أحدث الأخبار

في الأوجه الخفيّة للسلطة العميقة / ماجد الشيخ

+ = -

ماجد الشيخ

بعد سلسلة طويلة من انتفاضات الحراكات والمطالب الشعبية لثورات الربيع العربي في بلادنا العربية، بات كثيرون منا يدركون أن مناهضة السلطة الاستبدادية، وزعيمها الأوحد ونظامه أو نظامها الحاكم، ليس كافياً للعمل على إطاحتهما، بل لا بد، من أجل إنجاز مثل هذه المهمة التاريخية على درب الحرية والتغيير، من إسقاط ركائز نظام لم يعد يجدي معه، ومع سلطاته القائمة على قواعد سلطة عميقة، سوى التغيير، تغيير ما يتمظهر كما ما يتخفّى من ديكتاتوريته واستبداده، بل هذه السلطة إنما هي تدافع عن ذاتها وعن مصالحها ومواقعها ووظائفها العملية، والتي غالباً ما يتفق أركانها على الانطلاق منها لحماية النظام، وفي الوقت نفسه الاحتماء بالنظام دفاعاً عن مصالح فئاتها وشرائحها ونخبها ومواقعها العملية، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية وعسكرية، حتى ولو فقد النظام رأسه بإطاحته، أو تم التخلي عنه لسبب أو آخر، كما حصل في السودان أخيراً، وكما يحصل في الجزائر حالياً، حيث شراذم السلطة العميقة تتشبث بسلطتها، ولا يريدون مغادرتها، فسقوط الرئيس لم يعن لهم فقدان السلطة: سلطتهم الباقية كخنجر في ظهر القوى الشعبية التواقة للتغيير. نجح السودانيون جزئياً في تحقيق بعض مطالب ثورتهم، وفشلوا جزئياً، نظراً إلى موازين القوى السائدة هناك، في إقامة سلطة حكم مدني ديمقراطي، فكانت “الشراكة” بمثابة نصف انتصار لهم على النظام القديم الذي نجح في إبقاء بعض قوى السلطة العميقة، من عسكر وسياسيين وأمنيين وتجار، في مواقع هيمنتهم التي أوكلت لهم أو أوكلوها لذواتهم، من دون أن تنجح “قوى الحرية والتغيير”، على الرغم من إصرارها، في الفوز بكامل مطالبها، إذ بقي العسكر يناورون ويداورون، من أجل إفراغ المطالب الشعبية المحقّة من جوهرها الديمقراطي 

