أحدث الأخبار

أصناف الكتّاب: امتحان عسير ومصير مجهول / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

كاتب مغمور كتب مقالا رائعا فانتشر بين الناس وفي وسائل التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، اشتهر هذا الكاتب وتهافتت عليه الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية من أجل أن ينشر مقالاته لديهم مقابل المبلغ الذي يحدده. عرفه القاصي والداني واستضافته الإذاعات والقنوات الفضائية ليدلي بدلوه فيما يدور في العالم ويقدم النصيحة تلو الآخرى وعداد الدولارات لا يتوقف، فأمسى من نخبة المجتمع ورواده وصانعي الرأي العام فيه.

كاتب مخضرم يكتب منذ عقود لا يعرفه أحد ولا يقرأ مقالاته سوى المقربون، يكتب فيما يهم الشارع ويحاكي نبضه لكنه لا يستطيع أن يلامس الأوتار الحساسة التي يحب الآخرون أن يعزف عليها. بقي هذا الكاتب مجهولا وسيستمر كذلك إلى أن يشاء الله أو أن يغير طريقته التقليدية الرتيبة في مخاطبة الآخرين وإلا فإن اسمه لن يرى النور وسيبقى مهمشا وتنشر الصحيفة مقالاته فقط لتعبئة الشاغر في صفحاتها المتنوعة.

كاتب ثالث من نوع آخر، هو كاتب للإيجار يبحث عمن يدفع لكي يكتب له ما يريد، لا مبدأ له ولا خلق فكل ما يهمه أن يجني المال مهما كان وقع كلماته سيئا على مجتمعه وصناع القرار فيه. إنه نبت شيطاني بالأجرة ينفث السموم ويبث الأخبار الكاذبة ويلفق المواقف وينسج خيوطا عنكبوتية حول أعدائه الافتراضيين.

أما الصنف الرابع فهو كاتب مبدع يمتلك قلما جميلا وأسلوبا ساحرا، ذمته لا عيب فيها وسمعته بين الناس لا يشوبها شائبة، نوعه نادر وفصيلته على وشك الانقراض مع تكاثر الأصناف الأخرى. يحترمه الوسط الثقافي والصحافي ويستضيفه أصحاب السلطة والنفوذ ويستميلونه رغبة في أن يكون من أتباعهم ولكن محاولاتهم غالبا ما تبوء بالفشل ولذلك فهو ضيف دائم على السجون

والمعتقلات لأنه لا يحسن المداهنة ولا يجيد النفاق، وغالبا ما تكون نهايته كارثية إما دهسا بسيارة أو سقوطا من شرفة منزله أو رصاصة طائشة في جبينه.

أصناف عديدة من كتاب المقالات تعج بها الصحافة الورقية والرقمية والقارئ الذكي هو الذي يستطيع أن يميز الخبيث من الطيب والسطحي من العميق والمفيد الممتع من الضار المزعج، ولكن هل فعلا هنالك من يعير اهتماما لمقال أو لكاتب في أيامنا هذه؟ وهل لا زال للكاتب ذلك المكان المرموق في الوسط الثقافي كما كان عهده سابقا؟ أم أن زمان الكتابة والمقالات قد ولى بلا رجعة وأمسى الخبر والتعليق هو سيد الموقف وعنوان المرحلة. إن الكاتب المعاصر والمتميز فعلا هو ذلك الذي يستطيع أن يجذب القارئ المتمرس والعادي، وأن يطرح القضايا التي تهم المواطن ويقدم فيها الحلول، أما ذلك الصنف الذي يدغدغ مشاعر القراء ويلعب على حبل احتياجاتهم ويتلون وفق الأهواء والأحوال فسوف يكشفه القارئ الفطن ويلفظه كما يلفظ البحر الأوساخ والنفايات.

كُتّاب المقالات رغم تنوعهم وتعدد فئاتهم في وضع لا يحسدون عليه، فمصيرهم يبدو مجهولا بعد أن اهتز عرش الصحافة المطبوعة والتحديات أمامهم صعبة وعسيرة. هذه المهنة الجميلة بدأت تدفع ضريبة التكنولوجيا والتطور المذهل في وسائل التواصل، ومن الأفضل لأصحاب هذه المهنة السامية أن يبحثوا عن مهنة أخرى لكسب الرزق وإلا ستكون نهايتهم موجعة وحينها لا يهم من أي صنف هم من الكتّاب.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°