أحدث الأخبار

د. اسامة عثمان : مناخ الكراهية والفلسطينيون في لبنان

+ = -

د. اسامة عثمان

لعلَّ آخِر تجليَّات الكراهية، عالمياً، ما أظهره الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب تُجاه نائباتٍ ديمقراطيات، حين طلب منهنّ، بصراحة، أن يرجعْنَ من حيث أتين، (إلى بلادهنّ)، إذا لم يكنَّ سعيداتٍ في الولايات المتحدة، وذلك على خلفيَّة الانتقادات التي يوجِّهنها له.
ولا يخفى ما لهذا الموقف المنبثق من عنصرية مستحكِمة لدى هذا الرئيس الأمريكي، المتَّسم بغير قليل من الفظاظة والاستعراضية، مِن تأثير على مجمل المناخ العالمي، بما له من مكانة بوصفه رئيسَ أكبر دولة في العالم، وبوصفها أكثرَ الدول استدعاءً للديمقراطية وحقوق الإنسان. ولسنا بحاجة إلى استذكار تصريحاته التي أثارت احتجاجاتٍ واسعة حين تجنَّب إدانةَ النازيِّين الجُدُد عقب أحداث شارلوتسفيل، شهر أغسطس/ آب 2017، وساوى بينهم وبين وخصومهم، قبل أن تجبره موجةُ الانتقادات على التراجُع اللفظي؛ بإدانة «كلّ أنواع العنصرية».
هذه الكراهية التي تُولِّد الانحيازَ المطلق في قضايا صِراعيَّة، وأقلُّ ما توصَف به أنها إشكالية، تجد انعكاساتٍ لها لدى زعماء سياسيِّين خارج الولايات المتحدة، كما لدى بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الجديد الذي قال بأنه صهيوني حتى العظم، وأنّ إسرائيل هي البلد العظيم الذي يحبّه.
الخطير في هذه الظاهرة أنها لم تعد ظاهرة فردية، إذ تتعانق مع نزعات شَعْبَويَّة يمينية، وهي كذلك تتداخل أو تندمج وتتشرعن في حُمَّى التنافسات السياسية، إذ لا نسمع من الحزب الجمهوري الذي يقف وراء ترامب موقفاً عامّاً مندِّداً بتلك الخطابات العنصرية والعدائية التي تتوالى من الرئيس الذي سيكون مرشّح الجهوريين، أيضاً، في الانتخابات المُقبلة.
تتغذّى هذه النزعات العنصرية الشُّوفينية، شعبياً، على أصداء الأزمات الاقتصادية العالمية، حيث لا تزال آثار الأزمة الاقتصادية 2008 باقية، وحيث الحرب التجارية التي يخوضها ترامب ضدّ الصين وأوروبا، وحيث يفضي اقتصادُ السوق والخصخصة وتراجُع الدور الرِّعائي للدولة إلى اضطرابات وأضرار اقتصادية، من غلاء في الأسعار وارتفاع نِسَبِ البِطالة، ينعكس ذلك مزيدًا من الانغلاق، والسياسيات الانعزالية الكارهة للأجانب والمُعتدَّة بأولويَّة المواطن الأصلي على غيره، حتى ممَّن أصبحوا مواطنين متساوي الحقوق أو ممّن أجبرتهم ظروفُ الصراعات إلى اللجوء.

تتغذّى هذه النزعات العنصرية الشُّوفينية، شعبياً، على أصداء الأزمات الاقتصادية العالمية، حيث لا تزال آثار الأزمة الاقتصادية 2008 باقية، وحيث الحرب التجارية التي يخوضها ترامب ضدّ الصين وأوروبا، وحيث يفضي اقتصادُ السوق والخصخصة وتراجُع الدور الرِّعائي للدولة إلى اضطرابات وأضرار اقتصادية

في هذا المناخ العالمي، لم يعد المنطلقون من تلك العنصرية يتردَّدون في سنِّ تشريعات تمسّ بشكلٍ خطير حياةَ الملايين من الناس العاديِّين، دون أن يكلِّفوا أنفسَهم إيجاد تدابير واقعية تخفِّف المعاناةَ التي ستنجُم عن تلك الأوضاع الجديدة الصعبة. هذه الأوضاع الصعبة التي ستنعكس، بالضرورة، على البلد الذي يجتزئ قوانينَ أُحَاديَّةَ البُعْد.
هذه الأجواء لم ينجُ منها العالمُ العربي، والمنطقة، منذ اضطرار ملايين السوريين نتيجة الحرب في سوريا، إلى اللجوء في لبنان الذي ينوء تحت إرثٍ طائفيٍّ سياسي كلَّفه صراعاتٍ مُنهِكة. واليوم، تتوسَّع تلك السياسات القاسية لتطال الفلسطينيين اللاجئين في لبنان، حيث إغلاق المنشآت والمؤسسات الفلسطينية، وطرد العمال الفلسطينيين، في إطار الخطة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية، وتقول إنها تهدف إلى مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية.
وللأسف، فإن مثل تلك السياسيات تخدم دولة الاحتلال، سواء في إضعاف الفلسطينيين، وتحديداً اللاجئين المستهدَفين فيما يسمَّى بصفقة القرن، وذلك بتبديد اللاجئين بعيدًا عن حدود فلسطين، إذ تناقصت أعدادُهم في لبنان تناقصًا حادًّا في السنوات الأخيرة، أو في توفير الأرضية المُسانِدة لسياسيات إسرائيل العنصرية، إذ لا تعود إسرائيل- وهي المحمَّلة، والمرتكزة، أصلاً، على دعاوى دينية (استعمارية في الحقيقة)- بذلك التفرُّد المنبوذ في هذه الحالة العنصرية المُدانة. أضف إلى ذلك أنّ تلك الكراهية (العربية) تُزعزع، ولو بشكل غير مباشر، الخطابَ العربي المُوحَّد ضدَّ عنصرية إسرائيل التي أضحت أكثر إعلاناً واستفحالاً.
وكأيّ بلد عربي، يعاني خللًا اقتصاديًا عميقًا وفسادًا، ليس من شأن تلك الإجراءات أن تحلّ الأزمة الاقتصادية في لبنان الذي تتفاقم أزماتُه (بسبب نظامٍ سياسي طائفيٍّ ضغَط لبنانيون، عام 2015، في احتجاجات شعبية واسعة لإسقاطه) بقدر ما تُسهم في مضاعفة الأزمات. فالمواطن اللبناني يعي مكمن الخلل الأهمّ الذي يحرمه، على اختلاف طائفته، من الحقوق الطبيعية والأوَّليّة.
وأخيراً، فالموقف من فلسطين هو حصيلة مواقف عملية قبل أن يكون خطابات شعاراتية، ولا يمكن أن تكون داعمًا لفلسطين وأنتَ تستهدف مكوِّنًا حيويَّا من مكوِّناتها، وهم الفلسطينيون، ولا سيما اللاجئين، في هذا التوقيت الحرِج التي تمرّ فيه القضية الفلسطينية؛ ما يصبُّ في الضغوط المتنوِّعة من أجل تصفيتها. فوق كون إسرائيل، وهي المستفيدة إستراتيجيًّا من إضعاف الفلسطينيين، لا تزال تشكِّل تهديدًا مباشرًا للبنان، ولا تزال لها أطماعٌ في مياهه ومقدَّراته.

كاتب فلسطيني

القدس العربي

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°