أحدث الأخبار

بريكزيت: هل تتجه بريطانيا نحو استفتاء شعبي ثانٍ؟! / مولود بن زادي

+ = -


مولود بن زادي

بعد سنتين من المباحثات الشاقة، توصّلت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي والمفاوِض الأوروبي إلى “اتفاق الانسحاب” وهو وثيقة تتألف من 585 صفحة تتعلق بإجراءات طلاق بريطانيا والاتحاد الأوروبي. ويشمل هذا الاتفاق أساسا:

. التسوية المالية والتزام بريطانيا بتعهداتها المالية تجاه الاتحاد الأوروبي إلى غاية سنة 2020. النص لا يحدد أرقاماً لهذه الفاتورة، لكن التقارير الحكومية البريطانية تشير إلى أرقام عالية تتراوح بين 40-45 بليون يورو، وسيكون المبلغ أضخم من ذلك بكثير في حالة تمديد الفترة الانتقالية إلى ما بعد عام 2020.

. حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي الموجودين في بريطانيا (3,2 مليون أوروبي) والمواطنين البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد (1,2 مليون بريطاني) بعد بريكزيت.

. وضع آليات لمنع عودة “حدود مادية” بين شطرَي إيرلندا (إيرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا وجمهورية إيرلندا المستقلة وهي عضو في الاتحاد الأوروبي). هذا الإجراء ضروري، لا مفر منه لأجل حماية اتفاق “الجمعة العظيمة” المُبرم في سنة 1998، والذي أنهى الصراع الطائفي في المقاطعة البريطانية.

صفقة تريزا ماي لقيت رفضا كبيرا من المعارضة البريطانية وحتى من أعضاء الحزب المحافظ الحاكم، ما أدى إلى استقالات بالجملة ومن العيار الثقيل، فضلا عن تمرّد نواب محافظين على رئيسة الوزراء والتصويت ضد صفقتها. وهذا ما ساهم في تعرض الصفقة للرفض في تصويت يوم الثلاثاء 15 يناير /كانون الثاني وتعرض تريزا ماي لأشنع هزيمة برلمانية لرئيس وزراء بريطاني في تاريخ المملكة المتحدة حيث رُفضت الصفقة بفارق 230 صوتا، بمشاركة عشرات النواب من حكومتها!

الصفقة قوبلت بالرفض لأسباب مختلفة. فهي، بالنسبة لأنصار الخروج، لا تحرر بريطانيا من التبعية للاتحاد الأوروبي، ولا من دفع الفواتير الباهظة. وهي بالنسبة لحزب العمال المعارض، لا تضمن بقاء بريطانيا في الوحدة الجمركية، ما من شأنه تهديد الوظائف والاقتصاد وحقوق العمال، ولا تحل مسألة الهجرة. ويمكنها أن تهدد الأمن الوطني لأنها ستترك الحدود من غير حماية بعد سنة 2020. ويمكنها أن تعجل بانقسام بريطانيا واستقلال مقاطعات مثل اسكتلندا. ويمكنها أن تهدد برامج تبادل الطلبة وأن تحرم الشباب من فرص التعليم وتحقيق الطموحات.

تريزا ماي – المعروفة بقوة شخصيتها وصمودها وهي من تولت منصبا رفضه آخرون في ظروف صعبة – لم تتأثر كثيرا بصدمة الهزيمة. فبعد مفاوضات أخرى قصيرة غير موفقة مع الاتحاد الأوروبي، قامت بعرض صفقتها المعدّلة للتصويت للمرة الثانية في يوم الثلاثاء 12 مارس/آذار. وللمرة الثانية تُرفض صفقتها بفارق معتبر (149 صوتا). وللمرة الثانية تتعرض رئيسة الوزراء البريطانية لهزيمة ثقيلة اعتبرها بوريس جونسن – أحد رواد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي – الضربة القضية للصفقة حيث قال إنّ مخططات تريزا ماي قد “بلغت نهاية الطريق”، مؤكدا أنّ الانسحاب دون صفقة هو الطريق الوحيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بكرامة.

لكن اقتراح بوريس جونسن لا يحظى بشعبية واسعة في البرلمان البريطاني نظرا لعدم استعداد المؤسسات البريطانية للخروج دون اتفاق والنتائج الوخيمة على الاقتصاد البريطاني والتي حذرت منها تقارير الخبراء. ومن جملة ذلك احتمال انخفاض الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 5 إلى 8 بالمائة، فضلاً عن أخطار ارتفاع نسبة البطالة ونقص المواد الغذائية والأدوية في بلد مرتبط ارتباطا اقتصاديا وتجاريا وثيقا بأوروبا منذ عقود. ويكفي أن نذكر أن الاتحاد الأوروبي يعدّ أكبر شريكا تجاريا لبريطانيا حيث تبلغ صادرات بريطانيا إلى الاتحاد 274 بليون جنيه إسترليني أو ما يعادل 44 بالمائة من الصادرات البريطانية! وتبلغ واردات بريطانيا من الاتحاد الأوروبي 341 بليون جنيه إسترليني أو ما يعادل 53 بالمائة من الواردات البريطانية!

