أحدث الأخبار

توازن الطبيعة في ديوان ” هتافات حنجرة حالمة “/ بقلم : رائد محمد الحواري

+ = -

بقلم : رائد محمد الحواري *

بما أن الأدباء يمتلكون مشاعر جياشة فهم يتأثرون بواقعهم ، فنجدهم ـ ودون وعي ـ يتناولون الواقع ، رغم أنهم يعرفون أن هذا التناول ، هذا الواقع ، سيسبب ألم للمتلقين ، لكن الأديب / الشاعر لا يقدم صورة فوتوغرافية ، بل لوحة فنية ، من هنا نجد فيما يقدمونه فكرة الواقع البائس ، لكن بصور أدبية وبطريقة غير مباشرة وبعيدة عن الصوت العالي ، وهذا ما يسمى إيصال الفكرة بأقل الأضرار.

توازن الطبيعة

 في ديوان ” هتافات حنجرة حالمة ” يحدثنا الشاعر ” محمد علوش ” عما يشعر به ، فنجد الألم والفرح ، الأبيض والأسود ، وكأنه يعيدنا إلى الطريقة / الحالة التي تعامل بها أجدادنا مع الحياة / الطبيعة ، فاعتبروا الفرح والحزن حالة طبيعية / سوية ، يسيران بشكل متوازي ومتواصل في الحياة ، من هنا كانوا يقيمون طقوس الفرح بعودة البعل ، وطقوس الحزن ويندبون غيابه ، فنجد في قصيدة ” عيبال على  ساعدها ” والمهداة إلى فدوى طوقان :

” يا شاعرة دائمة الخضرة كالزيتون

كبرق يقدح بالسيف وبالنار

هذا “عيبال” على ساعدك

مرج أساطير

فيض أعاصير

ألف سماء ونهار

لمداد الكلمات

يتفجر لؤلؤة في إيوان الشعر

يتوثب أغنية لملائكة المدادة في صحن الدار

تستنفذ طاقتها نافورة في “جرزيم

تغني مع “فيروز” عن الحب الأبقى

وأراك على الدرج الصاعد نحو العين

يتسلق أعمدة الثار” ص10

إذا ما توقفنا عند الألفاظ المجردة  سنجد فيها ما هو أبيض جميل : ” شاعرة ، دائمة ، الخضرة ، كالزيتون ، عيبال ، مرج ، فيض ، سماء ، نهار ، لمداد ،  الكلمات ، لؤلؤة ـ إيوان ، الشعر ، أغنية ، لملائكة ، صحن ، الدار ، نافورة ، عشق ، جرزيم ، تغني ، فيروز ، الحب ، أراك ، العين ”  نجد وما هو قاسي وعنيف : ” كبرق ، يقدح ، بالسيف ، وبالنار ، أعاصير ، يتفجر ، تستنفذ ، الدرج ، الصاعد ، يتسلق ، أعمدة ، الثار ” هذا (التوازن) بين القسوة والنعومة ، بين الأبيض والأسود يحمل شيء من أثر الطبيعة /الواقع ، وهو يؤكد على وجود حالتين متناقضتين ، الفرح والألم.

أدوات التخفيف التي تهدئ الكاتب / الشاعر تتمثل في الطبيعة ، المرأة ، الكتابة ، التمرد ، وإذا علمنا أن الشاعر يتحدث عن امرأة شاعرة ، ومن المفترض أن يكون البياض هو السائد ، إلا أن وجود القسوة يعد حالة (طبيعية) ، ويتماثل مع حالة الواقع / الطبيعة ، وهذا التوازن لم يأتي متشابه مع الطبيعة / ما هو مألوف ، فيبدأ الشاعر بالحديث عن الخضرة قبل المطر/ كبرق يقدح ، ويؤخر الأرض / عيبال ، والعمل فيها / ساعدك ، وهذا (التغريب) ، التأخير والتقديم في طبيعة وتسلسل الأحداث / الأفعال ، هو الذي يجعل الحديث عن حالة (عادية) ملفت للنظر ويستوقف القارئ.

بياض الطبيعة

 الشاعر  يتماهي  مع الطبيعة ويحلق معها في الفضاء ، فنجد البياض شبه المطلق عندما يذكرها ، يقول في قصيدة ” أتيت غيمة ” :

” أتيت غيمة معطرة بالمطر

مسكونة بالندى وقصائد الصباح

أتيت أعلققنديل وشاحا على صفحة الجبل

أزرع السهل بالجنون وبالنجوم

وأحصد سنابل الشوق ” ص24

 فالبياض حاضر في عموم المقطع : غيمة ، معطرة ، بالمطر ، مسكونة ، بالندى ، وقصائد ، الصباح ، قنديل ، وشاحا ، صفحة ، زرع ، السهل ، بالنجوم ، سنابل ، الشوق”.

 واللافت أن ذروة البياض جاءت عندما أقرن الشاعر المذكر بالمؤنث : ” غيمة ومطر، الندى والقصائد ، قنديل وصفحة ، الجنون والنجوم ” اعتقد ، ما كان يمكن أن يأتي هذا الجمال دون هضم الشاعر لطبيعة الحياة ، فهي تتشكل من ذكر وأنثى ، فيبدو وكأن العقل الباطن هو الذي صاغ هذا المقطع ، أكثر من العقل الواعي.

ويقول في قصيدة ” حد الموت ” :

” وهناك على صفحة جبل يتزيى بالنور والأشواق

وجه السهل المسفوح

الأرض تلد هويتها

تهطل السماء بالأناشيد وزرقة البحر

تتآخى الأنهار وجدائل الشجر

تتعانق التربة

والنجوم الحالمة

كوجه أطفال البساتين

تأتينا بالفرح

بأعياد الصباح ” ص30

 رغم العنوان القاسي إلا البياض حاضر في القصيدة : “صفحة ، يتزيى ، بالنور ، الأشواق ، وجه ، السهل ، الأرض ، تلد ، هويتها ، السماء ، بالأناشيد زرقة ، البحر ، تتآخى ، الأنهار ، جدائل ، الشعر ، تتعانق ، النجوم ، الحالمة ، أطفال ، البساتين ، تأتينا ، بالفرح ، بأعياد ، الصباح ”  ، وهذا يعود إلى أثر الطبيعة على الشاعر ، فسحرها كسحر المرأة ، من هنا نجد أفعال وصفات المرأة مقرونة بالطبيعة : ” تلد، جدائل ، تتعانق ، الحالمة” وهذا المزيج هو الذي أعطا لمسة جمالية ، وخفف حدة العنوان.

سواد الواقع

جمالة النص الأدبي في تقديم مادة قاسية / مؤلمة بصور ، بألفاظ ، بطريقة ناعمة سلسة ، بحيث يكون أنثرها (القاسي) خفيف الوطأة على المتلقي ، في قصيد ” خارج سور المدينة ” نجد قسوة (ناعمة / مخففة) :

“…

خارج  سور المدينة

يخونون الله في المعابد

يسفحون الكتاب المقدس

في طقوس المسدس

يمتطون جنون الريح  والنار الموقدة.

حارج سور المدينة

يسقط القمر حزينا

وأسرا يطفح بالرؤيا

يصلبه النسيان على وجه محروق

يغزوه الغرور كالعين المفقوءة

لغة تتثاقل من ثديها

تتعربشها الخيبة

ويسكنها الوحل ” ص  48و49

 السواد حاضر في ” خارج ، سور ، يخونون ، يسفحون ، يمتطون ، جنون ، الريح ، النار ، الموقدة ، يسقط ، حزينا ، وأسيرا ، يصلبه ، محروق ، يغزو ، المفقوءة ، تتثاقل ، تتعربشها ، الخيبة ، الوحل ” ، فالقصيدة تكاد أن تكون مطلقة السواد ، يجتمع فيها المعنى القاسي ومع اللفظ ، ومع هذا إلا أن الشاعر حاول قدر المستطاع أن يخفف عنها تلك القسوة ، فكيف وأين حدث هذا التخفيف ؟.

