أحدث الأخبار

الأونروا في مرمى النيران: محاولات لقتل الشاهد الحي على نكبة الشعب الفلسطيني

+ = -

عبد الحميد صيام

نيويورك-“القدس العربي”:  تتعرض وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى “أونروا” هذه الأيام إلى حملة شعواء تحاول النيل، ليس فقط من الأشخاص المدرجين على قائمة التحقيق، بل من الوكالة نفسها. وهو أمر يثير الشك في هذا التوقيت بالذات بعد أن تعرضت لأكبر أزمة مالية في تاريخها عندما قررت إدارة ترامب بوقف كافة المساعدات التي تصل إلى 300 مليون دولار. لقد توقع أعداء الشعب الفلسطيني أن الوكالة ستتهاوى أمام هذه الضربة الموجعة، لكن المفوض العام للوكالة، بيير كرينبول، شمر عن ساعديه وشحذ همم موظفيه وأطلق حملة شعبية لجمع التبرعات تحت عنوان “الكرامة لا تقدر بثمن” واتخذ عددا من الإجراءات التقشفية التي لا تطال اللاجئ في رزقه ومدرسته وعيادته، وعقد عدة مؤتمرات لجمع التبرعات في نيويورك وعمان وروما وبروكسل، وطاف الشرق والغرب من طوكيو إلى نيويورك ومن روما إلى أبو ظبي ومن الدوحة إلى الرياض ومن عمان إلى زوريخ حتى استطاع أن يتجاوز الأزمة بأقل الخسائر وبدون أن يزيد من معاناة الناطرين العودة إلى وطنهم الذي اقتلعوا منه بغير وجه حق.

التعاطف مع الوكالة إزداد والدعم العربي لها تحول إلى قرار جامعة عربية لتقديم المزيد لسد العجز، والنتيجة أن جهود تفكيك الأونروا وحلها وإلغاء حق العودة التي أطلقتها إدارة ترامب فشلت، فلم يبق إذن إلا ضربها من الداخل وتلفيق تهم الفساد لمن على رأس الوكالة، ولقد تم استهداف المفوض العام كرينبول من أجل خلخلة الثقة بالمنظمة ودورها وخدماتها ورمزية وجودها.

فما إن تسربت أخبار التحقيق في الفساد، وقبل صدور نتائج التحقيق انبرت نيكي هيلي، سفيرة أمريكا السابقة في الأمم المتحدة، وجيسون غرينبلات، مبعوث ترامب لعملية السلام (أو صفقة القرن) في الشرق الأوسط وداني دانون، سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، للتشكيك في الوكالة نفسها والمطالبة بتفكيكها وتبرير وقف المساعدات عنها وهو ما يؤكد أن هناك لعبة ما تم حبكها بدقة من داخل الوكالة بتعاون مشبوه مع بعض الموظفين.  وقد لحقت سويسرا وهولندا وبلجيكا بالركب فقررت وقف المساعدات عن الأونروا، لكن الدول هذه تعرضت للانتقاد الشديد من قبل منظمات أوروبية إنسانية. والغريب في الأمر أن التهم الموجهة لأشخاص، تجاوزتهم ليوجه النقد اللاذع للوكالة نفسها، أي بدل طرد السائق المشاغب واستبداله، إن ثبتت التهم ضده، هناك محاولة للإطاحة بالعربة نفسها. فهل هذا منطق؟

ودعونا نراجع دور الوكالة ونشأتها والتهم التي تعرضت لها وخاصة بعد الانتفاضة الأولى حيث ساهمت الوكالة في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وعدم رضوخه للإملاءات الإسرائيلية والأمريكية. واستهداف الوكالة الآن هو جزء من استهداف الشعب الفلسطيني. والدعوة لتفكيك الوكالة هي جزء من الدعوة لاستسلام الشعب الفلسطيني كما صرح بذلك دانون علنا في مقال في “نيويورك تايمز” بعنوان “ما الخطأ في أن يستسلم الفلسطينيون؟” ونشر يوم 24 حزيران/يونيو 2019.

إنشاء الأونروا

أنشئت وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بموجب القرار 302 الذي اعتمدته الجمعية العامة بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1949 لإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم بناء على قرار الجمعية العامة 194 (1948) المعروف بقرار حق العودة. وقد انشئت الوكالة قبل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التي أسست عام 1950 لإعادة ملايين اللاجئين الأوروبيين إلى ديارهم الأصلية بعد الحرب العالمية الثانية.

