أحدث الأخبار

ليسوا غرباء / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

حتى هذه اللحظة لم يصدف أن تقابلت طوال حياتي مع فلسطيني من الداخل المحتل (عام 48) ومن الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية. والحق يقال أني مندهش لعدم تمكني طوال هذه السنوات من اللقاء ولو بالصدفة بواحد منهم لأسمع منه مباشرة تفاصيل حياتهم ومعاناتهم التي بالكاد نسمع عنها في وسائل الإعلام.

أكثر من سبعين عاما مضت وهذا النفر المرابط من الشعب الفلسطيني يعيش تحت نير الاحتلال الصهيوني يذوقون غربة الوطن والهوية وهم في الوطن الذي تغيرت ملامحه وطمست هويته وتبدلت أسماؤه وأشخاصه ولغته ونسيهم الفلسطيني قبل العربي وأصبحوا نسيا منسيا.

حتى اتفاقية أوسلو المشؤومة تجاهلتهم وتغاضت عنهم وكأنهم لم يكونوا، فلم نعد نسمع عمن يدافع عنهم وعن حقوقهم وهويتهم المسلوبة في كيان نشأ على العنصرية في كل مكوناته وحرص على عزلهم التام عن محيطهم العربي. لقد ذاق أبناء ال 48 كل صنوف الاضهاد والتمييز العنصري في الأرض والمدرسة والطبابة، في ممارسة الشعائر الدينية الإسلامية والمسيحية. اضهدوا في رزقهم وأعمالهم، تعرضوا للقتل والسجن والاستبداد، وإن لجأ أحدهم للقضاء فالنتيجة الحتمية معروفة ولا داع لتوضيحها.

عقود طويلة مرت عليهم وفرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية فرضا وليس اختيارا، وكان القبول بها نوع من الرباط والصمود من أجل مقارعة المحتل في كل الميادين، ولكن المؤسف والمخجل أيضا أن تجد بعد الأصوات العربية والفلسطينية من يصمهم بالخيانة والخضوع لإرادة المحتل دون مراعاة لظروفهم الحياتية أو حتى معرفة ما يتعرضون له يوميا من خطر جسيم على حياتهم ورزقهم.

لقد حاربهم المحتل حتى في لغتهم العربية والتي يحاول أن يطمسها جاهدا وبكل الوسائل من خلال فرض التدريس باللغة العبرية في المدارس والجامعات، فباتت كل اللوحات للمحلات والشوارع لا

تحمل إلا أسماء عبرية بما في ذلك أيضا المدن والبلدات الفلسطينية العربية، وكنتيجة حتمية تعلم الفلسطيني لغة العدو من أجل قضاء مصالحه اليومية في الشارع والمؤسسات ولكنه حافظ وبكل ثبات ورباطة جأش على لغته الأم.. اللغة العربية.

أما الأحياء العربية في حيفا ويافا وعكا فحدث عنها ولا حرج، فهي محاصرة من كل الجهات ولا تقدم لها أي نوع من الخدمات على الإطلاق (الصحية والبلدية) ولا يسمح لأصحاب البيوت بترميمها ولا زيادة البناء فيها كوسيلة ضغط ممنهجة من أجل طردهم من تلك الأحياء ليغتربوا غربة أخرى على غربتهم داخل الوطن السليب، ناهيك عن الأراضي الفلسطينية التي يتم الاستيلاء عليها بشكل ممنهج وبكافة الوسائل الغير أخلاقية.

ويأتي التجنيد العسكري الإلزامي كنوع آخر من المعاناة التي يتعرض لها أبناء الداخل المحتل، فلقد فرض الكيان الصهيوني على أبناء الطائفة الدرزية فرضاً الخدمة العسكرية، وكذلك على عرب بادية فلسطين في محاولة خبيثة لدس السم بالعسل وشق الصف الفلسطيني وخلق حالة من عدم الثقة بين أطياف هذا الشعب من أجل أن يوقع العداوة بينهم وحينها يتمكن من فرض شروطه وإملاءاته عليهم.

من أجل كل ذلك أوجدت نخب المجتمع الفلسطيني في الداخل مجموعة من الهيئات والأحزاب من أجل مقارعة المحتل ومواجهته بالوسائل المعاصرة في كل الميادين وخاصة في الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) والحمدلله أن التغطية الإعلامية العربية لأصوات العرب في الكنيست قد وصلتنا وسمعنا صوت أخوتنا عاليا وهم يردون الصاع صاعين في محاولة منهم لكسر حاجز الصمت المفروض عليهم وإيصال صوتهم للخارج.

والحمدلله أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة قد مكنتنا من التواصل معهم وسماع أصواتهم ومعاناتهم وتمسكهم بعروبتهم وهويتهم بعيدا عن التشويه المتعمد والتغييب المقصود، هذه الفئة

الغالية من شعبنا العربي هي الخط الأول المدافع عن كرامتنا جميعا ولذلك فإنهم يستحقون منا التقدير والدعم اللامحدود ومناصرتهم في محنتهم طويلة الأمد لا أن ننعتهم بصفات ما أنزل الله بها من سلطان.

ومن هذا المقام فإنني أقف احتراما وتقديرا لهم لمواقفهم البطولية وصمودهم الأسطوري ولا بد لي أن أشكر القائمين على مبادرة (سفير فلسطين) والتي من خلالها استطعت أن أطلع وعن كثب على كل أشكال الاضهاد الصهيوني لهم ووسائل مقاومتهم للتهويد والتهميش الممنهجة.

إنهم أخوتنا وأبناؤنا وأولاد عمومتنا وليسوا بالغرباء، إنهم أبناء هذه الأرض الطاهرة المباركة يدافعون عن حقوقهم وهويتهم مع تخلى كل الأطراف عنهم عربية وغير عربية ليجابهوا العدو بصدورهم العارية وقوة الحق التي في صدورهم، وإلى أولئك النفر أقول “فلتقل خيرا أو لتصمت”.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°