أحدث الأخبار

ابنا حيفا والدلافة كيف ولماذا تحوّلا وانحازا إلى العدو؟/ سليمان الشيخ

+ = -

30سليمان الشيخ

بثت عدة محطات تلفزيونية عربية، وبعض المواقع الالكترونية في منتصف شهر أيار/مايو من هذا العام (2016) في الذكرى الثامنة والستين للنكبة الفلسطينية، أجزاء من مقابلة أجرتها إحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية مع حاخام يهودي، ذكر أن اسمه «إبراهيم سيناي» وادعى أنه هو نفسه إبراهيم ياسين، ابن قرية الدلافة في البقاع الغربي من لبنان، وانه تسلل إلى فلسطين المحتلة في العام 1997،

بعد أن وصف نفسه بأنه كان متعاونا مع حزب الله، وأنه كان ينقل المعلومات عنه إلى مخابرات العدو الصهيوني، وأنه في العام 1997 وعندما أحس بالخطر من اعتقال المقاومة له، نقلته المخابرات الإسرائيلية إلى فلسطين المحتلة، وهناك وفي مدينة صفد بالتحديد، أخذ يتعلم العبرية وتأهيل نفسه ليصبح حاخاما. وفعلا فإنه في المقابلة الأخيرة إياها كان يظهر بملابس الحاخامية.
غير أن المعلومات التي ساقها في المقابلة، عن ظروف تعامله مع مخابرات العدو وجيش لحد المتعاون مع الصهاينة، تضمنت الكثير من المعلومات غير الصحيحة والمفبركة، الهادفة للتغطية على ما أخذ ينهجه في التعامل مع مخابرات العدو، ربما منذ سبعينيات القرن الماضي.
لقد هرب إلى فلسطين المحتلة في يوم التحرير في 25 أيار/مايو من العام 2000 آلاف المنضوين في جيش لحد وبعض عائلاتهم وأولادهم، وهم كانوا من جميع الطوائف اللبنانية المعروفة، أقلية منهم عادت إلى لبنان لاحقا، وكثيرون بقوا في الأراضي المحتلة، أو هاجروا إلى خارجها، وكل شخص من بينهم له قصته وظروفه؛ إلا أن أغربها وأكثرها شحنا دراميا وتحولا في التركيبة الإنسانية هي حكاية إبراهيم ياسين، الذي أصبح الحاخام إبراهام سيناي.
ومن المؤكد أن التحولات الانتمائية إلى العدو ومنظومته الأمنية والنفسية والدينية، لم تظهر عليه في الفترة الأخيرة فقط، فقد كان إبراهيم ياسين وهو في لبنان ينمي ميوله المتمادية في اكتساب بعض صفات العدو، والحجج التي ساقها ليبرر تحوله لا يمكن أن تحقق له شيئا أو تخفف عنه هذا الانحياز والارتماء في أحضان العدو، بل أصبح في تركيبته الجوانية فردا من أفراد العدو، وإن تزيا بثوب الحاخامية.
لقد كان مثاله ونموذجه يتمثل في بعض الشخصيات الإسرائيلية التي كان يتعامل معها، وربما كان يحلم ويخطط لما أصبح عليه في ما بعد.
وهذا يذكرنا بحالة أخرى، أوجدتها النكبة الفلسطينية وظروفها المأساوية منذ العام 1948، هي حالة الطفل «خلدون» في رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني المنشورة في العام 1969، حيث ترك في سريره، وكان عمره خمسة أشهر، في بيته في حي الحليصة بمدينة حيفا، حين أجبرت ظروف الحرب واحتلال الصهاينة للمدينة عام 1948، والديه على مغادرة المدينة، وعلى الرغم من المحاولات المستميتة التي بذلت من قبل والديه للوصول إلى البيت واصطحابه معهما، إلا أن قذائف ورصاص الاشتباكات التي كانت تجري في أحياء المدينة والحواجز التي سدت جميع الطرق والمنافذ، حالت دون الوصول إلى البيت، فساقتهما القوات البريطانية والصهيونية نحو ميناء حيفا مع غيرهما من أبناء المدينة، ومنعتهما من العودة إلى منزلهما، حيث يوجد الطفل الصغير.