أما الدول التي كانت وراء انشاء الأونروا فهي الدول التي أنشأت الكيان، بهدف امتصاص نقمة العرب والفلسطينيين، بحجة أنه إجراء مؤقت لغاية العودة. ومن بين النوايا المبيتة التي رسمت للشعب الفلسطيني أن ميزانية الأونروا تعتمد على التبرعات فقط، بعكس المفوضية العليا للاجئين التي تعتمد على ميزانية المحاصصة الجبرية، بالإضافة إلى التبرعات الطارئة. وعندما تكون الميزانية غير مستقرة ومتقلبة فمن الصعب بناء البرامج طويلة الأمد، فتلجأ الوكالة كثيرا إلى تقليص الخدمات أو إلغاء العديد من البرامج، وهو ما يسبب اضرابات متواصلة في مخيمات اللجوء الستة والخمسين في المناطق المضيفة الأساسية وهي فلسطين المحتلة (الضفة وغزة) وسوريا ولبنان والأردن.
ظلت الأونروا تجسد هذا الإقرار الدولي بانتماء اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم فلسطين، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن تتم تسوية الصراع والتوصل إلى حل عادل ودائم وآمن وشامل، يتضمن حقهم في العودة أو التعويض لمن يختار طواعية عدم العودة، كما ينص على ذلك البند رقم 11 من قرار حق العودة رقم 194. فأهمية الأونروا تتجاوز موضوع الإغاثة والتشغيل لتكون الشاهد الحي على نكبة الشعب الفلسطيني والاعتراف الدولي بتلك المأساة والإجراء الضروري والمؤقت لغاية عودة اللاجئين إلى ديارهم.

والأونروا أساسا جهاز عملياتي غير سياسي، هدفها رعاية اللاجئين الفلسطينيين في المجالات الإنسانية، خاصة في مجالي الإغاثة والتشغيل، كما هو واضح من اسمها. الإغاثة تتجسد في تقديم مساعدات فورية عاجلة للمنكوبين المقتلعين من ديارهم، بتأمين المسكن أولا ثم الغذاء فالدواء. أما عن التشغيل فركزت الوكالة جهودها على التعليم الأساسي من الصف الأول وحتى التاسع، كما أنشأت عددا من معاهد التدريب لتعليم المهن الحرفية وتأهيل المعلمين، أي أن الوكالة أنشئت كإجراء مؤقت لتشغيل وتأهيل اللاجئين، كي يكسبوا أرزاقهم بمؤهلاتهم، ويخرجوا من دائرة العوز إلى دائرة الاكتفاء الذاتي، بانتظار عودتهم إلى وطنهم، كما نص على ذلك القرار المذكور. لقد منحت الوكالة كل فلسطيني لاجئ بطاقة تعريف إقرارا بأن حامل البطاقة هو من الذين اقتلعوا من ديارهم في فلسطين التاريخية، ثم تحولت مع الزمن إلى شهادة إقرار بحق العودة ليس للاجئ فحسب، بل لأبنائه وأحفاده وذريتهم إلى أن يتم تحقيقه. وفي الوقت نفسه تم التأكيد عليه في اللجنة الرابعة (السياسة الخاصة) والجمعية العامة أكثر من 24 مرة، وهو حق لا يموت بالتقادم، لأنه حق خاص يشمل الأفراد، وحق عام يشمل الوطن والشعب والموارد، كاستخدام الأراضي العامة والمياه والبحيرات والشواطئ والثروات الطبيعية. فقد يجادل أحد أن القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني وضمن مفاوضات متكافئة، قد تتنازل عن بعض الحق العام مقابل تنازلات من الطرف الآخر، لكن لا يحق لأي فرد أو قائد أو قيادة شرعية أو غير شرعية، أو برلمان، أو حزب سياسي، أن يتنازل عن الحق الخاص للأفراد حاضرين أو غائبين أمواتا أو أحياء ومهما تقادم على تلك الحقوق الزمن.

