أحدث الأخبار

عملية تل أبيب: خيبة أمل وتكتيكات بائسة/ ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

“إنه لأمر مدهش كيف لا تستخلص حكومة إسرائيل الدرس وتتجاهل ما كان ينبغي أن يكون واضحاً منذ زمن طويل. فما لم يوجد أفق أمل للشعب الفلسطيني سيستمر الإرهاب، وليس باستطاعة أي خطوات عسكرية إنهاؤه، ولن تستطيع أي تصريحات متبجحة وضع حد له. إن السبيل الوحيد لمواجهة الارهاب هو من خلال تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال. وحتى حدوث ذلك سيواصل هذا الشعب مقاومته بالقوة لهذا الاحتلال مثل أغلبية الشعوب في التاريخ”.

خلاصة منطقية وعقلانية، هذا ما ذهبت إليه صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في افتتاحية لها عقب عملية تل أبيب، استخلاص عقلاني من استخلاصات غير عقلانية باتت تشوب مواقف حكومة الائتلاف اليميني المتطرف في إسرائيل، كما لمواقف فلسطينية وعربية تستوي في لا عقلانيتها مع لا عقلانية التطرف القومي والديني الإسرائيلي، جميعها تصب في بركة آسنة من تمجيد صراع يجري “تأبيده” على أسس دينية، يستهدف المضي قدما في تخليق المزيد من سرديات القتل والكراهية وتمجيد الاحتلال لدى قطعان المستوطنين في الجانب الإسرائيلي، وتمجيد المقاومة والمفاوضات والنضال السلمي والمقاومة الشعبية، إلخ من توصيفات الحال الفلسطيني، ولو من دون رصيد في الجانب الفلسطيني الذي بات أكثر انقساما بذاته وعلى ذاته، وغير الموحد في الموقف من الاحتلال وقضايا الصراع كلها، ما يجعل من موازين القوى أكثر اختلالا، ومن الموقف الفلسطيني المفترض أن يكون موحدا؛ أكثر تباعدا بين أطرافه الفصائلية والفئوية، كما السياسية والجغرافية. وتلك نقطة لا تحسب للفلسطينيين، وإنما تضاف إلى رصيد الجانب الاحتلالي الإسرائيلي من دون شك.

في المحصلة ووفق تحليلات الجانب الإسرائيلي، فقد كشفت عملية تل أبيب المسلحة، عن خيبة أمل لدى الإسرائيليين، من أن الحكومة الحالية وعلى الرغم من أنها يمينية خالصة، إلا أنها عاجزة عن التعامل مع العمليات الفلسطينية المسلحة، حتى بعد استبدال موشيه يعلون بالوزير المتطرف أفيغدور ليبرمان. حتى أن وزير الجيش الإسرائيلي الأسبق عمير بيريتس، حمّل مسؤولية عملية تل أبيب لرئيس وزرائه بنيامين نتانياهو، منتقدا قيادته لإسرائيل، معتبراً أنه بعد عشر سنوات من حكم نتانياهو، انتقلت عمليات الفلسطينيين الى قلب تل أبيب.

وقد أقر العديد من المعلقين في الصحافة الإسرائيلية بأن عملية تل أبيب، تشكل امتحاناً لسياسة وزير الأمن الجديد أفيغدور ليبرمان، بعدما اعتاد، حتى عندما كان وزيراً في الحكومة السابقة، على إطلاق تصريحات وتحذيرات، كان يدرك أنها لن تترجم ما دام بعيداً عن دائرة القرار الفعلي. ويرى عمير رابابورت أن الامتحان سيكون أيضاً لرئيس الشاباك الجديد، نداف أرجمان، لكنه يشير إلى أن الخطوات المقبلة، والتوصيات التي ستصدر عن المشاورات الأمنية، لن تأتي عملياً بأي جديد، ولن تفضي إلى تحول كبير في السياسة الإسرائيلية، لأن كل ما يعلن عنه من خطوات عقابية أو إجراءات متشددة جديدة لن تختلف عن سابقاتها، لا سيما أنه تمت تجربتها في السابق.

وبحسب موقع (والا) الإخباري العبري، فإن القرارات التي اتخذتها الحكومة في أعقاب العملية كانت تكتيكية، يتم اتخاذها في أعقاب أي هجوم من قبل أي حكومة كانت، على الرغم من أن الهجوم كان مغايرا للهجمات السابقة منذ تشرين أول الماضي/أوكتوبر من العام الماضي. وبالتالي فالحكومة الحالية ستكون كما الحكومات الأخرى “عاجزة” وفي “حيرة من أمرها” حين تتعلق القضية بالصراع مع الفلسطينيين، حتى إن انضمام ليبرمان إليها لم يغير من المعادلة على الرغم من تهديداته السابقة قبل أن يصبح وزيرا للجيش، وما أن تولى هذا المنصب حتى أصبح في تصريحاته أكثر اتزانا ومهنية.

