أحدث الأخبار

الفلسطينيون ليسوا غزاة لأرضهم / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

لم يبق من شيء إلا وجرى تسريبه عن صفقة القرن الترامبية، وقد اتضحت بنودها بالكامل تقريبا؛ كونها إملاءات إسرائيلية عبر عنها اليمين المتطرف الحاكم، وزعيمه بنيامين نتنياهو، وقد عمل طوال الفترة التي كان يجري الحديث فيها عن تلك الصفقة على بلورة مواقف أكثر وضوحا، باتت الشراكة الأميركية – الإسرائيلية فيها، تأخذ صيغة الأمر بما من شأنه تنفيذ الوعد أو الوعود التوراتية المتجددة، والنهي عن كامل الوعود الفلسطينية والعربية. والأنكى من ذلك أن تكاليف تنفيذ بنود الصفقة كلها سوف تقع على عاتق من غزيت ديارهم، ونكبت شعوبهم، ونهبت ثرواتهم، وأجهضت ثوراتهم.

تحت ظلال صفقة العصر الترامبية الموعودة، صار نتنياهو ومن يجاريه عربيا وفلسطينيا، أكثر فصاحة في التعبيرعن المواقف الاستراتيجية لغزاة الأرض الفلسطينية والعربية، وفحواها استنادا إلى الفجور الترامبي بقاء سيطرة الغزاة الإسرائيليين من البحر إلى النهر في تسييد لهيمنة أمنية راسخة، على الضفة الغربية ومستوطناتها المنتشرة كالفطر. وفي هذا المجال يجري الحديث عن أكثر من 60 بالمئة تحت السيادة الاحتلالية، والتكرم بالباقي لكانتونات بلدية يُقترح أن تبقى تحت سيطرة حكومة “تقاسم وظيفي” يجري الإعداد لها بموجب صفقة ترامب وتصورات حكومة الاحتلال لها.

نكبتنا الجديدة مع خطة ترامب ومن لف لفه من زعامات سياسية أميركية – إسرائيلية ويمينية أوروبية، بشراكة بعض الزعامات العرب والبعض القليل من الفلسطينيين، محاولة فرض “وعد بلفوري” جديد، يشكل ربحا صافيا لتوراتيي التهويد، في مواجهة المزيد من الخسارات الصافية التي أضحت تحيق بالقضية وبالحقوق الوطنية الفلسطينية، في وقت يميل الوضع العربي والاقليمي للموافقة على نكبة الصفقة الراهنة، أملا في “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” عبر تبني خطة ترامب كـ “حل إنقاذي”، تفاديا ربما – بحسب اعتقاداتهم – لكارثة أكبر يمكن أن تقع لو جرى رفض الصفقة ومقاومتها؛ ما يعني أن الاستسلام لـ “الأمر الواقع” بات سمة مرحلة من انحطاط السياسات المهزومة في بلداننا المنكوبة؛ العاجزة عن التصدي ومقاومة ما يراد فرضه فرضا من حلول، تضفي على نكباتنا القديمة، “نكهات” انتكاب أكثر انفضاحا لحالنا الفلسطيني والعربي، وهو يمضي نحو ما يُرسم له من مصائر بأيدي تحالف الأعداء، من دون أدنى محاولة لابتكار خيار بديل، يغني عن الخضوع للأمر الواقع الأميركي – الإسرائيلي في تغوله الراهن. فأمام خيار الرفض لا بد من توفير ظروف وشروط البديل الحقيقي، لمواجهة القبول بخيار الاستسلام، لما يراد له أن يكون الفصل الأخير لتصفية القضية الوطنية الفلسطينية.

لقد ادعى الصهاينة يوما أن العرب بصدد رمي اليهود في البحر، لكننا اليوم وبعد سبعين عاما من الاحتلال، وصلنا إلى واقع سيريالي لا يشبه الواقع، يراد تشريد الفلسطينيين مرة أخرى وأخرى، ورميهم في الصحراء (صحراء سيناء) وفق منطوق صفقة العصر الترامبية، وما تسرب عنها، ووفق رغبات أطراف اليمين الشعبوي المتطرف عبر العالم، حيث نقل عن مصادر أميركية وإسرائيلية أن الولايات المتحدة اشترت أو قد تشتري قسما من سيناء، كي تكون امتدادا لإمارة غزة على أنها “الدويلة الفلسطينية” الموعودة، علما أن الفلسطينيين ليسوا بالتأكيد حمولة زائدة أو شعبا فائضا عن الحاجة؛ حتى ُيبنى له دولة فائضة في صحراء فائضة عن حاجة النظام لها، وهي ملك الشعب المصري الأكثر احتياجا لها للخروج من أزماته الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، بعيدا عن سرقات وفساد السلطة وأهلها ونهبها المال العام، وتكريس هراوات السلطة البوليسية والعسكرية التي يراد لها أن تكون عماد حكم استبدادي أبدي، على غرار أنظمة بوليسية مشابهة في جمهوريات استملاك عربية، فقدت سياداتها الوطنية اعتمادا على كولونياليات حديثة ومستجدة، ذات طابع معولم أكثر إمبريالية من جهة، وهيمنة دول إقليمية من جهة ثانية، باتت تتحكم بالوضع الدولي وتتقاسم مواقع نفوذ لها عبر مناطق العالم المختلفة.

