أحدث الأخبار

إلياس خوري والعتب على الفلسطينيين / سعيد الشيخ

+ = -

سعيد الشيخ

تنتابني، واعتقد معي الكثير من الفلسطينيين، مشاعر مختلطة إزاء مقال الأستاذ إلياس خوري المنشور في صحيفة القدس العربي بتاريخ 11 نوفمبر 2019 تحت عنوان ” رسالة إلى الصديقات والأصدقاء في فلسطين”، يعتب فيه على الفلسطينيين المقيمين في وطنهم المحتل دون سواهم من فلسطينيي الشتات ومستثنياً رموز السلطتين في رام الله وغزة، ويطالبهم باتخاذ موقف صريح إلى جانب ” الثورة ” اللبنانية. ويقول في مستهل مقاله بأنه تردد كثيراً في كتابة النص، وبرأيي يا ليته ظلّ متردداً حتى يهتدي إلى يقين، ولكيلا تأخذه الحمية في تفسيراته الخاصة حول” الغياب الفلسطيني عن خريطة التحول التاريخي الذي يشهده العالم العربي” ومنه لبنان بالطبع.

الأستاذ إلياس خوري صديق محب للشعب الفلسطيني كما هو معلوم وهو يكتب معاتباً الفلسطينيين من هذه الصفة محملاً مقاله الكثير من اللغة الوجدانية التي لا نشك بصدقيتها، ولكن هذه اللغة أوقعته في أن ينفصل عن واقع العلاقات اللبنانية-الفلسطينية المعمول بها مؤخراً بسبب قرارات دأبت الحكومات اللبنانية المتعاقبة على اتخاذها منذ اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1990 حيث تتسم بالتضييق وتحمل الكثير من الغبن والظلم طالت الوجود الإنساني والمعيشي لجميع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

 بالنظر لهذه القرارات المجحفة والمطالبات التي يدعو إليها الكاتب والروائي في أن يقف الفلسطيني إلى جانب “الثورة اللبنانية” عملاً بما فعله اللبنانيون بوقوفهم إلى جانب الثورة الفلسطينية في السابق، فإنّ هذه المطالبات تبدو قفزة هوائية غير محسوبة، خاصة أنّ قوى الحراك ليست على قلب ولسان واحد. وكان على الأستاذ إلياس أن يلاحظ إنّ بين قوى الحراك أنصار لميليشيات حاربت الوجود الفلسطيني في لبنان وارتكبت في مخيماته مجازر لا يمكن أن تُنسى. كما كان عليه أن يستشعر العنصرية اللبنانية التي لن تسمح للفلسطيني أن يتفوه بكلمة تخص شؤونهم وسيتهم على الفور بأنه يتدخل في شؤون لبنان وهو لطالما ظلّ ملاحقاً بهذه التهمة. حيث كلّما “دقّ الكوز بالجرة” كما يقول المثل الشعبي يقولون أنّ السبب يعود إلى الفلسطيني، حتى حمّلوا كل مشاكل لبنان على كاهل الفلسطيني.

العنوان البارز لحراك المتظاهرين بأنّ حراكهم إنّما هو معيشي وضد الفساد فاكتشفنا أنّ “كلن” في لبنان ضد الفساد حتى تاه العالم مع الشعب اللبناني في تعريف ماهية الفساد ومن هم الفاسدون.  إلى أن يصل كاتب المقال إلى هذا السؤال الغريب: “أين الضمير الفلسطيني الذي كان ويجب أن يبقى ضمير كل المضطَهدين في العالم؟ ” غرابة السؤال في أنه لا يجوز طرحه على الفلسطيني الذي لم يتأخر أبداً عن التعاطف مع المضطهدين في العالم حتى وهو في قلب محنته.

ومن المفيد هنا أن نذكّر الأستاذ إلياس بأنه قبل هذا الحراك بنحو شهر كان حراكاً فلسطينياً قد تفجّر وظلّ مكتوماً داخل المخيمات للتنديد بالقرارات الحكومية التي طالبت اللاجئ الفلسطيني بالحصول على تصريح عمل على الأراضي اللبنانية، وهو الكائن الموجود في لبنان منذ أكثر من سبعين سنة، أي أقدم من عمر أي وزير لبناني.  وهنا لا مجال لذكر المهن الممنوع على الفلسطيني مزاولتها. ولا ذكر قوانين التملّك والتمليك التي لا تمنح الفلسطيني أي حق في البيت الذي دفع ثمنه بشقاء عمره في العمل بدول الخليج.

وأمام هذه القضايا كان يحتاج الفلسطيني أيضاً إلى ضمير لبناني يقول لحكومته هذه قرارات خاطئة، وبدل ذلك انخرطت بعض وسائل الإعلام اللبنانية في امتداح القرار بشكل عنصري طال اللاجئين السوريين أيضاً. ومن وسط هذه “الثورة” خرجت أصوات تدين وجود اللاجئين في لبنان الذي بزعمها سبّب قلة الأشغال للمواطنين اللبنانيين، وهنا الطامة التي تعطي صك براءة للسياسة اللبنانية الفاشلة في إدارة شؤون البلاد.. فأي أصوات يبحث عنها كاتب المقال عند الفلسطينيين، بينما المواطن اللبناني لم يتوحد على كلمته وهو يمضي بشكل أعمى خلف طائفته وخلف أصنامه المهترئة؟  

لماذا يتناسى الأخ إلياس أن الفلسطينيين محاصرين داخل مخيماتهم بالجدران الإسمنتية وحواجز الجيش اللبناني منذ عدة سنوات، وهم مهانون في كل خروج ودخول بالأسئلة وبالتفتيش وكأنّ تحت ثيابهم عبوات ناسفة وليس رائحة عرق يحملونها طيلة سنوات الشقاء. ولم نسمع من المتظاهرين أي شيء بخصوص إزالة هذه الجدران من أجل تصحيح العلاقة بين الشعبين، بينما سمعنا من المتظاهرين بشكل متكرر ثناء ومديحاً بالجيش وكأنه أيقونة هذه الثورة وليس أداة قمعية، هل كان لمؤسسة الجيش اللبناني وظيفة غير هذه الوظيفة في تاريخ لبنان؟

الواقع يقول أنّ الشعب الفلسطيني هو الذي يريد من لبنان على نفس مستوى ما يريده من كلّ العرب.

 وما ينبغي قوله أنّ العلاقة اللبنانية-الفلسطينية ليست بالصورة الرومانسية التي يسوقها الكاتب إلياس خوري، فالعلاقة ليست محصورة بين رفاق ورفاق كما هو يخاطب الفلسطينيين، العلاقة أوسع وأكبر وهي بين شعبين وكيانات سياسية وهي شائكة يتخللها عذابات وأعباء وهواجس.

وأشهد لك أيها العزيز بأنّك قد هدّفْت ولكنّك لم تصب، وكأنّك قد أطلقت بين قدميك!

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°