محاولات التشكيك

تعاملت إسرائيل مع الوكالة في البداية على أنها تقدم خدمات للاجئين الذين أخرجوا من ديارهم، ولو لم تكن موجودة لتحملت إسرائيل المسؤولية الأخلاقية والمادية عن مأساتهم. ومن جهة أخرى ظلت إسرائيل تعتقد أن الوكالة ستساهم في مسألة التوطين، وبالتالي يختفي مصدر قلقها الدائم. كما أن تأهيل الفلسطينيين وسعيهم للعمل بعيدا عن دول الطوق لبناء حياة جديدة مستقرة، يساهم أيضا في تخفيف الضغط وتأجيل تمرد اللاجئين على ظروفهم المعاشية في حالة انسداد أفق الأمل.
إلا أن السياسة الإسرائيلية بدأت تتغير مع الانتفاضة الأولى، وقيام الأونروا بدور أكبر من السابق من نوع عمليات الإيواء والتشغيل وتقديم القروض الصغيرة والتعويضات لأصحاب البيوت المهدومة، خاصة في قطاع غزة. ومن الطبيعي أن يكون هناك تعاطف بين موظفي الأونروا المحليين والدوليين مع مأساة أبناء المخيمات، بسبب ممارسات الاحتلال. وقد شوهد بيتر هانسن، المفوض العام للأونروا، يبكي عندما زار بيت الشهيد الطفل محمد الدرة في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2000. فمورس الضغط على الأمين العام الأسبق كوفي عنان وأنهى تعاقده. ثم عينت الأمريكية كارن أبو زيد وأبدت التعاطف نفسه مع معاناة سكان قطاع غزة، وحمّلت إسرائيل مسؤولية خرق الهدنة عام 2008 التي أبرمتها مصر بين المقاومة وإسرائيل. ثم تم تعيين فيليب غراندي والآن بيير كرينبول، وكلهم متعاطفون مع مأساة اللاجئين.

 بعد الانسحاب من غزة عام 2005 وضعت إسرائيل نصب عينيها إسقاط الأونروا عن طريق تلفيق التهم بنقل الصواريخ في سياراتها، ومراقبة كل شخص أو متعاون أو سائق أو معلم يعمل مع الوكالة، وتطلب طرد من يبدي أي تعاطف مع الشعب الفلسطيني. كما قامت بمهاجمة مدارس الأونروا في الحربين المدمرتين 2008/2009 “الرصاص المصبوب” و2014 “الجرف الصامد”. وقد أدانت الأمم المتحدة هذه الهجمات، التي قتل بسببها عشرات المدنيين، كما قتل 13 موظفا للأونروا في صيف 2014. وقد قامت الأمم المتحدة بالتحقيق في تلك الهجمات وطالبت إسرائيل بدفع تعويضات.
من جهة أخرى اعترفت الوكالة وأدانت استخدام الميليشيات المسلحة لمرافق الوكالة لأغراض عسكرية أو حربية، كان آخرها اكتشاف نفق مهجور تحت إحدى المدارس في العاشر من حزيران/يونيو 2017. وهي الحادثة التي استغلها نتنياهو للدعوة لحل الوكالة.

وقد كتبت حينها في هذه الصيحفة ما يلي: “أود هنا أن أقرع جرس الإنذار للتنبيه المبكر لخطط إسرائيل الجهنمية في إلغاء الشاهد الدولي الحيّ على مأساة اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه وأرضه ومدنه وقراه بغير حق. وعادة عندما تضع إسرائيل هدفا نصب عينيها لا يهدأ لها بال إلا بتحقيقه، بدعم من الدولة الأعظم. ويبدو أن تدمير الأونروا هو أحد هذه الأهداف حاليا”.

هذه المرة تبدو المؤامرة مختلفة وخطيرة. فقد تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من تجنيد بعض العملاء من داخل الوكالة لجمع بعض المخالفات الصغيرة، على فرض أنها صحيحة وهو أمر مستبعد، والتي لو ارتكبت في منظمة أخرى لما ألقى أحد لها بالا. أما عندما يتعلق الأمر بالأونروا فموجة الانتقادات تجاوزت أخطاء البشر، على فرض أنها صحيحة، لتركز على المنظمة نفسها.

ستبقى إسرائيل تحاول أن تقنع المجتمع الدولي بحل الوكالة، لكن لا نتوقع أن يشتري أحد هذه البضاعة الكاسدة إلا مجموعة صغيرة من الدول الخاضعة للابتزاز الأمريكي والخوف أن ينضم إليها الآن عدد من دول تنطق بالعربية. لكن ثقتنا عميقة في دول أمريكا اللاتينية والافريقية وبعض الدول الأوروبية والآسيوية ودول منظمة التعاون الإسلامي، وما تبقى من دول عربية حقيقة لا مجازا، في الحفاظ على مؤسسة مهمة تعتبر شاهدا حيا على جريمة العصر.

القدس العربي

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°