 يستوقفنا (إهمال) الشاعر لاسم / لذكر من يقوم بخراب المدينة ، وهذا يشير إلى امتعاضه وقرفه من هذا / ه الفئة / الجهة / المجموعة / الدولة ، وهذا الإهمال يعكس ما يحمله الشاعر في العقل الباطن من غل وحنق وغضب على هؤلاء الفاعلين ، فعدم ذكرهم يعد تخفيف على القارئ ، بحيث لا يصاب بالأذى كما أصيب الشاعر ، واللافت أن الشاعر يجعل من أداة التخفيف  الكتابة / اللغة سوداء وقاسية :

” لغة تتثاقل من ثديها

تتعربشها الخيبة

ويسكنها الوحل”

وهذا الفقدان للغة ، لأداة التخفيف ، يعكس  حجم المأساة التي تمر بها المدينة ، بحيث أن مشاهدته لما يجري فيها ، جعلته يفقد أهم أداة لدية ، اللغة / الكتابة ، ولكن رغم قسوة الفكرة / المضمون ، إلا أن الصورة الشعرية التي قدمها الشاعر جاءت أزاحت وأنهت ذلك السواد ، من هنا تكمن أهمية الصور الشعرية في امتاع المتلقي والتخفيف عنه.

الحرف  والكلمة

الكاتب / الشاعر يتأثر بالواقع ، فيحاول أن يعبر عنه بالكلمات التي يستخدمها ، لكن ، أيضا تؤثر الكلمات على الشاعر ، فتجعله (أسير) حروف بعينها ، كلنا يعرف قول الأمام علي بن أبي طالب ” لو كان الفقر رجلا لقتلته ” وكلنا سمع أغنية زياد رحباني ” أنا مش كافر بس الجوع كافر ” ضمن هذا الإطار ” الفقر والكفر” يقدم ” محمد علوش ” قصيدة ” من أوراقي المحترقة ”  يطرح فيها ( الصراع الطبقي ) :

” الفقر على أرصفة الطرقات وحيدا

والمال يغازل أحلامي

يجتاح جناني

يقذفني بمتاهات التفكير

ومتاهات التكفير

والفقراء  حيارى كوحيد القرن

والخبز عصي الرؤية ” ص20

الطرح الطبقي يتناول معسكرين ، معسكر البروليتاريا الذي نجده في ” الفقر ، أرصفة ، وحيدا ، يجتاح ، يقذفني ، التفكير ، التكفير ، حيارى ، الخبز ” ، ومعسكر البرجوازية ” المال ” إذن كثرة استخدام الألفاظ المجردة تشيرإلى تعاطف الشاعر مع الفقراء / البروليتاريا ، واللافت أن الشاعر يستخدم ألفاظ ” التكفير ” والذي استخدمه الأمام ” علي ” والرحباني ، فبدا وكأنه يؤكد على ما قاله الأمام وما جاء في الأغنية ، ورغم أهمية  هذا الأمر ، إلا أن هناك أمر أهم ، استخدام الشاعر لكلمات ” الفقر ، الطرقات ، يقذفني ، التفكير ، التكفير ، الفقراء ، القرن ” ، فكل هذه الكلمات فيها حرفي ” الفاء والقاف ” وهذا ما يشير إلى تأثر وتعاطف الشاعر بالفقراء ، الذين يتكون لفظهم من حرفي “الفاء والقاف ” وكتأكيد على تأثر الشاعر بالفقر وربطه بالكفر استخدم ” التفكير والتكفير ” مترادفين ، ومتتابعين.

الديوان من منشورات جبهة النضال الشعبي ، دائرة الثقافة والإعلام المركزي ، بالتعاون مع بيت الشاعر ، نابلس فلسطين،الطبعة الأولى 2020.

  • كاتب وناقد فلسطيني – نابلس

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°