بذل والدا الطفل في نكبتهما وتشردهما محاولات حثيثة لاستعادة طفلهما، ووسطا منظمات إنسانية محلية وعالمية في هذا الأمر، إلا أن نتائج المحاولات كانت سلبية. وعندما حصلت الهزيمة الثانية للعرب في العام 1967 وتم احتلال الضفة الغربية وغزة، أثناء هذه الحرب مع غيرها من المناطق العربية، فقد سمحت قوات الاحتلال لمن يرغب بدخول الأراضي المحتلة، فذهب والدا الطفل خلدون إلى حيفا، وقصدا بيتهما في حي الحليصة، ليجدا في البيت امرأة يهودية مسنة، ذكرت لهما أنها تبنت الطفل وربته، وكبر حتى أصبح عمره نحو عشرين عاما في تلك الأيام، وأنها مع زوجها الذي قتل في الحرب، سميا الطفل «دوف» وانه التحق كجندي في الجيش الإسرائيلي.
صدمت هذه المعلومات الوالدين، وأخذا ينتظران عودة خلدون الذي أصبح «دوف»، حيث كان في الخدمة. ساد التوتر والاضطراب نفوس الشخصيات الثلاث، وكان والداه الحقيقيان يعتقدان أن علاقة الدم ستجعل من الشاب يلاقيهما بالأحضان، ويعترف بانتمائه إليهما، كون «الدم يحن» بحسب المثل الشعبي؛ إلا أن الشاب وعندما دخل البيت ووجدهما فيه، أعلن بوضوح أنه ينتمي إلى أم ربته وسهرت عليه وأعطته اللغة والانتماء، كما أنه تربى في أحضان دولة هي دولته، وأنه لا يميز نفسه عن أي شاب يهودي آخر. فقد نشأ وتعلم وتعامل واكتسب يوميا كل ما هو سائد في البيئة التي عاش فيها، وأنه لم يعرف أن له أما وأبا غير أمه وأبيه اللذين تربى في أحضانهما، إلا قبل نحو ثلاث سنوات، وهذا لم يغير كما ذكر في الرواية من انتمائه أو توجهه في الحياة.
لقد أصبح كما جاء في الرواية قضية انتمى فيها، وبالتعامل اليومي المتواصل عبر السنين مع واقعه، ليصبح مكونا من مكوناته، وبحسب ما ذكر الروائي: «أليس الانسان هو ما يحقن به ساعة وراء ساعة، ويوما وراء يوم، وسنة وراء سنة؟». كما إنه ذكر على لسان والد الشاب الحقيقي: إذا كنت نادما على شيء فهو أنني اعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة». وذكر أيضا «أن الانسان هو (قضية) وليس لحما ودما، ثم ذكر الوالد حكمة ما يريد لـ «دوف» أن يحفظها هي «أن أكبر جريمة يرتكبها اي إنسان، كائنا من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة بأن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءه».
هكذا فإن خلدون الذي أصبح دوف، أجبرته ظروفه القاهرة على التحول، خصوصا وأنه في طفولته لم يكن يملك حرية الاختيار، ونشأ على ما نشأ عليه. أما إبراهيم ياسين أي الحاخام إبراهام سيناي، فإنه كان يملك هامشا من حرية الانتماء، حتى ولو كان مشروطا أو مضغوطا، قد تكون ظروفه في البداية صعبة وقاسية وفيها عقبات كثيرة، إلا أن آلاف الشبان غيره لم يفعلوا ما فعله واختاروا طرقا شتى ابتعدت بهم عن أن يتحولوا إلى حاخامات أو عملاء.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

استطلاع

هل تتم محاكمة ولي العهد السعودي في قصية مقتل خاشقجي؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً