أحدث الأخبار

صمت غربي مريب ..المحتجون العرب يُتركون لمصيرهم في مواجهة القمع

+ = -

من يتابع مواقف العواصم الغربية مما يجري في العراق ولبنان والجزائر، يرصد حذراً ملحوظاً، فهل هي فقط نتيجة الخوف من سيناريوهات كارثية آلت إليها بلدان الربيع العربي في موجته الأولى، أم هنالك حسابات ورهانات أخرى؟

يُعد خريف هذا العام من أكثر المواسم التي شهدت احتجاجات في مناطق مختلفة من العالم. ورغم أن الاحتجاجات الجارية في بلدان عربية هي الأكثر اتساعاً من حيث الزمن وحصيلتها البشرية، إلا أنها ليست بالضرورة في صدارة الاهتمامات في العواصم الغربية سواء في وسائل الإعلام أو أجندات صانعي القرار.

إن عدد الذين قتلوا في يوم واحد في حادث تدخل قوات الأمن في بغداد، يفوق حصيلة ضحايا أحداث تشيلي أو هونغ كونغ على امتداد أسابيع. ورغم ذلك فان مواجهات الشوارع بين المحتجين في هونغ كونغ أو سنتياغو، عاصمة تشيلي، تجد مكان الصدارة في عناوين كبريات الصحف وصور قنوات التلفزيون الأوروبية والأمريكية، وكذلك في بيانات العواصم الغربية.

يمكن القول بأن اهتمام الغرب بأحداث هونغ كونغ نابع من أولوية ملف الصراع بالنسبة للقوى الغربية مع العملاق الصيني على خارطة النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي في العالم، وبأن اهتمام العواصم الأوروبية والأمريكية -خصوصاً- بأحداث تشيلي نابع من كون هذا البلد الأمريكي اللاتيني الصغير يوجد في خاصرة القوة العظمى الأولى التي يلاحقها “الدب” الروسي إلى حديقتها الخلفية بالقارة الأمريكية.

لكن بالمقابل، ما الذي يفسر ضعف اهتمام واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي، بما يجري من أحداث واحتجاجات في بلدان عربية أو بات يُطلق عليه موجة “الربيع العربي 2.0″؟

خيبات أمريكية وأوروبية

إن نظرة فاحصة في سياق العلاقة بين العواصم الغربية والدول العربية التي تجري بها أحداث ساخنة: العراق، لبنان، الجزائر، ليبيا وقبلها السودان ومصر ناهيك عن سوريا واليمن، يكشف إلى حد ما معضلة باتت تواجه صانع القرار الأوروبي والأمريكي في إدارة الملفات المتعلقة بمنطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

دون المضي بعيداً في سوابق السياسات الأمريكية والأوروبية بالمنطقة، يمكن التوقف بداية عند الخيبة الكبيرة التي لحقت بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الأزمة السورية، حيث ولّت إدارة الرئيس دونالد ترامب ظهرها لأقرب حلفائها وسحبت قواتها، كما تقلّص الدور الأوروبي وتنازعت عواصمه الكبرى ( برلين، باريس..) حتى على الحد الأدنى من السياسة المشتركة في قضايا مثل اللاجئين والمنطقة الآمنة على الحدود التركية السورية. لا بل إن دخان الخلافات انبعث حتى من داخل الديبلوماسية الألمانية، إذ كشف هايكو ماس وزير الخارجية الألماني مؤخراً في لقاء مع شبكة هيئات التحرير الألمانية في “صالون برلين” جانباً من خلفيات حادثة غير مسبوقة في تقاليد الديبلوماسية الألمانية وتتعلق بانتقادات وجهها من خارج ألمانيا، خلال زيارته إلى تركيا، وبشكل مفتوح لزميلته وزيرة الدفاع آنغريت كرامب-كارنباور بشأن اقتراحها بإقامة منطقة دولية آمنة في شمال سوريا.

بينما يتأكد يوماً بعد يوم بأن من يفركون أياديهم لجني المكاسب في نهايات الحرب الأهلية بسوريا، يوجدون في شرق الكرة الأرضية: موسكو، طهران، أنقرة.

وفي غضون ذلك تبدو خواتيم الأدوار الأمريكية والأوروبية في أزمات سوريا واليمن، غير منفصلة عن مفاتيح المواقف الحالية لهذه الأطراف (الأوروبية والأمريكية) مما يجري في العراق ولبنان أو الجزائر.

سياسة النعامة إزاء الدور الإيراني

مع ارتفاع حصيلة ضحايا الأحداث التي يشهدها العراق (أكثر من 270 قتيلاً وآلاف المصابين) ونُذر المخاطر التي تهدد لبنان، يبدو الصمت أو الحذر الغربي إزاء ما يجري في البلدين، مؤشراً قوياً على حسابات العواصم الغربية إزاء الدور الإيراني. فبالنسبة لإدارة الرئيس ترامب، لا يبدو أن صراعها مع طهران، كاف للاستنتاج بأنها تؤيد الاحتجاجات التي ترفع شعارات ضد الطائفية وحتى ضد النفوذ الإيراني في العراق أو لبنان. كما أن المسؤولية الأخلاقية والسياسية لواشنطن على الوضع في العراق، ما بعد إسقاط نظام صدام حسين، لا تبدو آثارها واضحة في سياسة ترامب إزاء هذا البلد الذي ينزف منذ ثلاثة عقود.

