أحدث الأخبار

إلى الجزائر مع التحية / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

في العام 1827 قام داي الجزائر (أي الحاكم) حسين باشا باستدعاء القنصل الفرنسي بيير دوفال لدى بلاده ليبلغه غضب حكومته بسبب تلكؤ فرنسا في دفع ديونها للجزائر لعدة عقود بعد أن زودت الجزائر فرنسا بالحبوب اللازمة لدعم حربها ضد إيطاليا.

حضر القنصل الفرنسي وهو ممتعض من إصرار الداي على طلب سداد الديون، وخاصة مع تجاهل الحكومة الفرنسية لرسائل الداي المتكررة، حينها رفض القنصل بكل استعلاء مطالب الحاكم الجزائري واستهجن تجرأه على طلب الديون فما كان من الداي إلا أن ضرب كتف القنصل بمنشة الذباب التي يحملها عادة في يده في ردة فعل على وقاحة القنصل وسوء تصرفه.

كانت هذه الحادثة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لفرنسا حينها قرر الرئيس الفرنسي شارل العاشر غزو الجزائر وإخضاعها للاستعمار الكلي وبسط نفوذها على هذا البلد العربي العريق والكبير، وكان ما كان من استغلال كافة ثروات الوطن الجزائري وإخضاع شعبه وسحق إرادته تحت فوهة البندقية ولمدة 132 عاما مقبلة حتى تمكنت المقاومة الجزائرية من طرد المحتل تماما وتنال الدولة استقلالها في العام 1962.

لا شك أن هذه الحادثة تعيش في وجدان كل مواطن جزائري وخاصة بعد تعرض بلادهم لهذا الاستعمار الاستيطاني وما تبعه من إعلان الجزائر ولاية من ولايات فرنسا… البلد المغتصب.

لم يقبل المواطن الجزائري هذه الإهانة وصبر وقاوم في المدن على طول الساحل وفي العمق الجزائري. دفعت فرنسا بكل قوتها العسكرية من أجل إخضاع هذا الشعب الأصيل لكسر شوكته ولكن محاولاتها باءت بالفشل رغم طول فترة الاستعمار. والسؤال المطروح هنا لماذا فعلت فرنسا ما فعلت؟ وهل كان الأمر يستحق غزو بلد آخر واحتلاله لمدة 13 عقدا من الزمان وقتل ما يزيد عن مليون شخص من أبناء هذا الوطن العربي؟

الجواب أعتقد أنه واضح لكل ذي لب؛ فالعقلية الفرنسية حين ذاك كانت تعتبر الشعوب العربية وقياداتها دون المستوى لتكون ندا لفرنسا أو لغيرها من الدول الاستعمارية الأوروبية مثل بريطانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا. والتناقض العجيب هنا أن فرنسا ذاتها كانت قد خاضت ثورتها الكبيرة والتي خلدها التاريخ في الفترة 1789-1799 أي قبل ثلاثة عقود من احتلال الجزائر، هذه الثورة التي قامت من أجل إسقاط النظام الملكي واستبداله بالنظام الجمهوري. كان شعار الثورة الفرنسية الحرية والإخاء والمساواة من خلال رفض استعباد الآخر وإلغاء الإقطاعية ولكن على ما يبدو أن تلك الثورة قد حادت عن مسارها واتخذت لها طريقا بديلا من أجل سداد ديون الجمهورية الفرنسية عبر استغلال ثروات الآخرين الضعفاء.

وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فقطعان المستوطنين الفرنسيين الذين بلغ عددهم أكثر من ثلاثمائة ألف مستوطن شكلوا ما يسمى بالجيش السري في محاولة لوأد مقاومة الشعب الجزائري وثورته العادلة. هذا الجيش قام بممارسة الإرهاب والقتل الجماعي للجزائريين في الشوارع والطرق الجانبية والأسواق ومحطات القطار ولم يستثنوا طفلا أو امرأة أو شيخا، قتلوا كل ما يدب على الأرض فتصدت لهم جبهة التحرير الوطني ورجالاتها ببطولة نادرة وشجاعة قلما تجدها في التاريخ المعاصر حتى استطاعوا أن يفرضوا على فرنسا إعلان استقلال الجزائر حيث أعلن الرئيس الفرنسي ديجول مرغماً استقلال الجزائر وأمر الجيش والمستوطنين بمغادرة الجزائر بعد أن عاشوا فيها لعقود.

ولكن المؤسف والمبكي في نفس الوقت وبعد أن رحل الفرنسيون نهائيا عن الجزائر اشتعل قتال مرير جدا بين قيادات الجبهة الوطنية في محاولة مستميتة للاستيلاء على السلطة حتى استقر الوضع نهائيا على رئاسة أحمد بن بيلا للجمهورية الناشئة الجديدة.

ومنذ ذلك اليوم وحتى تاريخنا الحاضر لا زال العسكر يسيطرون على مقدرات هذا البلد الغني بثرواته وعاش الشعب الجزائري عقودا من البؤس والشقاء إلى أن قام بثورته السلمية في الأسابيع

الماضية والتي أطاحت بأحد رموز العسكر الرئيس عبدالعزيز بو تفليقة. هذه الثورة التي تميزت بحسن التنظيم والتخطيط وتمكنت من كسب الشارع الجزائري بكل أطيافه بما فيهم الجيش فكانت الخسائر البشرية والمادية ضيئلة جدا مقارنة بما حدث في ليبيا وسوريا وغيرها من الدول العربية.

دفع الشعب الجزائري ثمنا باهظا من أجل الاستقلال، ودفع أثمانا أخرى ما بعد الاستقلال ليعيش عيشة كريمة مثل الشعوب الأخرى وأثبت أن الصبر مفتاح الفرج وأن النار التي تحت الركام ستظهر يوما لترفع الظلم وتسقط عروش الطغاة ومن حولهم من المتنفعين وسماسرة الأوطان.

تحية تقدير واحترام لهذا الشعب العظيم الذي يقدم للأمة العربية في كل مرة درسا في التضحية والفداء مؤكدين بأن الحرية تؤخذ ولا تمنح من أحد، وبالرغم من أن الطريق لا زال طويلا للحصول على كافة الحقوق إلا أن المسار الثوري يبدو أنه يسير في الاتجاه الصحيح حتى ينال الشعب استقلاله وحريته الحقيقية. وأختم بكلمات الشاعر أبو القاسم الشابي التي تحرك الدماء في العروق وتبعث على الأمل في الحرية والعتق من الاستعمار الخارجي والداخلي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°