الإعلام الغربي واعتداءات تركيا… الإرهاب بمعايير مزدوجة

349

لم تعُدّ ازدواجيّة معايير الإعلام الغربي هجينةً على القارئ، فقد عُرفت القاعدة: هجوم نفّذه مسلم، يعني اعتداء إرهابي. هجوم نفّذه غربي – أبيض، يعني أنّ مريضاً نفسياً قام بجريمة من دون وعيه. هجوم نفّذه إفريقيّ، يعني أنّه جريمة كراهية تميل إلى الإرهاب.

وفي نوع الضحايا، فقد عُرفت القاعدة أيضاً: مسلمون، يعني أنّهم ذاقوا من إرهابهم. غربيون ببشرة بيضاء، إذاً هم أبرياء غُرّر بهم بطريقة شنيعة وإرهابيّة. أما إذا كانوا أفارقة، فهم مجرّد مشاغبين لاقوا عقابهم. هي القاعدة نفسها كُلّ مرة. بكلّ الانتقادات الموجّهة للإعلام، من الإعلام نفسه.. لكنّ القاعدة مستمرّة. فلم تختلف الطريقة التي تعاطى بها الإعلام الغربيّ مع الهجوم على مطار “أتاتورك” الدولي كثيراً هذه المرّة. فمع الاهتمام المستجدّ والمتزايد، إلا أنّ الأنظار ذهبت في التغطيات إلى الفاعل نفسه، وكانت بسببه، بعدما رجّح رئيس الحكومة التركيّة أن يكون تنظيم “داعش” وراء الهجوم، بالإضافة إلى وجود غربيين بين الضحايا.

ولم يحل الهجوم الذي استهدف، ليل الثلاثاء، مطار “أتاتورك” في إسطنبول، وقام به ثلاثة انتحاريين، وأسفر عن مقتل 41 شخصاً و239 جريحاً، على أغلفة الصحف العالميّة الأربعاء. فكانت صحيفة “ميرور” البريطانيّة مُنفردةً (تقريباً) بغلاف عنونته “فظاعة إرهابية جديدة… مجزرة في المطار”. بينما نشرت “ذا تايمز” خبراً عن الموضوع على صفحتها الرئيسيّة.

“الإندبندنت” البريطانيّة خصّصت المادة الرئيسيّة الثانية على الموقع للقصة، بعنوان “لوم لداعش على الاعتداء الإرهابي الشنيع على مطار إسطنبول”، وكانت من بين صحف قليلة وصفت الاعتداء بـ”الإرهابي”، بينما خصّصت المادة الرئيسية للأخبار البريطانيّة المحليّة وتفاعلات استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي وتطورات “بريكزيت”. وتشابهت “الإندبندنت” مع “ذا غارديان” في ذلك، فكان اعتداء إسطنبول القصة الثانية مع التركيز في العنوان على لوم “داعش”. وهو ما فعلته “ديلي تلغراف”، حيث عنونت “الكشف عن ضحايا الاعتداء الشنيع في تركيا”.

في الصحف الأميركيّة، كان الهجوم العنوان الرئيسي في “نيويورك تايمز”، فعنونت “هجوم انتحاري يقتل 41 في مطار إسطنبول”، بينما كانت القصة الثانية عن “بريكزيت”. كما ترأّست القضية موقع “واشنطن بوست” التي تحدثت عن ارتفاع عدد الضحايا في الاعتداء”، فيما كانت القصة الثانية عن الأخبار والمستجدات المتعلقة بالـ”بريكزيت”.

وكانت “لوفيغارو” الفرنسيّة، من الأكثر اهتماماً بالهجوم، وعنونت “الاعتداء على مطار إسطنبول ضربة جديدة للسياحة التركيّة”، كما حلّت قصة رئيسية على موقعها بالإضافة إلى مادتين أخريين سيطرتا على الموقع، عن الأخبار والمستجدات حول الهجوم، وتقرير عن الاعتداءات الدامية على تركيا خلال عام.

