أحدث الأخبار

معركة الأيديولوجيا / د. سامي محمد الأخرس

+ = -


د. سامي محمد الأخرس


يقول نيتشه“ إن المبدع يطلب رفاقًه بين من يعرفون أن يشحذوا مناجلهم، وسوف يدعوهم الناس هدامين ومستهزئين بالخير والشر، غير أنهم يكونون هم الحاصدين والمحتفلين بالعيد“ هذه الاستهلاله التي دائمًا نقرأ عنها في تاريخنا الذي استرشدنا به في الماضي القريب، الذي لا زلنا ناظرينه في سير من سبقونا في معترك الثورة، وشكّل انطلاقة فعليه عندما أدرك بعض الشباب الفكرة، وانطلقوا للبحث عن الرفاق المبدعين لتشكيل وبلورة كيان حي يعيد للأمة مهابها الذي أهدرته الحراب غير المؤطرة في معركة عشوائية غير منظمة لتضع حد للتاريخ وتحرف مداميك الانتصار الذي كان يمكن له أن يرسم الخريطة الحقيقية للجغرافيا السياسية والإنسانية، فكان الراحل جورج حبش يبحث في مدرجات الجامعة الأمريكية وغيرها عن الإبداع لنقش الفكرة الأيديولوجية التي من خلالها يمكن له أن يهتدي لسبيل البندقية المؤدلجة ويخوض فيها غمار معركتين، كل معركة بحاجة لجند مبدعة، وفيالق مدربة في مقارعة العدو الأشرس في تاريخ البشرية الذي يتميز بكولونيالته واستناده لتزيف مراسم التاريخ، ومعالم الجغرافيا، فاهتدى لرفاق مبدعين في المجالات السياسية، الأدبية، الفكرية، العسكرية، وحواس قتالية مستمدة ومستوحاه من تكوينات الحرب الأيديولوجية، فرسم غسان كنفاني معالم الطريق إلى حيفا ويافا والنقب وصفد …إلخ من خلال مبضعه الحبري (قلمه)، ويهتدي بناجي العلي الذي ترجم السحر البياني بريشته الكاريكاترية، مكملين الرواية الحربية لحرب الأيديولوجيا، في فيلق المواجهة والتصدي لتزييف الحقيقة والواقع في شقيه العام مع العدو الصهيوني وداعمته الإمبريالية الرأسماليه، وشقه المحلي المتغول والمتسلح بهجومه الشاذ، وفي الناظر الآخر يكون تعبيد الطريق بأيديولوجيا تتسلح بالرصاصة وشعارات الحرب التاريخية على أرض الميدان برًا وبحرًا وجوًا من خلال وديع حداد وكتيبته الاستشهادية التي انتفضت بفعل الأيديولوجية الهجومية للفكرة لترسم خارطة فلسطين في كل المواقع التي حلقت بها كتائب العمل الخارجي وروافدها الداخلية التي قادها القائد الفذ محمد الأسود في قطاع غزة، مع كتيبة أخرى من الرفاق الذين أبدعوا في شتى مجالات الحرب التكوينية للفكرة والرفيقات اللواتي خاضن معارك قاسية مع الأفكار المعلبة في بوتقة الإرث السحيق من قرون التحجر، لتنتصر الرفيقة المرأة في مجتمع تقليدي وتسجل اختراق انتصاري لحائط التحجر العقائدي من جهة، وجدران العادات الرثة من جهة أخرى وتثبت في مناظرات الفعل مستله إيمانها بذاتها، وربما للرفيقة الشهيدة شادية أبو غزالة دروب في معارك المجتمع من جهة والعدو من جهة أخرى لتدون في بادئة المعركة بالدم انطلاقة الإبداع التي أرادها المؤسس للفكرة الثورية.
