أحدث الأخبار

التطرف والاعتدال في الخطاب الإسلامي(3 من 3)/ د. عدنان عويّد

+ = -

د. عدنان عويّد

بعد هذا العرض الذي يشير إلى أسباب التطرف الفكري والمادي, وإلى مظاهره وكيفية توظيف دعاته للنص الديني, نأتي الآن لنبين كيف أن الدين وعبر نصه المقدس يبين لنا بأنه دين تسامح ومحبة قائمة دعوته على اللين والحسنى والمجادلة بالتي هي أحسن.

الآيات والأحاديث التي تدعوا إلى عدم الغلو في الدين:

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109). (البقرة)

(إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا). (149) (النساء)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ). (35) (فصلت)

(وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ). (37) (الشورى)

(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). (40) (الشورى)

(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور).ِ (43) (الشورى)

﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ – الأعراف – 157.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. النساء- 171.

﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّـهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّـهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية 140].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[سورة المائدة، الآية 87].

﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ﴾[سورة يونس، الآية 59].

قول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة، الآية 185].

يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج، الآية 78].

يقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء، الآية 28].

ب – الأحاديث:

وفي السنة النبوية الشريفة نجد أبوابًا تضمّ عددًا من النصوص في مصادر الحديث تحت عنوان:

1- (الدين يسر). الإمام أحمد في مسند المكيين، حديث رقم 15593.

2- (يسّروا ولا تعسّروا) . صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، ج1، ص17.

3- ومن تلك النصوص ما ورد عن رسول الله أنه قال: «أَحَبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ». نفسه، كتاب الآداب، باب قول النبي : يسروا ولا تعسروا، ج4، ص 115.

4- وعنه أيضاً : «خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» . سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، حديث 881.

5- وعنه أنه قال لأبي موسى ومعاذ حين بعثهما إلى اليمن: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا) . فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج1، ص127.

6- وعن عائشة أنها قالت: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ). صحيح البخاري. حديث6124

7- وورد أنَّ (أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ A: دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ) . صحيح البخاري. حديث3560.

8- وقال : (لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ). صحيح البخاري. حديث6128.

9- وعنه : (إِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ مَا دَامَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا)[10]. صحيح البخاري، حديث 1865.

الإسلام دين المحبة والتسامح

إن مشكلتنا ليست مع الدين كعقدية وشريعة… أي ليست مع الكتاب المقدس في آياته البينات الواضحات في دلالاتها, والقائمة على المقاصد الخيرة للناس, أي على قيمه النبيلة. ولا مع الحديث الذي يتفق في نصه أو متنه مع مقاصد الدين الأساسية الداعية إلى المحبة والتسامح كما ورد معنا في النصوص التي جئنا عليها اعلاه, وإنما مشكلتنا مع المتنطعين من الذين اعتبروا أنفسهم حماة الدين وحصنه المنيع وفقاً لما فهموه هم من هذا الدين, وكذلك مشكلتنا مع من راح يوظف النص المقدس لإصدار أحكام لمصالحه أو مصالح أسياده في السلطة ممن يبحثون عن شرعنة ما يمارسونه من فساد في الأرض, وكذلك مع الذين فقدوا بصيرتهم في القراءة العقلانية التنويرية للنص الديني, وأخذوا يفسرونه ويؤولونه خارج الواقع التاريخي الذي يعشون فيه, أي ممن تمسك بما فسره وأوله السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى, دون مراعاة لاختلاف الزمان والمكان, الأمر الذي جعلهم يعملون على لي عنق الواقع كي ينسجم مع النص وليس العكس, وهم بذلك أساؤوا ويسيؤون للنص الديني والواقع مع.

إن من يتابع النص الديني الإسلامي في مقاصده الإنسانية يراه دينا يدعو إلى اليسر وليس إلى العسر كما تريده القوى الأصولية التكفيرية. حيث جاء في نص الآيات التالية وغيرها الكثير مما يشير إلى بساطة الدين وانفتاحه على المحبة والخير الإنساني, وتذكير الرسول أن يدعو الناس للدين بالحسنى كما هو وارد في الآيات التالية:

(فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) الغاشية 22.

و(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.). (125) النحل.

و﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

و﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

و﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]

و(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). ﴿١٤٧ الأنعام﴾

هذا وقد أشرنا أيضاً في موقع سابق إلى الكثير من الآيات البينات التي تبين أن هذا الدين ليس دين قتل وتدمير وتكفير للمختلف في الدين أو الرؤية في العقيدة والشريعة.. وهو ليس الدين الذين يقوم بعض دعاته بنسخ الآيات من عندهم كالتي تختلف مع فهمهم للدين أو لا تلتقي مع مصالهم, كما قال بعضهم بأن الآية الخامسة من سورة التوبة الدالة على مقاتلة الكفار في كل زمان ومكان قد نسخت (500) آية من السور المكية الداعية إلى التعامل بالحسنى مع الناس, وهي الآية التي جئنا إليها في موقع سابق: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (التوبة ٥﴾.

هذه الآية التي أسيئ فهمها, قد ساهم من نسخها وتبناها عن خصوصية تنزيلها, في تحويل الدين الإسلامي على يد القوى السياسية السلفية الجهادية منذ الخوارج حتى اليوم, إلى دين قتل وإرهاب, أو حوله إلى سرير بروكست, فكل من لا يتفق مع فهمهم للدين هو كافر وزنديق وملحد.

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

d.owaid333d@gmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°