في “ليبراسيون”، تركيا، أيضاً، قصة رئيسيّة، بعنوان خبري عن عدد الضحايا، فيما أعدت “لوموند” تقريراً بعنوان “المتمردون الأكراد والدولة الإسلاميّة: التهديد الإرهابي المزدوج في تركيا”.
ويأتي اهتمام الصحافة العالميّة المُستجدّ بالاعتداءات في تركيا، بعد ستّ هجمات شهدتها إسطنبول خلال 7 أشهر، إذ شهدت المدينة، منذ ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، سلسلة من الهجمات، نفذها كل من تنظيم “صقور كردستان” التابع لحزب “العمال الكردستاني”، وتنظيم “داعش”، وأدت مجتمعة إلى مقتل 69 شخصاً.

ويتّضح التمييز في التغطية الغربية بين الاعتداءات التي يُلام فيها “داعش” أو تُشير أصابع الاتهام إليه، عن تلك التي يتبناها “حزب العمال الكردستاني”، ففي اعتداء أنقرة في مارس الذي راح ضحيته أكثر من 30 شخصاً، لم تظهر كلمة “إرهابي” في التغطية الغربية. واعتبرته الإندبندنت، والتيليغراف البريطانيتان “انفجاراً كبيراً”، و”تفجيراً مأساوياً”، بينما قالت عنه “لو بوان”، و”لو فيغارو” الفرنسيتان “تفجير عنيف”، و”تفجير انتحاري”.

وتجاهل الإعلام الغربي سابقاً التفجيرات في أنقرة وإسطنبول. وحلّ الحديث عن التعاطف المزدوج مع ضحايا التفجيرات الإرهابية إلى الصفحات الأولى في الصحف الغربية، فتساءلت “الإندبندنت” بعد اعتداءات بروكسل مباشرةً: “أين كان هذا التعاطف بعد تفجير أنقرة؟”. وقالت حينها: “قيمة الهجمات الإرهابية لا يجب أن تقاس بعدد الضحايا، فكل روح تزهق هي انتهاك، لكن الدلالات تقول، إنه في الوقت الذي فقد فيه كثيرون أرواحهم في تركيا بقيت أوروبا صامتة”.

على مواقع التواصل الاجتماعي، ازدادت وتيرة الحديث عن تركيا هذه المرة أيضاً، حين بثّ مواطنون أتراك مقاطع فيديو، تُظهر لحظات ما بعد الاستهداف مباشرةً، حيث نقلوا أجواء الرعب التي خيّمت على المسافرين، بينما لجأ آخرون أيضاً إلى فتح البثّ المباشر عبر تطبيق “بيريسكوب”.
موقع “فيسبوك”، أطلق خدمة “التحقق من السلامة” safety check للمرة الثانية في تركيا، حيث أبلغ الأتراك، والسوريون المتواجدون في المنطقة، عن سلامتهم. وكان تفجير تركيا الخبر الأكثر تداولاً على “فيسبوك”، فيما بحث آخرون عن طرق للتضامن مع البلد. ويأتي تصرّف “فيسبوك” بعد انتقادات كثيرة واجهها، أخيراً، خصوصاً بالتزامن مع اعتداءات أنقرة وساحل العاج، أواخر مارس/آذار الماضي، حيث لم يُطلق الخاصيّة إلا بعد انتقادات كبيرة واجهها، باعتباره، هو أيضاً، “انتقائيّاً حول المآسي التي يتفاعل معها”.

وتصدرت وسوم “#Istanbul”، و”#Estambul”، و”#PrayForTurkey” لائحة الأكثر تداولاً عالمياً، مع وسمين باللغة التركية، هما “#terörelanetolsun” (الإرهاب ملعون) و”Atatuerk Havalimanı’ndaki” (مطار أتاتورك)، إلى جانب وسوم باللغة العربية بينها “#تركيا_لست_وحدك”.

العربي الجديد

سجل اعجابك

DeliciousDiggGoogleStumbleuponRedditTechnoratiYahooBloggerMyspaceRSS