” أن المبدع لا يتخذ له رفاقًا إلَّا من كانوا مثله مبدعين، أنه يتخذهم ممن يحفرون سننًا جديدة على ألواح جديدة“، هذه السنن الجديدة هي التي رسمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عندما قرر المؤسسون أن تكون أحد الألواح الجديدة في معركة الأيديولوجيا في واقع متقولب الفكرة، مسجون العقيدة، مكبل العادات والتقاليد، لذلك كان لها وكان لهم ما أرادوا لأنهم شرعوا دربهم بالمبدعين من رفاق مقاتلين متسلحين بمعركة الأيديولوجيا التي خاضوا بها معركتهم الرئيسية ومعاركهم الثانوية في محاور التفكير الإنساني، والإبداع المطلوب في استيعاب هذه العلاقات الفلسفية وتنظيمها في التصور الذهني للإنسان الذي يضع معركة الوعي في خنادق بالية رثة، وينطلق بفطرته التقليدية التي سقطت في ثورة 1936 ومن ثم حرب 1948 ومن ثم حرب 1967 فكان السقوط المتكامل لمعركة الجغرافيا والتاريخ معًا، إلَّا أن تمَّ إعادة صياغة مقومات الإستنهاض الأيديولوجي من فيلق المبدعين الذي شكله المؤسس جورج حبش وأعاد به صياغة التاريخ الذي تمَّ السطو عليه، وتحريف مساره في عملية تعليب الوعي الذهني للإنسان المقاتل المجرد من الأيديولوجيا الثورية التي تشكل قوة الدفع الفلسفية التي يناور من خلالها لتحقيق النهوض والنصر والتقدم بخطوات الثبات، وهو ما استدركه العدو الصهيوني والقوي الطفيلية الملتصقة به من الرجعيات المحلية والعربية التي قادت معركة التصفية لهذا الفيلق من المبدعين المتنمرين على التخلف والاحتواء، فكان لصدى الصوت والضوء فعل الزلزلة التي استقطبت كل المبدعين على البسيطة ليلتحقوا بركب الثورة الإبداعية الأيديولوجية المنطلقة من مركز الصراع، وقلب المعركة.
هذا الاتجاه النظري الأيديولوجي الثوري الذي بدأ ينقش إحداثياته على أرض المعركة من خلال التعبير عنه بلغة الواقعية الجدلية والتي بمنطقها لا مبرر لرد المعركة والعودة عن فلسفتها، ولا للفصل التام أو الجزئي بينهما، كما أنه لا مبرر لرد الوعي الأيديولوجي إلى الوعي الزائف، فكان النظر إلى الأيديولوجيا من وجهة الواقعية الجدلية يفترض أن ماهية الأيديولوجيا الثورية مغايرة لأيديولوجيا وماهية الزيف، لذلك فقد انطلقت العلاقة القتالية بينهما من واقع تفارق، والالتحام بعلاقة التشارك مع التقدمية الثورية التي ساهمت في إيقاظ الوعي العالمي نحو المعركة التاريخية في الجغرافيا الأكثر اتساعًا، من خلال فلسفة البناء الأيديولوجي واتخاذ المواقف من كلِّ اتجاهات الصراع حتى مع الصراع الفلسفي المناقض من أجل تحقيق غاياتها.
هل حققت الحرب الأيديولوجية غاياتها؟!
أثنان وخمسون عام على انطلاقة الفكرة الثورية الأيديولوجية في معركة شمولية متصلة الحلقات في صراعها، هي مسيرة المسيرة الرابضة على مواقع التقدم نحو الأمام، طرحت من خلالها العديد من الشعارات الواقعية المستوحاه من جدلية الصراع الفلسفي القائم على الوجود أو اللاوجود، حشدت من خلاله جيوش من المبدعين وفق نظرية النخب في عملية الانتقاء لجنودها على كلِّ المسارات فكانت تحلق بجناحيها كلّما سمع الكون ضجيج أحد تلك الشعارات من خلال ” الحقيقة كل الحقيقة للجماهير“ والالتفاف المبدع الذي شكله غسان كنفاني في بوتقة الهدف الناطقة باسم كل المضطهدين والمظلومين على هذه المعمورة، فاستقطب آلاف المقاتلين من