أحدث الأخبار

خطأ إستراتيجي قاتل للنظام الإيراني بعدم إغلاق مضيق هرمز! / د. محمد رياض

+ = -


د. محمد رياض 


الأصل في التحليل السياسي أن يكون موضوعياً لا مؤدلجاً، فهو مثل تحليل المختبر الطبي للدم، يقدم النتائج كما هي. لهذا أرجو أن لا يفهم من هذا المقال أنه تسجيل لموقف مع أو ضد، وإنما هو رأي فيما كان، وتوقع لما قد يكون بناءً على دراسة وإستقراء.
اليوم دخلت حزمة العقوبات الأمريكية الكاملة على إيران حيّز التنفيذ، حيث تم إلغاء الإستثناءات الممنوحة لعدة دول كانت تعتبر من المشتريين الأساسين للنفط الإيراني، وبذلك أصبح التعامل في أي مجال متعلق بالنفط الإيراني من عمليات بيع وشراء وإستثمار وتسويات وسمسرات، إلخ، يعتبر مستوجباً للوقوع تحت طائلة حزمة العقوبات الأمريكية.
وبما أن الشركات والمصارف ومؤسسات النقل والطاقة عالمياً لن تغامر بالوقوع تحت طائلة هذه العقوبات المالية والقانونية القاسية فلن تجد بداً من الإلتزام بها!
تصفير النفط الإيراني:
حزمة العقوبات الجديدة تهدف إلى “تصفير” النفط الإيراني، أي إلى النزول بمستوى عائدات النفط الإيراني إلى (0 دولار) على حد تعبير وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، وإلى حرمان إيران من تأمين ما يكفي من دولار ويورو لتسديد فواتير حلفاءها وصنع دعاية موالية لها في المنطقة حسب تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ويبدو أن نتائج حزمة العقوبات الأمريكية الأولى على  إيران قد بدأت تؤثر بشكل جلي على مستويات أداء الإقتصاد الإيراني وصنعت واقعاً جديداً يعايشه الإيرانيون بشكل يومي، فمنذ فرض حزمة العقوبات الأمريكية الأولى إزداد حجم التضخم الداخلي في إيران بنسبة 40%، وقد أدى إرتفاع نسبة التضخم إلى إنهيار سعر صرف العملة، ووقف جميع التحويلات الخارجية، وارتفاع أسعار المواد الأساسية بشكل جنوني، وخلق حالة عارمة من التذمر على المستوى الشعبي حسب تقرير مفصل عن ذلك نشرته صحيفة الفاينانشال تايمز قبل أيام.
الواقع الإقتصادي:
إذا عرفنا أن 80% من عائدات الخزينة الإيرانية السنوية تأتي من مجالي تصدير النفط والغاز، فلنا أن نتصور مقدار تأثير منع إيران من بيع نفطها وغازها للخارج على أداء الإقتصاد الإيراني، حيث أن إيران كانت تعيش تحت طائلة عقوبات أمريكية شاملة لكن أقل شراسة منذ نحو عشرين عاماً، وأن هذه العقوبات قد أدت إلى إرتفاع نسبة التضخم وإنهيار العملة الإيرانية بحيث إرتفع سعر صرفها مقابل الدولار من 2000 تومان للدولار الواحد ( مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية) إلى 8000 آلاف تومان للدولار الواحد قبل التوصل الى الإتفاق الإيراني الأمريكي على البرنامج النووي في عهد الرئيس أوباما. ولك أن تتصور تأثير الحزمة الحالية من العقوبات الأكثر شراسة اذا عرفت أن سعر صرف التومان مقابل الدولار قد قفز بالفعل من 8000 إلى 18000 تومان للدولار الواحد مع بدء سريان الحزمة الأولى من العقوبات الأمريكية الجديدة في عهد إدارة الرئيس ترمب، فتصور ماذا سيحدث بعد بدء سريان الحزمة الثانية والتي تهدف إلى تصفير عائدات النفط الإيراني بالكامل ….
