أحدث الأخبار

سيدي الزعيم المهاب / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

رسالة من مواطن مقهور إلى زعيم منصور: (الرسالة الأولى)

سيدنا وولي نعمتنا وحاكمنا الأبدي حفظكم الله ورعاكم أتمنى على معاليكم أن تمنحوني بعض الوقت وتقرأوا تلك الكلمات لابنكم المواطن الذي أثقلته الديون وآذته الفاقة والأمراض وأوجعته السياط التي ألهبت ظهره ظلما وقهرا.

أنا أعلم أن أوقاتكم ثمينة وأعينكم لا تعرف النوم أرقاً لعظم المسؤولية الملقاة على أكتافكم، تقضون جُلّ يومكم في قضاء مصالح العباد وحل مشاكل الوطن الاقتصادية ومحاربة رؤوس الفساد التي أينعت في كل دائرة ومؤسسة ووزارة، وأعلم يقينا أنكم تعدون للعدو ما استطعتم من قوة ومن سلاح لترهبوا به أعداءنا والمتآمرين على أوطاننا.

سيدي ومولاي أرجو أن تتكرموا في أي صباح من صباحاتكم الموقرة وأثناء انتقالكم من قصركم العامر إلى قصر حكمكم أطال الله في عمركم ومدكم بالحكمة والبصيرة وألهمكم الصبر على مطالبنا التي لا تنتهي، أقول لو تكرمتم في أي يوم وفتحتم نافذة مركبتكم المصفحة الفارهة وتخليتم قليلا عن هوائها المكيف؛ ولو لثوان معدودة، لتتنسموا بأنفكم المعظم الروائح الكريهة التي أزكمت أنوفنا وأصابتنا بالأمراض والأسقام، وإن كان في طلبي قليل من الوقاحة أتمنى عليكم أن تسامحوني بحلمكم المشهود له، أتمنى أن تنزعوا نظارتكم الشمسية الباهظة الثمن ولو لمرة واحدة وتنظروا إلى حال المواطن البائس الذي يسير في الشارع هائما لا يلوي على شيء، بملابسه الرثة البالية وأعداد المتسولين الواقف منهم والجالس، وأن تشاهدوا حال شوارعنا وطرقنا التي رصفها الاستعمار الإنجليزي منذ أكثر من خمسين عاما ولم يتم عليها أي تطوير أو تحديث، وإن تمكنتم من الصبر ولو لوقت أطول لشاهدتم بأم عينكم الحفر الكبيرة والأرصفة المدمرة والأوساخ والقاذورات في كل زاوية وركن. ولكني في هذا المقام لن أطلب من جلالتكم ترك السيارة المصفحة خشية على

حياتكم من الغدر من بعض الأوباش وقطاع الطرق من الفقراء والمساكين والمحرومين ولذلك لا بأس أن تبقى في سيارتك ولا تترجل منها فأنا لا أضمن لكم ماذا سيحدث حتى لو كان معك جيش من الحرس الخاص والعام.

سامحني سيدي على أني قد أطلت، وبالكتابة عن أحوالنا قد سوّفت، ولكني والله محب لكم أدعوا لكم الله دبر كل صلاة وفي كل يوم جمعة بالتوفيق والسداد والصلاح والنصر على الأعداء داخل الوطن وخارجه.

أما إن منحتموني مزيدا من الوقت فيقينا أني سأكونن لكم من الشاكرين ولصبركم من المقدّرين ولحكمتكم من المقلدين والمتابعين، فأنا سيدي أرى أن التعليم عندنا قد تخلف فمدارسنا آيلة للسقوط وصفوف أبنائنا زنازين للتعذيب ومناهجنا أصابها العطب والتخلف كما أصاب كل منحى من مناحي حياتنا، أما مستشفياتنا فأرجوكم ثم أرجوكم ثم أرجوكم أن تقصدوا أحدها وتشاهدوا بأم عينكم الفقر في التجهيزات والأدوية وسوء المعاملة من الكوادر الإدارية والطبية حتى وصل الحال فيها إلى أن الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.