فعندما قررت إدارة الرئيس ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، أعلنت بأنها تعتمد على قواتها بالعراق كخيار بديل، عندما يتعلق الأمر بالحرب على الإرهاب، وكذلك فعلت قبل بضعة أشهر عندما كانت بصدد دراسة خيارات توجيه ضربة لإيران إبان أزمة ناقلات النفط في الخليج.. وفي الحالتين يبدو العراق وكأنه حديقة خلفية للنفوذ الأمريكي، لكن لا يبدو أن هذا البلد يحظى بنفس الأهمية الاستراتيجية عندما يسقط آلاف من أبنائه برصاص أجهزة الأمن والميليشيات الخاضعة للنفوذ الإيراني.

ومن المفارقات أن القادة الإيرانيين يتهمون الأمريكيين بإشعال الاحتجاجات في العراق، بينما تبدو إدارة الرئيس ترامب حذرة جداً وهي تدعو السلطات العراقية لضبط النفس وعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين.

منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، بات زعماء الشرق الأوسط: حلفاء وخصوم، يدركون أن العم سام يرسم أجندته في المنطقة بناء على قاعدتي “أمريكا أولاً” و”ادفع لي مقابل حمايتي لك” التي خاطب بها ترامب الملك سلمان عندما كانت المملكة أحوج ما يكون للدعم الأمريكي في مواجهة الضغط الإيراني.

وها هي السعودية بقيادة ولي عهدا الشاب الأمير محمد بن سلمان وبعد أن كانت بالأمس القريب مع إسرائيل نتنياهو، تشكلان رأس حربة الجبهة المناهضة لإيران..ها هي اليوم تتوارى ولا يكاد يُسمع لها صوت إزاء ما يجري في العراق. فهل هي تحجم اليوم عن القيام بدور وكيل واشنطن في الأزمة العراقية، أم أن سعيها لإبرام تسوية مع إيران في الملف اليمني، يفرض عليها أن تنتهج سياسة النعامة التي تدفن رأسها في رمال الخليج المتحركة؟

أوروبا المرتعشة

ولا تبدو ردود فعل العواصم الأوروبية إزاء أحداث العراق، مختلفة كثيراً، فهي بدورها تتسم بكثير من الحذر ولا يكاد يُسمع منها صوت ذلك الضمير الإنساني المدوي بقيم حقوق الإنسان. ويمكن أن يُفسر “الحياد السلبي” الأوروبي إزاء أحداث العراق بالخصوص، بهاجس الخوف من خسارة استراتيجية جديدة في المنطقة. ذلك أن الأزمة التي نشبت بين واشنطن وطهران حول الاتفاق النووي، وضعت برلين وباريس وأيضاً لندن، في وضع يشبه من يجلس بين كرسيين، كما يقول المثل الألماني، فلا هو يسند الموقف الأمريكي ولا هو يمسك بملف العلاقة مع إيران.

يواصل المحتجون في الجزائر مظاهراتهم رغم التضييق

ومن يتابع الحذر الشديد الذي تتسم به مواقف دول الاتحاد الأوروبي من الأحداث الجارية في الجزائر منذ أكثر من ثمانية أشهر، سيجد دلائل أخرى على مخاوف تنتاب الأوروبيين، من التداعيات المحتملة للأزمة في هذا البلد المغاربي.

الجزائر الشريك الغني بالنفط والمستورد الكبير للأسلحة الأوروبية، يشكل بمثابة برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي وقت، في حال تطورت المواجهة بين المؤسسة العسكرية والحراك الشعبي المطالب بتغييرات جذرية للنظام السياسي. وانفجار الوضع بالجارة الجزائر، يعني بالنسبة للأوروبيين أزمة هجرة ولاجئين جديدة لن تكون أقل وطأة مما حدث جراء الأزمتين السورية والليبية. كما يعني انفجار الوضع بهذا البلد تهديدا لمصالح اقتصادية واستراتيجية حساسة بالنسبة لأوروبا التي تحيطها الأزمات والمتاعب من داخل كيانها ومن شرقها إلى جنوبها.

ويعتقد بعض المحللين بأن العواصم الأوروبية وخصوصا باريس، المستعمر السابق، لا يمكنها أن تصم آذانها عن أصوات المحتجين المطالبين بالديمقراطية ومحاسبة الفاسدين في الجزائر، كما أنها لا يمكنها أن تغمض أعينها عن آفاق ديمقراطية واعدة لمطالب المحتجين ضد الفساد والطائفية في لبنان والعراق، لكن ما حدث في مصر واليمن وسوريا وليبيا، يجعلها تأنى عن تكرار السيناريوهات الكارثية التي آلت إليها موجة ثورات الربيع العربي الأولى، ما عدا تونس التي تشكل استثناء في المنطقة.

ولذلك فان العواصم الأوروبية تحاول، إزاء الجزائر مثلا، الإمساك بالعصا من وسطها، فلا هي تقف صراحة مع المحتجين ضد نظام سياسي يفقد صلاحيته، ولا هي تجازف بتأييد قيادة الجيش التي تريد إحباط الاحتجاجات. وهو ما يقود إلى الاستنتاج بوجود اتفاق ضمني بين بعض الدوائر الأوروبية المؤثرة (في الجزائر) والنخبة الحاكمة بالجزائر على عدم تجاوز هذه الأخيرة لخط أحمر يتمثل في عدم استخدام القوة المفرطة في مواجهة الاحتجاجات. وفي غضون ذلك تراهن المؤسسة العسكرية على عامل الزمن لتثبيط عزائم المحتجين، بينما يراقب الأوروبيون الأوضاع المضطربة في الجار الغني بعين حريصة على عدم سقوطه كي لا تحدث الكارثة التي ترتعش منها فرائسهم!

منصف السليمي خبير الشؤون المغاربية بمؤسسة DW

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°