المدني، إلى أن وصلت الأمور إلى حد الاقتراب من الصدام، وانفضاض المفاوضات من دون التوصل إلى نتيجة، إلى أن تمت الموافقة على اتفاق “الشراكة والتحاصص” على مضض، وقد لا تستمر موازين القوى بين الطرفين على حالها الراهن، الأمر الذي يعني استمرار الشد والجذب بين بعض القوى داخل السلطة، إلى أن يقع محظورٌ يعيد خلط الأوراق، حيث التنافس على السلطة ومن داخلها على أشدّه، سيما وأن السلطة الحالية تعيش حالة عدم تجانس أطرافها، في ظل كمون (وخفوت) صراعات أطرافها، ترقباً للحظات ينفكّ فيها عقد الشراكة لسبب أو آخر، له علاقة بموازين القوى وبتقلبات الأمزجة السلطوية، وأطماع بعض أطرافها وطموحاتهم والمؤثرات الخارجية الضاغطة.
أما في الجزائر، وعلى الرغم من مضي أكثر من نصف عام على رحيل (أو ترحيل) الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، عن رئاسته البلاد، بعد إبداء رغبته أو رغبة قوى السلطة العميقة، في البقاء عبر الترشّح لعهدة خامسة، تستمر صراعات القوى وتنافسها على قيادة سفينة السلطة العميقة الفعلية، في وقتٍ يواصل الجزائريون للجمعة الثانية والثلاثين على التوالي، منذ بداية الحراك الشعبي، الاستمرار في الضغط من أجل انتزاع المطالب التي يتظاهرون من أجلها منذ فبراير/ شباط الماضي، وإذا كان قد سقط الرئيس من الحساب، إلا أن نظامه ورموزه من أعمدة السلطة العميقة ما زالوا يحاولون إبقاء سلطانهم وسلطاتهم، عسكراً ومدنيين وأمنيين وأوليغارشيات ونخب مافيوية، حاضرة حضور “السلطة التي لا تبلى”، في ظل أنظمة استبداد ديكتاتورية، تجدّد لذاتها ولأضرابها من عصابات النهب والفساد والإفساد.
هكذا استمرت وتستمر الحراكات الشعبية، في رفع المطالب نفسها التي أسقطت الرئيس، ولكنها لم تنجز بعد مهمة تغيير النظام، (نظام السلطة العميقة)، وضرورة رحيل بقايا رموز نظام بوتفليقة، كما في ظل رفع شعاراتٍ أخرى مناهضةٍ لأحزابٍ في السلطة، وهي تحاول الالتفاف على الحراك والمطالب الشعبية. ومن جمعةٍ إلى أخرى، يسجل تزايد أعداد المتظاهرين الذين رفعوا شعاراتٍ عديدة تنادي بدولةٍ مدنية، لا بدولةٍ يحكمها ويهندس نظامها العسكر، وسجلت شعاراتٍ تستهدف قائد أركان الجيش، والدعوة إلى بناء جمهورية جديدة على أساس الديمقراطية الحقيقية، وإعادة الكلمة للشعب، بعيداً عن التزوير والسطو على الإرادة الشعبية. كما جدّد المتظاهرون رفضهم “لجنة الوساطة والحوار”، والتعامل مع بقايا النظام من خلال التأكيد أنه “لا حوار ولا انتخابات مع العصابات”.
السلطة العميقة إذن من أشكال ممارسة سلوك سلطوي معادٍ للدستور والقوانين، إلى جانب السلوك الاستبدادي لرأس النظام، في تبادلهما أدواراً يتقاسمانها لأسباب داخلية خفية، طالما أن السلطة العميقة تبدو، في مفاصل عديدة ومناسبات متكرّرة، المعادل الموضوعي، في تماهيها الذاتي مع السلطة القمعية في أبرز تجليات دفاعها عن النظام فرداً ونخباً ومافياتٍ ومصالح زبائنية، تتشارك في الهيمنة على السياسة والاقتصاد والتجارة والأمن، وذلك كله بعيداً عن موضوعة قيادة البلاد، تلك المهمة المنوطة بالدولة، لا بالسلطة أو السلطات، على تعدّد أنماطها وأشباهها، تلك المعادية للدولة أصلاً وفصلاً.
أخيراً، أمكن القول، في شأن سلطة النظام الحاكم ومعادلها من سلطات عميقة، إن النظام في مصر المحروسة، وعلى الرغم من تعاقب خمسة رؤساء على حكم الشعب المصري ما بعد الانقلاب على الحكم الملكي عام 1952، ما زال النظام هو ذاته: نظام عسكري يبدّل جنرالاته من حين إلى آخر، مروراً بنظام حكم مدني منتخب لم يدم أكثر من عام، وما كان مهيأ له أن يستمر، نظراً لعوامل عدة، أبرزها ضعف نظام الإخوان المسلمين وإخفاقهم في قيادة مؤسسات دولةٍ افتقدت، في عدد من عهودها، تقاليد وسياسات وبرامج سياسية واقتصادية واجتماعية، عبث بها العسكر وتبعيتهم لسياسات خارجية، أثّرت، أيما تأثير، مع استمرار تأثيرهم وتشبثهم بسلطتهم العميقة كما الفعلية، إلى أن استطاعوا الانقلاب عليه، ليستمرّوا في مداولة الحكم والسلطة بعيداً عن قيادة الدولة، ورقابة ما يفترض أنها المؤسسات المناط بها تلك المهمة في مختلف الدول المدنية، لكن حكم العسكر وسلطته العميقة سيبقى العائق وحجر العثرة الكؤود أمام قيام الدولة المدنية الشعبية أو الديمقراطية، في بلادنا العربية، كما في كل بلدان العالم.