التخوّف من النتائج الخطيرة للخروج دون اتفاق انعكست آثاره على تصويت يوم الأربعاء 13 مارس/آذار حيث صوّت المشرعون بأغلبية 312 مقابل 308 لصالح تعديل يستبعد الخروج دون اتفاق بأي حال من الأحوال.

رفضُ البرلمان البريطاني صفقة تريزا ماي واستبعاد خيار الخروج دون اتفاق أيام قليلة قبل موعد الطلاق المقرر يوم 29 مارس /آذار كانا يعنيان بالضرورة اللجوء إلى خيار ثالث، يتمثّل في طلب تأجيل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو ما لم يكن يرغب في حدوثه بريطانيا والاتحاد الأوروبي معا لأنّ التأخر في حسم المسألة وما يرافق ذلك من غموض يهُدَّان ثقة المستثمرين، ويؤثران سلبا في نشاطات المؤسسات التجارية والاقتصاد. وقد عُرض هذا الخيار أمام البرلمان يوم الخميس 14 مارس/آذار، حيث صوت أعضاء مجلس العموم لصالح طلب التأجيل بنسبة ساحقة (412 مقابل 202) دون تحديد المدة.

ورغم الهزيمة المتكررة لصفقة تريزا ماي، فإنّ رئيسة الوزراء البريطانية لم تستسلم وفاجأت كثير من المتابعين برغبتها في إعادة عرض الصفقة أمام البرلمان للمرة الثالثة،

وهو ما أزعج المعارضة التي اتهمت تريزا ماي بمحاولة تضييع الوقت والضغط على النواب للمصادقة على اتفاق لا يقنع أغلبية النواب ولا يخدم المصالح البريطانية.

وفي يوم الاثنين 18 مارس/آذار فاجأ رئيس مجلس العموم البريطاني جون بيركو الجميع بتدخله وإصداره بيانا يمنع التصويت مجددا على اتفاق تريزا ماي في الدورة البرلمانية إن لم يحتو على تغييرات معتبرة.

قرار جون بيركو ضربة شديدة لصفقة رئيسة الوزراء لكنه لا يشكّل ضربة قاضية لخطتها. إذ لا يُستبعد أبدا أن تحاول الحكومة المراوغة وإدخال تعديلات تسمح لها بعرضه للتصويت مجددا في المستقبل القريب أو على الأقل إدراجه في استفتاء شعبي جديد في حال عدم تمكن البرلمان من حسم المسألة.

ومع اقتراب موعد 29 مارس/آذار فإنّ الأولوية اليوم هي الحصول على تمديد وهو ما يخضع لموافقة أعضاء الاتحاد الأوروبي السبع وعشرين. وتحتاج هذه الدول الي معرفة طول المدة والغرض من طلب التمديد أو بعبارة أخرى كيف ترغب بريطانيا في استخدام هذه الفترة. ويحتمل أن يؤخر الاتحاد الأوروبي قرار منح التمديد إلى غاية يوم أو يومين قبل موعد الطلاق ربحا للوقت. ورغم كل هذه الصعوبات فإن كل الاحتمالات يشير إلى أن الاتحاد سيمنح بريطانيا تمديدا، يرجّح أن يكون طويلا، وربما يفرض على بريطانيا المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأوروبية المقرر انطلاقها يوم 23 مايو/أيار. التمديد سيخدم بريطانيا والاتحاد الأوروبي معا لأنه سيجنبهما الطلاق دون اتفاق وما ينتج عن ذلك من آثار سلبية تؤثر في الجانبين معا. التمديد سيسمح لبريطانيا أيضا بإعادة ترتيب أمورها والتفكير في الحل المناسب لهذه الأزمة التي تتخبط فيها منذ سنتين.

وباستبعاد البرلمان البريطاني خيار الخروج دون اتفاق والفشل المتكرر لصفقة تريزا ماي وقرار رئيس مجلس العموم الجريء منع إعادة عرض الصفقة للتصويت دون تعديلات معتبرة، وعجز البرلمان البريطاني الواضح والمتكرر حسم المسألة – عدا إذا توصل البرلمان إلى صيغة اتفاق يسمح بخروج بريطانيا وفق اتفاق تجاري ما – ليس من شك في أنّ بريطانيا أضحت اليوم تقترب شيئا فشيئا من خيار عارضته رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي منذ البداية وعارضه معها جل أعضاء البرلمان – مع أنه يبدو الحل الوحيد لهذه القضية الشائكة في غياب إجماع برلماني – وهو إخضاع المسألة لاستفتاء شعبي يقرر فيه الشعب البريطاني ما عجز عن حسمه ممثلوه في البرلمان البريطاني.

مولود بن زادي: كاتب جزائري – بريطانيا

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°