وتزعم صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن منفذي العملية استلهما عمليتهما من الفيلم السينمائي الفلسطيني “الجنة الآن” لمخرجه هاني أبو أسعد. وهو فيلم تم إنتاجه في

2005 وكان مرشحا للفوز بجائزة الأوسكار، يروي قصة شابين فلسطينيين يصلان تل أبيب لتنفيذ عملية استشهادية، وكل منهما يرتدي بدلة أنيقة. بالمقابل توضح الصحيفة أن منفذي عملية صعبة، وردت أيضا في أفلام المخرج كفنتين تارنتينو كفيلم “أدب رخيص”.

في هذا السياق شدد آفي بن آري الذي قتل ابنه في عملية تل أبيب على أنه يريد حلا للصراع لا انتقاما، موضحا أن وجعه لا يوصف، وأن حياته لن تكون كما كانت بعد اليوم. وفي تعليق له على العملية نشرته الصحف الإسرائيلية “وصل رئيس الحكومة وبعض الوزراء مسرح العملية وما لبثوا أن شاركوا بالاجتماع الطارئ للمجلس الوزاري المصغر، ومن المتوقع أن يتخذوا قرارا ببناء الجدران ويهدموا المنازل ويشددوا القبضة على السكان (الفلسطينيين)، وهذا يتسبب بالكراهية واليأس. نحن انتخبناكم كي تقوموا بكسر دائرة العنف والدم”. كما لم يتردد الأب الثاكل لابنه الضابط في أعلى وحدة خاصة (وحدة هيئة الأركان العامة)، أن يوجه انتقادات سياسية للحكومة: “منذ 49 عاما وأنتم تحاولون حل الصراع بطرق تكتيكية من دون جدوى. على قادتنا العمل برؤية استراتيجية بدلا من إطلاق شعارات واستخدام كلمات تم غسلها وتبييضها”.

هذه المرة بدا واضحا أن التعليقات الإسرائيلية مختلفة حقا عن ردود فعل المرات السابقة، هناك خيبة أمل وتوقعات بألا يكون هناك ما يمكن أن يردع المقاومين عن القيام بعمليات نوعية تختلف أساليبها كل مرة، فتحت عنوان “امتحان الجرح” كتب أليكس فيشمان أنه “في الوقت الحالي، وفي الامتحان الاول لحكومة نتنياهو ـ ليبرمان أمام إرهاب حقيقي، لا توجد فكرة جديدة لم تأت بها حكومات سابقة. والامر يبرز بشكل اكبر في ضوء اللهجة الكلامية المعروفة لنتنياهو وليبرمان في احداث مشابهة في الماضي. الواقع أقوى من وجع البطن. وفي نهاية المطاف يتماشى الجميع مع الواقع الذي هو مجموعة من الضغوط والمصالح والثمن مقابل الفائدة. البراغماتية هي اسم اللعبة، وهذا جيد. وعندها سنبقى في اطار توصيات جهاز الامن للمستوى السياسي بعمل فصل كامل بين السكان وبين منفذي العملية”.

“في الرواية الفلسطينية لم تكن هذه عملية افراد، بل عملية لمنظمة تمت بشكل متعمد في مركز تل ابيب، أما الرد الاسرائيلي، كما يفهمون، سيكون نحو الشارع الفلسطيني. والامر الذي فعله الاسرائيليون في السابق سيفعلونه الآن. ولن يتغير أي شيء”.

اللعبة هي ذاتها لدى الإسرائيليين، ففي غياب المواقف الإستراتيجية، ستبقى تكتيكات الاحتلال هي ذاتها، مد وجزر في أساليب القمع والإرهاب، في محاولة يائسة لوضع حد لعمليات مقاومة لم تعد موجهة أو منظمة، بل هي في سبيلها لنشر وإفشاء نماذج كفاحية متنوعة ومتعددة لدى الشباب الفلسطيني اليائس منه والمتفائل والأكثر تفاؤلا، في إنجاح مهمة تحريك نبض الشارع، وإخراجه من حالات الشلل والجمود والعجز عن ابتداع أساليب كفاحية أكثر تنظيما ودأبا على الكفاح المنظم ضد الاحتلال، لتقديمها نماذج خلاقة لمن باتوا يسكنون أبراجا عاجية من فصائلية مقيتة وفئوية أكثر مقتا، وهي تنحاز لسلطوية التوظيف الاستعمالي لأهداف أمنية، على حساب الاستخدام الوظيفي لأساليب الكفاح الوطني ذات السمات التحررية.

وبهذا أيضا تكون اللعبة هي ذاتها لدى الفلسطينيين، وهم يغيّبون عمدا استراتيجيتهم الكفاحية، مبقين على تكتيكات متقلبة ومتبدلة، لم تجد نفعا منذ سلوك دروب المفاوضات والمساومات التي لم ترض أحدا، وما زال المطلوب من الحركة الوطنية الفلسطينية أن تتخلى عن ذاتها بالكامل، من أجل أقل القليل من الأرض الفلسطينية التي لا يريد الاحتلال الرحيل عنها، بل يريد أن يشاركنا بها احتلالا سافرا ومقنعا، من دون التوصل إلى دولة فلسطينية مستقلة حقا.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°