فلسطين ليست الإمارة التي يريدها البعض وفق أوهام متلازمة أمراضه المستعصية والمزمنة إمارة إسلاموية، ولا دويلة التقاسم الوظيفي مع الغزاة. فلسطين هي فلسطين التي عرفها العالم منذ القدم، منذ لم يكن هناك لا توراة ولا إسرائيل توراتية في هذه المنطقة التي دمرتها وعاثت فيها فسادا وخرابا شرائع الخرافات التي حادت عن الوقائع، بل وعادتها، مؤسسة أساطيرها الخاصة المعادية للعقل، كما أساطير السياسة المعادية لعقلانية الأحكام العقلانية والعلمية الرشيدة.

لسنا غزاة لأرضنا، نحن ملح هذه الأرض التي كونت وطنا لشعبها، الوطن الذي لن يستطيع الاحتلال بجبروت قمعه، أن يذوّبه أو ينفي عنه هويته الوطنية، كما هو الوطن الذي لن يستطيع أن يفسده الطغاة والمستبدون وحكام الجوع والإفساد والقمع والقتل المنظم والممنهج، كي يبقى لهم الوطن، ولا يبقى لنا سوى الموت بنيران الفتن.

نحن لا نتسول وطنا من أحد، نحن الأحد أصحاب الوطن وغيرنا من الإعراب لا أحد؛ غزاة يطلقون على بعض أصحاب الأرض غزاة لأرض لا يملكها المحتل ولا ينتمي ولم تكن له يوما، بل هو الذي جاء غازيا من كل أصقاع العالم، لا ينتظم جحافله وطن أو هوية أو لغة أو عادات مشتركة، ولا تاريخا واقعيا يعترف به عالم الأحياء من البشر، وفي فلسطين كلها ليس لهم من أثر، كما ليس لهم في الجولان على زعم نتنياهو وترامب من أثر يذكر، لا فوق الأرض ولا تحتها، تبريرا للاعتراف بسيادة الاحتلال عليها.

مثلما كان لنا حكام جاءوا على هيئة غزاة، هناك اليوم غزاة لبلادنا يريدون أن ينصّبوا أنفسهم حكاما لنا وعلينا، يساعدهم ويساندهم قتلة الشعوب، ممن انتهكوا وينتهكون سيادات الشعوب والأوطان، ليبنوا لهم ولأمثالهم أوثان وعقارات ملأت فضاءات العالم بيروقراطيات سلطوية وأوليغارشيات حاكمة، نهبت أوطانها وأفقرت شعوبها وتاجرت بثرواتها، وهيمنت على ممتلكاتها، وطبّعت علاقاتها مع أعداء شعوبها وأوطانها.

هناك حكام غزاة، مثلما هناك من بين الحكام من يريد سرقة أموال الشعب وأرض الشعب ووطن الشعب بطرق عصابية إجرامية تضاهي أفعال الغزاة، وبالتالي فإن سراق الشعب لا يمكن أن يكونوا أمناء على الأرض والعرض والوطن، هم أمناء وعبيد مصالحهم ومصالح أسيادهم.

فلسطين للفلسطينيين من أصل عربي كنعاني، ولكل من أختارها وارتضاها وطنا له، لهذا السبب أو لذاك، وبالقطع لا لما يزعمه أغيار العالم، مهما تكن أديانهم أو أعراقهم أو جنسياتهم السابقة على الإسرائيلية، تلك الهوية المتراكبة ازدواجا بين تزوير التاريخ واختلاق هوية توراتية مفترضة، لم تنشأ بفعل عوامل تاريخية طبيعية، بل هي إلى التطبيع الكولونيالي/الاستيطاني/الاستعماري أقرب، وأقرب إليها ذاك النموذج القهري الذي مثلته النازية والفاشيات الأوروبية وعنصريات الأبارتهايد عبر التاريخ المعاصر.

وها هي الحركة الصهيونية بمؤسساتها العنصرية الاحتلالية، تسير على خطى سابقاتها عبر قانون القومية الذي أقرته الكنيست في تموز/يوليو من العام الماضي 2018، نازعة لتأكيد كونها العنصرية الأكثر شراسة وتمييزا بعد سبعين عاما من احتلال الوطن الفلسطيني، لتحويل كيانها كيان أبارتهايد مميز بسبعة نجوم، بدعم يمين الأبارتهايدات العالمية، وقوى في المنطقة أكثر انجرارا خلف عبودية مختارة، طوعية، جراء عقد نقصها، وهي تحاول التشبه بما عدّته سيدها، سيد الغزو والقوة السوداء الاحتلالية في آخر مستعمرات عالمنا المعاصر.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°