أجل الحقيقة وساد الشعار الممارسات العينية في معارك الفلسفة الجدلية لمدارس الأيديولوجيا المختلفة، فسقط صاحب الشعار مدرجًا بإبداعه واستمر الشعار من جيل إلى جيل يزداد بريقًا ولمعانًا في معركته الوجودية، ومن ثم استلهم المبدع وديع حداد شعار آخر في منحى آخر وميدان آخر شعار“ وراء العدو في كل مكان“ واستطاع الشعارين أن يتطورا في زمان ومنطق خاصين بهما، مكتملان الأهداف منسجمان، وبدأ الشعار المبدع يجد ساحات ومسافات شاسعه في الوجدان العام والوعي العام في صراع الأضداد، ولا زال الشعار قائم يحاول الالتحاق به كل من انتقدوه وهاجموه، بل ومن تركوه وأصبح المبدع صاحب الشعار مطلب للوعي العام. إذن ومن خلال نموذجين فقط يمكننا الإجابة المطلقة بنسبيتها الواقعية أن الأيديولوجيا وحربها حققت اختراقات وانتصارات في المواجهة بكلِّ فروعها وتناقضاتها العامة والخاصة.
لماذا التراجع؟
الأزمة تزداد تعقيدًا كلما أسهبنا في طرح تفاصيلها وجزيئياتها لأننا نمتلك اجابتها ولكن لم نقف عليها، بل أصبحنا كمن يقف على ذنبه، ويتوقف عن التطور في عملية تجميد لفلسفة الفكر الأسطوري القديم للعصور الوسطى عندما كانت تجابه الأيديولوجيا أسطورة الفكر الديني، الذي كان باسط سيادته على الوعي، وهي المعركة التي تعيد إنتاج ذاتها، فتجد استسلام ومسايره لها وعدم القدرة على مجابهة ومواجهة صراع الأيديولوجيا الذي انتصر في حقبة المبدعين، فاختفى هؤلاء وتراجعت مواجهة الأيديولوجيا التنويرية الفكرية لتحرير الإنسان من رتابة الانحباس في مكونات الوعي، فكان لابد من التراجع لأن المبررات لم تعد قائمة على المواجهة، ولأن المبدعين المنتجين للمواجهة وشعاراتها تشرذموا في ترهلات الواقع والواقعية القائمة دون الإستعداد لخوض المعركة أو إعادة احياء المعركة من جديد لبسط الحرب الأيديولوجية في ميادينها المتنوعة وصراعها العنيف مع مكونات الزيف. إذن فالتراجع ليس وليد أزمة عقيمة معقدة بل هو وليد أزمة في تحرير المجتمعات من طغيان السلطة السياسية التقليدية للفكر والوعي.
ما الحلول؟!
بعد هذا التحليل المقتضب والاستعراض المبسط لمعالم المعركة فإن القصور في انتاج المبدعين والدفع بالنخب في واجهة المعركة هو أهم مكونات الأزمات العميقة التي أدت لاضمحلال القوة التحفيزية الدافعة لخوض المعارك التي خاضها السلف المبدع في مقارعة كل الجبهات وليثبت على أرض المعركة والواقع في حرب الأيديولوجيا ليرتد إما ضعفًا أو عجزًا أو انحيازًا لمصالح الأقوى أو تبعثر في مقومات الوعي التي نجح العدو والمرتبطين به من أحداث زلزلة فاعلة في فيالق المبدعين للإستسلام لما هو قائم.
إذن فخلاصة الأمر أن الحرب الأيديولوجية هي الحرب المفصلية في معركة الصراع العام بكل مكوناته مؤثراته، وأن هذه الحرب تحتاج جيشًا من المبدعين للوقوف على صلابة الانتصار الذي يعيد للمعركة سطوتها وللأيديولوجيا انتصارها وثباتها.


د. سامي محمد الأخرس

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخرأ
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°