلّ مواطنيها” الخاسرة؟ هل فهمنا منطق العنف المستشري في أداءات القانون بحقّ ما يسمّى بمواطني اللّاثقافة؟ نحنُ، فلسطينيّي الدّاخل، القابضين على جمر اختلاف الإنتماء؟ لماذا يبدو السّؤال ملحّا الآن؟ لأنّ القسوة تولّد قسوة ولأنّ بشاعة الجريمة في تنفيذ القانون مع المواطن الضّعيف تسحق المنطق، وتخلّ بتوازن المسمّيات. ففي النّصف الآخر من الكون أمريكا تحديدا يعيش السّود ذات الحرب الشّرسة مع شرطة عنصريّة تُشاحِن مواطنيها على خلفيّة لونهم وعرقهم، ولا تتوانى عن التّمثيل باستفزازهم وخنقهم في محاولة لإذلالهم. وما وصلني وأنا أعدّ هذه السّطور أنّ الحملة الشّعواء الّتي قادتها الشّرطة الأمريكيّة ضدّ السّود ولّدت مقاومة مضاعفة من الجمهور الأسود الّذي بدأ يحاسب

ويتوعّد في عدّة ولايات، كارولاينا الشّماليّة، وحديثا جورجيا ويتّهم الشّرطة الإسرائيليّة بقتل السّود في أمريكا. حملة شعواء خرج الرّدّ الإسرائيلي عليها مُستفَزّا ومُتّهِما، لكن لم يخطر ببالهِ ما فعله النّازيون باليهود في ألمانيا، كأنّ التّاريخ لا يملك ذاكرة ولا مرايا مقعّرة تعكسُ الصوّر مقلوبة من أوّلها.

عنصريّة ضدّ اليهود!

في أمريكا، الّتي يدبّ معظم الإسرائيليين على أربع حين يطيّرون من أصابعهِم حروفها، اليهودُ متَّهمون بقتل جورج فلويد، والشّعار، “الفلسطينيّون لا يتنفّسون” هذا ما صرخت به الجماهير الغاضبة، والتّظاهرات الحاشدة الّتي خرجت في مدينتي مينابولس وأتلانتا تتّهم اليهود بالمسؤوليّة عن قتل جورج فلويد.

تبريرات الألوف المٌؤلّفة، أنّ الجيش الإسرائيلي يتعاون مع الشّرطة الأمريكيّة لاضطهاد الشّعب، وأنّ ما يمارسه الشّرطيّ الأبيض مع المُواطِن الأسود من أصل إفريقي يُشكِّلُ طبعة عن ذات الممارسة الّتي ينتهجها الشّرطيّ الإسرائيلي مع الفلسطيني. والإصرار على النّضال من أجل انتزاع حقّ الإنسان في العيش بكرامة بمعزل عن قوميّتهِ ولونه. وأن تبدأ هذه التّظاهرات الكاسحة جماهير مؤلّفة من بلد الحريّات، أمريكا، قضيّة مثيرة للضّمير العالمي الّذي غرق في سبات طويل ردحا طويلا، فهيّأ لقيادات دكتاتوريّة طريقا ورديا إلى المنابر والمناصب والإستحواذ على أحاديّة القرار، وفق سياسة القوّة النّاعمة. هؤلاء حازوا على ما يشبه سيطرة مطلقة ضمن القوانين الّتي شرّعوها لصالح مخطّطات رؤوسهم الإستعماريّة. سيطروا متجاوزين إرادة الشّعب المنغمس بقوتِ يومه. هذه اليقظة المدهشة للطّبقات الكادحة خصوصا، لا تتوقّف عند ولاية واحدة بل تنتقل بالعدوى من مدينة إلى أخرى في أمريكا ويبدو أنّها تراهنُ على قوّة الشّرعيّة الإنسانيّة، وجاهزيّتها لاجتياحِ العالم بمعاول الغضب الّتي استشرت في كلّ شيء، والمثير أنّ السّود يقودون هذا الانقلاب للمرّة الثّانية بذات الحميّة

والإصرار متوعّدين الظلّم الّذي يجرف العالم باتّجاه الهاوية، ولا يعنيهم وسط هذا الدّفق الحار وباء الكورونا الّذي يجتاح أمريكا بذات الحرارة والضّراوة.

فهل يفهم المستكلبون الآن أنّ نقمتهم تنقلب الآن عليهم بذات الآليّات الّتي جهّزوها لدفنِ موتاهم؟ وأعني جحافل الأرقام الّتي عادوها ودعسوا على رقابها وأنوفها؟ هل يستوعب محرّضو اللّاثقافة واللّاعدالة مروّضو منطق الدّهسِ والدّعسِ على الزّناد أنّ السّحر ينقلب تماما على سِحرهم، أم أنّهم ينتظرون أن تجتاح العالم الفوضى وتشتعلَ حاويات النّفطِ الباقية بحرّاسِ مواقِعِها كي يفهموا أنّ حريّة الإنسان ثمينة، وأثمن ممّا طَرحوا وجمعوا، وأنّ حرائق ستأتي على الأخضر واليابس إذا استهانوا بشروطها؟

16 حزيران، 020، حيفاااا

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°