أطلت عليكم كثيرا، أنا أعلم ذلك ولكنه قلبي المحب الذي يكتب لفخامتكم فلولا أني أحبكم لما تجرأت على نسج هذه الكلمات وأزعجتكم في أوقات راحتكم الطويلة. أنا أرسل لكم كتابي هذا وأنا أقبع في أحد سجونكم الفاخرة العامرة بالمعتقلين من كل الأصناف من الساسة والأدباء والمثقفين والصحفيين والشعراء… هل تصدق سيدي بأن معتقلاتكم هي أفضل مكان للتعليم في وطني، فهنا تعلمت الحرية… نعم الحرية، وهنا تتلمذت على فنون السياسة في تقليل تفادي الإهانات والضربات، وفي المعتقل تعلمت أيضا ممارسة الديمقراطية من خلال نقاشاتنا وأطروحاتنا، وهنا أيضا تتلمذت معدتي على كل أصناف الطعام ولذلك فإني لم أعد أتقزز من أي طعام مهما كانت جودته. أما الدرس الأكبر فكان في السجن الإنفرادي… وما أدراك يا سيدي ما هو

السجن الإنفرادي؟… إنه مكان للتأمل والتواصل مع الخالق والتفرغ للعبادة والصمت، فمع غياب الضوء الذي يؤذي عيناي والحضور الدائم للحشرات الرائعة من الصراصير والبعوض القارص والذباب فإني لم أشعر بالعزلة أبدا، فكانوا لي نعم الصديق والأنيس والشريك في الطعام والشراب والفراش… فشكرا لكم يا مولاي أن منحتموني هذا الشرف العظيم بأن أقضي عدة سنوات في المعتقل دون سبب، فأنا والحمد لله لم أخن وطني ولم أعمل على خرابه وليس لي أجندات خارجية ولا أخرى داخلية وغاية طموحي أن أعيش محافظا على كرامتي وأن أضمن مستقبل أبنائي وأقيهم شر التشرد والضياع. أما عن الضرب والتعذيب فحدث ولاحرج، فلقد تأدب جسدي على مختلف أنواع العصي من الخشب والخيزران وغيرها وأيقنت أن أجسادنا ليست لنا وإنما هي للسجّان يفعل بها ما يشاء وكيفما شاء فجزاكم الله خيرا على هذا النعيم الذي ذقناه وأتمنى أن ينعم الله عليكم بمثله عما قريب.

سيدي الحاكم…

لقد اخترق العدو صفوفنا ونهب ثرواتنا واحتل أجزاء كبيرة من أرضنا ولا زالت الأخطار تحدق بالوطن من كل حدب وصوب ونحن غارقون في مشاكلنا الداخلية، تفرقنا العصا ويجمعنا المزمار والراقصة ومن ورائها الطبال. نعم أنتم تمتازون بالحلم والصبر ولكني أرجوكم أن توقفوا ما يحدث قبل أن نفقد وطناً كان لنا يوما بيتا نأوي إليه من لهيب الشمس ومن زمهرير الشتاء القارص، يستر عورتنا ويحمينا من الحيوانات المفترسة والكلاب الضالة.

وفي الختام

أعلم يقينا أن رسالتي هذه قد لا تصلكم ولكني أثق بحكمتكم وبعد نظركم وأنكم ستدركون فحوى رسالتي حتى دون أن تقرأوها، وأنا متأكد أنكم ستعملون على سحق كل من يعمل على سلب

الوطن من بين أصابعنا… أنا على يقين أنكم ستفعلون ولكن فقط بعد أن تستيقظوا من نومكم الطويل إن شاء الله.

شكرا جزيلا وأطال الله في منامكم… آسف… في عمركم وإلى رسالة ثانية قريبا بإذن الله إن كان لا زال في جسدي روح.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°