خيارات إيران:
ليس أمام النظام الحاكم في إيران سوى خيارين إثنين لمواجهة العقوبات الأمريكية الأكثر شراسة في التاريخ والتي تهدف لتدمير الإقتصاد الإيراني بالكامل وبالتالي دفع الناس الناقمين أصلاً على النظام بسبب تردي الأوضاع الإقتصادية طوال العشرين عاماً الماضية، وبسبب منظومة القيود الإجتماعية والسلوكية التي يفرضها النظام الإسلامي عليهم الى التحرك بكثافة ضد النظام وإسقاطه. 
الخيار الأول: محاولة التعايش مع هذه العقوبات وإيجاد بدائل للطرق التقليدية التي تم قطعها، وهذا يعني اللجوء لبيع النفط في السوق السوداء، لكن السوق السوداء لن تشتري النفط بالسعر الرسمي ولن يغامر المشترون بتحدي الولايات المتحدة وسلسلة عقوباتها الا بشراء النفط الإيراني بسعر مغري جداً، وهذا يعني وفي أحسن الأحوال أن إيران، إن تمكنت من بيع نفطها في السوق السوداء، فإنها ستضطر لخسارة نسبة كبيرة من عائداتها التقليدية التي كانت تجنيها من بيعه في السوق الرسمية.
كذلك فإن السوق السوداء لن تستطيع إستيعاب كافة الإنتاج الإيراني اليومي الرسمي، بالتالي فإن ما ستتمكن إيران من تصريفه سيكون مجرد نسبة لا أكثر من كمية إنتاجها العام  وبأسعار ” مضروبة” جداً بمعيار تداول السوق.
الخيار الثاني “هرمز”:
لا يبدو أن الخيار الأول سيكون بديلاً عملياً، أو أنه سيمنع من وقوع انهيارات لاحقة على العملة المحلية تضاف إلى سلسلة الإنهيارات المتتالية التي تعرضت لها حتى الآن، أو إلى الحد من إرتفاع نسبة التضخم إلى مستويات قياسية، بالتالي فإن خروج الجيّاع من ابناء الطبقات الفقيرة، والذين كانوا تقليدياً يقفون في صف النظام، برفقة الناقمين التقليديين على النظام الإسلامي من أبناء الطبقات المتوسطة العليا والثرية، وهم المعارضون تقليدياً للنظام، سوف يكون مسألة وقت لا أكثر.
لذلك لايبدو أن هناك من حل أمام نظام الجمهورية الإسلامية غير المواجهة الآن وذلك لوجود بقية من قوة في جسد النظام قد لا تتوفر لاحقاً.
قلب الطاولة بإغلاق هرمز وقطع 80% من إمدادات النفط والطاقة عن العالم وبالتالي التسبب في القفز بأسعار النفط إلى مستوى جنوني والتسبب تبعاً لذلك  في إنهيار سعر صرف الدولار  عالمياً وجر الولايات المتحدة الى حرب ليست مستعدة لها، فلا الإقتصاد الأمريكي الآن يحتمل حرباً، ولا الكونجرس الديمقراطي مستعد لتوقيع إذن صرف هائل لإدارة الرئيس ترمب لخوض حرب جديدة.
إغلاق “هرمز” والدخول في مواجهات عسكرية محدودة مع الولايات المتحدة سوف يجبر جميع الأطراف في المنطقة بما فيهم أمريكا وإيران والسعودية والإمارات وتركيا وروسيا على الجلوس على الطاولة والتوصل إلى تفاهم وترتيبات جديدة بينهم، لكن يبدو أن النظام في إيران قد وقع في نفس الخطأ الإستراتيجي التاريخي الذي وقع فيه كل حاكم آثر أن يتعلق بقشة وهو يعلم أن الغرق قادم لا محالة…


د. محمد رياض 

كلية جيمس روجرز للقانون- جامعة ولاية أريزونا

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخرأ
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°