أحدث الأخبار

مشاكل الواتس آب / كاظم الموسوي

+ = -

كاظم الموسوي

تحوّلَ برنامج التواصل الاجتماعي والاتصال المجاني، الواتس آب، الى اكثر الوسائل استخداما حتى يمكن القول ان كل مالك هاتف ذكي يمكنه المشاركة في هذا البرنامج. اي ان المليارات من الاجهزة المباعة توازي بالمقابل ارقام المستخدمين، والاغلب منهم المشتركين. مما يعني ان المستفيدين منه، المشتركين فيه، اعداد هائلة وارقام كبيرة.. واضافة الى ذلك يسمح البرنامج بتشكيل مجموعات او روابط متنوعة، لزيادة التواصل والارتباط بين المشتركين. بمعنى ان دوائر الارتباط تتوسع باستمرار وتتزايد اعدادا او حراكا. يبقى الاهم طبيعة ما يدور او مضمونه الذي يجمع ويدفع الاعضاء الى التواصل. في هذا المجال العام، الامر محمود وقد يكون مطلوبا ايضا للاستفادة من هذه النعمة. لاسيما للمجموعات الثقافية او ذات الاختصاص او المهن او التعاون والتجمع الاجتماعي الانساني. وهذه فائدة كبيرة تيسر الاتصال والتفاهم السريع بين اعداد من المشتركين. وللاسف تتحول احيانا الى نقمة. وقد تاخذ ابعادا مختلفة، حسب استخدامها والتعاملات البينية فيها. وفي كل الحالات تعتمد على ثقافة وادراك المشترك، وكأن المتنبي كان عالما بها بقوله؛

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله واخو الجهالة في الشقاوة ينعم

التواصل ضروري ومفيد ويعوّض عن امور اخرى اخذت تقل في العلاقات العامة وحتى في صلات الرحم والود، او تضمحل وتتلاشى احيانا، فعسى ان تكون هذه الوسائل بما عليها ولها دافعا ومحفزا للتذكر والتراحم وبث الوعي والثقافة والتطور والتجدد، شرط ان يحسن استخدامها ويدرك دورها الإيجابي. وان يكون التبادل نافعا بين الطرفين أو الأطراف.

فحين تتوفر أو تستخدم الوسائل بهذه الصورة والامل منها كذلك، تكون قد حققت جزء كبيرا من اهدافها العملية المباشرة واذا لم يحصل ذلك فان الخسارة كبيرة ايضا.. ليس في الاستخدام وحسب. بل في ضياع الوقت والاهتمام والوعي والمهمات والاهداف المنشودة.

معروف ان هذه التسهيلات المجانية ليست مجانية بمعنى الثمن المالي.. فهي وسائل تدر أرباحا طائلة عبر استخدامها للدراسة والبحث والرقابة والتجسس والاختراق والمتابعات الامنية او الاستهدافات الاستخبارية. اي بمعنى آخر انها ممنوحة او مفتوحة او مستثمرة بثمن اكبر مما يتوقع مستخدمها. وهو ما قام باذاعته إدوارد سنودن، التقني وموظف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، الذي عمل كمتعاقد مع وكالة الأمن القومي، وانشق عنها، وقام بتسريب تفاصيل برنامج التجسس، بريسم، PRISM ، إلى الصحافة. فكشف اهدافه في الرقابة والتجسس واختراق الخصوصية على هذه الوسائل واستثمارها لاهداف اخرى ولغايات امنية من جهة وللفضائح المخابراتية الدولية من جهة اخرى. ولعل اكتشاف حكومات اوروبية او اعلانها في معرفة ما يحصل، لاسيما في التجسس على مسؤوليها، وادانتها لمثل هذه الممارسات من قبل المخابرات الامريكية خصوصا دليل اخر يفضح ما خلفها ويعري ما يراد منها.. وتبين بعد ذاك ان هذه الممارسات جرت ولم تتوقف بين اكثر من جهة او حكومة. واضاف سنودن في مقابلته للصحافة عام 2013 عن عمليات مراقبة واسعة للبيانات الشخصية بعد هجمات 11 ايلول/ سبتمبر في أمريكا. وعرض وثائق كثيرة، من بينها وثائق كشفت أن بريطانيا تجسست على سياسيين أجانب في اجتماعات قمة مجموعة العشرين في لندن عام 2009، وجمعت كميات هائلة من رسائل البريد الإلكتروني ورسائل على فيسبوك واتصالات الإنترنت وأطلعت وكالة الأمن القومي الأمريكية على محتواها. اي أن التنسيق والتعاون بين هذه الأجهزة قائم ومتبادل، بدون شك أو تساؤل.