في هذا السياق، تعرج المقالة هنا على اثنين من نماذج السلطة العميقة، وهي تمارس موبقاتها بإشراف النظام أو خارج سلطته.. نشرت “العربي الجديد”، في 14 سبتمبر/ أيلول الجاري، نصّ تحقيقاتٍ قالت إنها حصلت عليها من ضمن نصوص تحقيقات جهاز الكسب غير المشروع مع قاضٍ كبير، والتي كشفت عن حصيلة فساد وتربح تمثلت في قصر في الساحل الشمالي على البحر المتوسط شمال مصر، وفيلا في مدينة الشروق (شرق العاصمة القاهرة)، وتسع قطع أراضٍ في مناطق مختلفة وخمس وحدات سكنية في مدينة نصر ومصر الجديدة، وخمس شركات تعمل في مجال السياحة وقطع غيار السيارات والمعادن والكيماويات، ونحو 25 مليون جنيه (1.51 مليون دولار)، وسيارة فارهة.
النموذج الآخر لسلطة النظام العميقة هو شكل الممارسة والسلوك السلطويين لزعامة السلطة، حين لا تجد ما ومن يردعها عن ارتكاب كبائر موصوفة، طالما أن خزائن مالية الدولة مشرعة أمام سرّاق المال العام من زعامات ووجهاء ورئاسات ووزراء ونواب وأمنيين وعسكر حرامية، ومن لفّ لفهم من عصابات وشلل ومافيات تلعب أدواراً وظيفية وزبائنية لدى أهل السلطة وأبناء أهل السلطة العليا كما الدنيا، والكل في النهب والفساد والإفساد سواء. وإلى جانب ما كشفه الفنان والمقاول المنشق، محمد علي، عن إنفاق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مليارات الدولارات على قصور الأبهة التي لا يمكنها أن تعوض نقص الكاريزما السياسية، ولا حتى النفسية، فقد تجاوزت “ديون السيسي” التي رتبها على مصر وشعبها، قروض خمسة  رؤساء في ستين عاماً، إذ أفاد البنك المركزي المصري بأن إجمالي الدين العام المحلي وصل إلى نحو 4.204 تريليونات جنيه (256.2 مليار دولار) في مارس/ آذار الماضي، مقابل 3.538 تريليونات جنيه (215 مليار دولار) في الشهر نفسه من 2018. ووفق رصد لـ “العربي الجديد”، قفز الدين المحلي، منذ وصول السيسي إلى الحكم قبل نحو خمس سنوات، بنسبة 147%، إذ استدان من البنوك المحلية أكثر من ضعف ما استدانه خمسة رؤساء سابقين تعاقبوا على حكم مصر منذ أكثر من ستين عاماً. وكان الدين المحلي 1.7 تريليون جنيه منتصف 2014. ويأتي الكشف عن الدين الداخلي، بعد أقل من أسبوعين على إفصاح البنك المركزي عن حجم الدين الخارجي، الذي قفز هو الآخر إلى 106.2 مليارات دولار في نهاية مارس/ آذار 2019، مقابل 88.16 مليار دولار في الفترة نفسها من 2018.
أخيراً، يمكن ملاحظة أن أخطر أنواع السلطة العميقة هي التي تتخفّى وراء قناع الجنرالات وأدوارهم في ممارسة السلطة، وسيطرتهم على الاقتصاد الوطني والهيمنة على خزينة الدولة، وتوزيع مغانمها وأسلابها على شرائح معينة ونخبٍ آلت على نفسها أن تبقى تناور وتداور للاحتفاظ بسلطتها القهرية العميقة، كما القمعية المباشرة، في غياب أي سلطة رقابةٍ أو تشريع أو قضاء نزيه وعادل، وفي غياب أي سلطة أهلية أو شعبية، يجرى إعدام رموزها أو اعتقالهم أو قتلهم الواحد بعد الآخر، أو كلما برزت عناصر لا يمكنها التعايش مع إجرام السلطات العميقة والمباشرة، وقواعد اجتماعية رثّة يعتمد وجودها على تواطؤاتها وارتباطاتها وتبعيتها لتلك السلطات. وهنا كانت وتكون الغلبة دائماً لنظام القهر العسكري حتى قيام الساعة: ساعة الثورة والتغيير والانتصار للدولة المدنية، دولة الشعب التي سلبها النظام وسلطاته المختلفة، كينونتها وضرورة وجودها مستقلة وحرّة حقاً.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°