أحدث الأخبار

لعنة الفساد / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

لا يكاد يمضي يوم حتى تتفتق ذهنية المسؤول العربي عن طريقة عبقرية ومستحدثة من أجل جمع المال بطريقة غير شرعية حتى يتخم من كثرة الأرصدة البنكية، ما جعل المواطن العربي يخرج مرارا وتكرارا في مظاهرات صاخبة رفضا لهذا التمادي في سلب حقوقه المشروعة في الحياة الكريمة من مأكل ومشرب ومسكن ووظيفة يقتات منها.

خرج المواطن في العراق ولبنان وومصر والسودان والجزائر وغيرها من دولنا العزيزة تعبيرا عن عجز الحكومات في مكافحة الفساد أو ربما مشاركتها فيه بشكل مباشر أو غير مباشر، خرج وهو يحمل همومه وأحزانه ساخطا ناقما على كل ما يمثل الدولة من رموز وشخوص في وسيلة قد تجلب معها الموت أو الإصابة البليغة.

لقد بلغ الفساد حدا لا يمكن السكوت عنه عندما انتفخت جيوب البعض في حين أن بقية الشعب يعيش تحت خط الفقر يعاني ضنك العيش وقهر المسؤول الذي يجلس في قصر عاجي لا يعير اهتماما لما يدور في كواليس الوطن.

إن تصنيف الدول العربية في مكافحة الفساد أصبح في قعر السلم مقارنة بالدول الأخرى، وهذا واحد من أهم المؤشرات الدولية التي فضحت كياناتنا الهشة ودولنا الشكلية واقتصادياتنا المهزوزة، كيف لا والمال العام سائب ويتحكم به نفر قليل دون حسيب أو رقيب فيعيش المواطن تحت رحمتهم وتضيع حقوقه وتغتصب أمواله ويفقد الأمل في مستقبل واعد له ولأبنائه.

إن دورة الزمان تتكرر بذات الوتيرة، مسؤول جديد فبطانة جديدة فسرقات وفساد ونهب لثروات الوطن فخروج المواطن رفضا لهذا الأمر الواقع فتصدٍّ حكومي بالسلاح لهذه المطالب الشرعية فقتلى وجرحى ثم وعود كاذبة وإصلاحات عقيمة فثورة جديدة ضد النظام ثم حكومة أخرى ويعود الأمر تماما كما كان سابقه… وهكذا دواليك حتى بتنا أضحوكة الشعوب ومثلا للفشل الحكومي والنيابي.

خرج في لبنان المسيحي والمسلم والدرزي رفضا للواقع المرير في دولتهم الآيلة للسقوط بسبب الفساد الذي نخر في جسد الدولة فأكل فيها الأخضر واليابس وسحق مقدرات شعبها وتراكمت المليارات من الديون على ميزانية الدولة والتي أرهقت كاهلها. لم يعد يجدي تلك الثورات الناعمة والكلمات المنمقة والتعبيرات الجميلة في النقد فكل ذلك يبدو أنه لم يجد أذنا صاغية ولا حتى أدنى درجة من الاهتمام من معاناة المواطن، ولذلك قرر اللبناني الخروج وقبله العراقي للشارع ليسمع من أصاب الصمم آذانهم وغلف السواد قلوبهم وعميت أبصارهم عن إدراك حقيقة الوضع المزري في بلادهم.

المواطن العربي مسحوق ومطحون لا يملك هامشا من الحرية ولا يستطيع أن يطالب بحقوقه فالمطلوب منه حسب الرأي الحكومي شد الحزام والصبر مع الأيام عل وعسى أن تمطر السماء ذهبا أو أن يطلق عليهم الآخرون رصاصة الرحمة من أجل إنهاء عذاباتهم وآلامهم.

إنها لعنة واحدة حتى لو تعددت اللغات وتنوعت الأشكال، لعنة ستصيب الفاسدين والمفسدين ولن تبقي ولن تذر منهم أحدا وسيقع في منتصف الطريق الكثير من الضحايا الأبرياء الذين هم عادة وقود الحروب وحطبها. ولقد أثبت التاريخ أن الفساد جزء من حياة الشعوب حيث يتصدى له الفقراء والمعدمين فيما تبقى الطبقة المخملية على عروشها لا يضيرها المعارك الطاحنة في الشوارع وفي الأمعاء الفارغة الخاوية إلا من الهواء.

هذا الغباء الفطري لدى هذه الطبقة الفاسدة جعلتهم لا يتعلمون من التاريخ ومسيرة الإنسانية، ولذلك فهم يكررون ما وقع فيه من سبقهم ولم يتعظوا من نهاياتهم المفزعة والمأساوية ولن يدركوا أن اللعنات ستدركهم أحياء كانوا أم أمواتا. فالشعب هو مصدر السلطات وهو الحاكم الفعلي للوطن وأما الطبقة الحاكمة فهي أجيرة لديه تستقى سلطتها منه. أما هذا الذي يحدث فهو مخالف لكل الأعراف والقوانين السماوية والوضعية وهو ما سيؤدي في النهاية إلى انقلاب الطاولة على أركان الفساد فيسحلوا في الشوارع أو يلقى بهم في السجون أو حتى الموت تحت أقدام الغاضبين.

لقد طفح الكيل ووصل السيل الزبى وبلغ الصبر مبلغه وأصبحت الأمور مسألة حياة أو موت، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا كما قال أبو القاسم الشابي، فعدونا الداخلي ومن أبناء عمومتنا أكثر دموية وحقدا علينا من أعداء الخارج، فهو يعيش على امتصاص دماء المعدمين ولا يبالي، وينهش في لحومهم أحياء ولا يعير اهتماما لآهاتهم وآلامهم… إنهم وحوش مفترسة على هيئة بشر لعنهم الله أنّا يؤفكون.

هي الأيام بيننا وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون، ونصيحتي للفاسدين أينما كان موقعهم انتظرونا فنحن قادمون ولن يمنعنا عنكم مانع ولن يردعنا رادع… فاعتبروا يا ذوي الألباب وألا لعنة الله على الظالمين.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°