تحت غطاء الاعلانات التجارية والارباح الطائلة منها ايضا تقدم هذه الخدمات مجانا، لكسب او تورط اكبر عدد من المشتركين فيها. وهكذا اصبحت هذه الوسائل نعمة للتواصل البشري ونقمة مزدوجة من الاستحمار والحمق والغباء ومن التجسس والتنصت والاستطلاع ومن ثم التحكم والاستثمار.. اي ان هذه الوسائل تعتمد على كيفية استخدامها، فقد تستفيد، أو تتضرر منها، لكن الوعي والثقافة والفهم المتقدم هي العوامل المشتركة، وهي التي تحول هذه الوسائل الى نعمة حقيقية، بالرغم من كل ما يحيط بها من أخطار واضرار.

ما يكشف أو ما يسرب أو ما يفضح لا يطمأن كثيرا عن الواتس اب، وغيره من وسائل التواصل والاتصال الاجتماعي المجاني. ولكن استخدامه متطلب لمواصفاته العديدة، ففيه فرص لا تحصى ومجالات تخدم المشترك فيه وتفيد الهدف المعلن من هذه الوسائل التي ابتكرت لخدمة الانسان والمجتمع والتطورات التقنية المتواصلة. ويتوجب احترام هذه الفرص وعدم الإستهانة أو التساهل بها وهدر الوقت والأعصاب والجهود بلا معنى أو فائدة مهما كانت.

مع ما سبق من تحذيرات أو ما يحاول الحد من التدخلات والاختراق العدواني فإن المحاكم والمنظمات الحقوقية والإنسانية لا تتفرج على كل ما يجري. فقد رفع صحفيون ومنظمات غير حكومية قضية الانتهاكات والاختراقات، الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومقرها في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، (وكالات 2018/9/13) وأعتبرت المحكمة ان برنامج بريطانيا المتعلق بعمليات مراقبة واسعة في البلاد ينتهك الحقوق الأساسية لمواطنيها، ورأت المحكمة في قرارها أن عمليات المراقبة هي انتهاك لحقوق الخصوصية وحرية الوصول للمعلومات المكرستين في الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان. وأشارت المحكمة إلى أن حكومات وطنية تتمتع “بحرية واسعة” في اتخاذ القرار بشأن نوع المراقبة الضرورية لحماية الأمن القومي وبأن مجرد وجود برنامج لا يعني انه “ينتهك بحد ذاته وبنفسه الميثاق”. لكنها أكدت أنه يتعين أن يكون “التدخل” محصورا “بما هو ضروري في مجتمع ديموقراطي”. واعتبرت المحكمة أن جمع المعلومات من جانب “المركز البريطاني للاتصالات الحكومية” وهو أحد أجهزة الاستخبارات، ينتهك المادة الثامنة من الميثاق المتعلق بالخصوصية، نظرا لوجود “رقابة غير كافية” على البرنامج. وبينت المحكمة إن طريقة اختيار جهاز الاستخبارات لمزودي الإنترنت من أجل اعتراض البيانات ثم انتقاء الرسائل واختيار المعطيات لتفحصها، تفتقر إلى الرقابة. ورأت أيضا أن النظام الخاص بحصول جهاز الاستخبارات على معلومات من الإنترنت وشركات الهواتف “لا يتماشى مع القانون”.

هكذا تختلف مشاكل الواتس آب وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت عموما، والمهم فيها كلها يبقى متعلقا او مستندا الى مستوى الوعي والثقافة والسمو الإنساني بقيمه العالية التي تحترم الخصوصية والتهذيب الأخلاقي وحقوق الإنسان.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°