أحدث الأخبار

الأدب الفلسطيني المقاوم / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

يعتبر الفلسطينيان محمود درويش وسميح القاسم من أهم الشعراء العرب المعاصرين الذين غادروا الدنيا برصيد شعري يتغنى به شباب فلسطين في كل مناسبة وطنية وقومية. ومن المجحف حقا أن نتحدث عن قامتين بهذا المستوى في مقال مقتضب ولكن بالتأكيد هذا لا يقلل من شأنهما بل هي محاولة صادقة من أجل أن تسليط الضوء على الشعراء الذين تركوا بصمة خالدة في تاريخ الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني البغيض.

الشاعر محمود درويش رحمه الله، يعتبر شاعر الثورة الفلسطينية بامتياز وقد حقق شعبية كبيرة فاقت كل التوقعات، وشكلت أشعاره وقودا ومحركا للكفاح المسلح والانتفاضات الفلسطينية المتعددة ضد الطغيان الإسرائيلي وكان هو صوت الشعب الفلسطيني الذي وصل صداه لكافة أقطار العالم.

مرت حياة درويش بمراحل عدة من الوطن إلى خارجه حتى وصل به المقام في لبنان التي تركها لاحقا بعد العدوان الإسرائيلي في العام 1982 ليمضي بقية حياته منفيا لاجئا لا تستقر له إقامة ولا يهدأ له بال حتى توفى في الولايات المتحدة الأمريكية في العام 2008، وكذلك مرت مسيرته الشعرية في عدة مراحل ما بين الماركسية ثم القومية العربية التي شغلت فكره ووجدانه إلى المرحلة الثالثة التي خابت فيها آماله بالقومية العربية وفقد إيمانه بها.

كانت لدرويش العديد من الأنشطة الثقافية ولعل أهمها إصداره لمجلة “الكرمل” التي رأس تحريرها، وهو من كتب وثيقة إعلان الاستقلال لدولة فلسطين والتي أعلنت في الجزائر، كما عمل في مؤسسات النشر والتوزيع التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي تركها لاحقا بعد اتفاقيات أوسلو المخزية. ومن أجمل قصائده “يوميات جرح فلسطيني” التي كتبها كرسالة للشاعرة فدوى طوقان، حيث قال:

آه يا جرحي المكابر

وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر

إنني العاشق والأرض حبيبة

وإذا استرسلت في الذكرى

نما في جبهتي عشب الندم وتحسرت على شيء بعيد

وإذا استسلمت للشوق تبنيت أساطير العبيد

وأنا آثرت أن أجعل من صوتي حصاة ومن الصخر نغم

تميز شعر محمود درويش في دواوينه العديدة بالعفوية والمصداقية ولامست كلماته الوطنية قلوب الملايين وأشعلت فيهم حب الأوطان وكراهة العدوان، وتوج أعماله الشعرية المتميزة بشراكته مع الفنان والموسيقار اللبناني مارسيل خليفة ليشكلا ثنائيا فريدا امتزج فيه الشعر مع أوتار العود فخرجت لنا قصائده وكأنها ترانيم النصر والعودة للوطن السليب.

أما الشاعر سميح القاسم فلقد أثبت وجوده رغم طغيان شعبية محمود درويش وخاصة أنهما عاشا في نفس الفترة الزمنية تقريبا، واستطاع أن يفرض بصمته الشعرية ذات الخصوصية في تطورها وتجددها على مدى سنوات عطائه، وقد أيقظ الأحاسيس الدفينة في الصدور وأجج هو الآخر مشاعر الشعب الفلسطيني المرابط على أرضه وفي بلاد المهجر.

كانت سيرته الأدبية والشعرية زاخرة بالأعمال التي قاربت 60 عملا في الشعر والمقالة والقصة، وساهم في تأسيس عدة صحف وترأس تحرير جريدة “هذا العالم” كما ترأس اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين في فلسطين منذ تأسيسهما.

انضم سميح القاسم في بداياته للحزب الشيوعي داخل الأراضي المحتلة في العام 48 إلى أن تركه لاحقا ليتفرغ لأعماله الشعرية والأدبية. تعرض للاعتقال والسجن عدة مرات وطرد من عمله بسبب جموحه الشعري الثوري الذي دفع ثمنه غاليا، فذاق مرارة الحرمان وفقدان الحرية فانطلق لسانه معبرا في فضاء فلسطين وذلك كنوع من ردة الفعل على القصة التي حدثت معه وهو صغير حيث رواها له والده فيقول: “عندما كنت طفلا صغيرا بكيت ذعرا أثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية حيث كنت وعائلتي نستقل حافلة كبيرة فذعر الركاب وخافوا أن تهتدي إلينا الطائرات الألمانية! وبلغ بهم الهلع درجة التهديد بقتلي بسبب بكائي بصوت عالي إلى أن اضطر والدي؛ الذي كان ضابطا في الجيش، إلى إشهار سلاحه في وجوههم لردعهم”. كانت ردة فعلي عنيفة عندما علمت بالقصة كبيرا وقلت: “حسنا لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم، سأتكلم متى أشاء وفي أي وقت وبأعلى صوت، لن يقوى أحد على إسكاتي”.

شارك مارسيل خليفة الشاعر سميح القاسم هو الآخر في ألحانه وأغانيه والتي حققت شهرة لا زال صداها في قلوب كل من عاش في تلك الفترة ولعل قصيدة “منتصب القامة أمشي” هي أشهرها على الإطلاق والتي يحفظها الفلسطينيون صغارا وكبارا وفيها يقول:

منتصب القامة أمشي

مرفوع الهامة أمشي

فى كفى قصفة زيتون وعلى كتفى نعشي

وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي

قلبى قمر أحمر… قلبى بستان

فيه فيه العوسج… فيه الريحان

شفتاى سماء تمطر… نارا حينا… حبا أحيان

فى كفى قصفة زيتون وعلى كتفى نعشي

وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي

شكل الثنائي الشعري هذا جناحي حمامة السلام الفلسطينية التي حلقت فوق الأرض المقدسة لتؤكد أن هنالك ما يستحق الحياة عليها بالرغم من الجرح النازف منذ عقود طويلة… رحمهما الله فلقد تركا إرثا شعريا عز نظيره هذه الأيام التي طغت عليها لغة الاستسلام والخنوع والتطبيع

والذي توج بالتنسيق الأمني الذي حوّل السلطة الفلسطينية إلى تابع للكيان الصهيوني فاختزل بذلك كل سنوات الكفاح المسلح وحوّل الشرطة وأجهزة الأمن الفلسطينية إلى طوق أو حبل يضغط بشدة على عنق هذا الشعب الذي رفض كل أشكال التطبيع والتنطيع والتلطيع.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°