أحدث الأخبار

ناييب بوكيلي رئيساً للسلفادور: الفلسطيني الذي تنكّر لمعاناة أجداده

+ = -

في بلد صغير في أميركا الوسطى، سكانه 6.5 مليون نسمة، خرج شاب ثلاثيني من أصل فلسطيني في السلفادور، حاملاً لواء مكافحة الفساد، بينما أوصله التواقون لهذه الوعود، إلى سدة الرئاسة.

غير أنّ فوز ناييب بوكيلي (نجيب أبو كيلة) الفلسطيني الأصل، والبالغ من العمر 37 عاماً، في انتخابات رئاسة السلفادور، لن يكون خبراً مفرحاً لأهل بلده الأصلي، هو الذي أغضبهم بزيارته التي قام بها إلى إسرائيل، في فبراير/شباط العام الماضي، متنكراً لمعاناتهم من انتهاكات الاحتلال.

مثل معظم الفلسطينيين المهاجرين البالغ عددهم 100 ألف في السلفادور، ولد أجداد بوكيلي في القدس وبيت لحم، لكنهم هاجروا إلى هناك وهم صغار مع أهاليهم. ومع أنّهم كانوا من الفلسطينيين المسيحيين، تحوّل ابنهم أرماندو إلى الإسلام، وأصبح أحد قادة الجالية الإسلامية الصغيرة في السلفادور.

أصبح أرماندو (أحمد) بوكيلي رجل أعمال، لكنه اشتهر بلقب “إمام السلفادور”، بعدما كان إماماً لمسجد بناه قرب مصنعه للنسيج. وبعد زواجه من السلفادورية أولغا أورتيز دي بوكيلي، أنجب أربعة أبناء، أحدهم هو ناييب بوكيلي المولود في 24 يوليو/تموز 1981، في سان سلفادور.

على خطى والده الذي توفي قبل عامين، توجّه بوكيلي نحو ريادة الأعمال، ففي سن الثامنة عشرة فقط، كان يدير شركة بالفعل. ووفقاً لمقالة في صحيفة “ألفارو” الرقمية، فإنّه مالك شركة “ياماها موتورز” في السلفادور.

من مدينة نويفو كوسكاتلان الصغيرة، خطا بوكليلي أولى خطوات حياته السياسية، بعدما انتخب لرئاسة بلديتها، نيابة عن تحالف من “جبهة فارابوندو مارتي” اليساري، في 11 مارس/آذار 2012.

وبعد ذلك بثلاث سنوات، فاز في الانتخابات البلدية لعام 2015 في بلدية سان سلفادور، عاصمة السلفادور، راسماً نفسه تلقائياً منافساً محتملاً للرئاسة.

التحيّز لإسرائيل

قام بوكيلي بزيارة إسرائيل، في فبراير/شباط عام 2018، كرئيس لبلدية سان سلفادور، رفقة زوجته السلفادورية غابرييلا رودريغيز. والتقى في القدس رئيس بلدية الاحتلال الإسرائيلي نير بركات، وكذلك رئيس بلدية تل أبيب، وشارك في طقوس يهودية عند حائط البراق، وجبل “هرتزل” في القدس المحتلة.

زيارة استنكرتها الجالية الفلسطينية في السلفادور، والتي عبّرت عن غضبها من “تنكّر” بوكيلي من جذوره الفلسطينية، و”التاريخ المشرّف” الذي خطه والده، والذي كان “من أشد وأكبر المدافعين عن القضية الفلسطينية، ومن أهم الشخصيات المعروفة في السلفادور”، بحسب بيان للجالية.

ورأت أنّه “كان الأولى بمن جذوره فلسطينية، وعائلته خطت تاريخاً نضاليا مشرفاً في الدفاع عن قضية شعبنا، أن يُذكّر العالم من موقعه في رئاسة العاصمة السلفادورية، بالهولوكوست اليومي الذي تمارسه دولة الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مدينته التي ينحدر منها القدس المحتلة، لا أن يقف يتباكى ويذرف الدموع أمام نصب الهولوكوست في جبل هرتزل في القدس المحتلة”

وقالت إنّ “كان الأجدر به أن يفضح ممارسات الاحتلال في التضييق على حرية العبادة للمسيحيين والمسلمين في الأماكن المقدسة في القدس المحتلة، لا أن يقف أمام حائط البراق ويؤدي طقوساً يهودية إقراراً واعترافاً للصهاينة بأحقيتهم في هذا المكان الذي استولوا عليه بحكم القوة”.

أدار بوكيلي ظهره للانتقادات الفلسطينية ووصفها بأنّها “حملة قذرة”، ونشر صوراً تعود للعام 2011 وهو يزور قبة الصخرة في القدس المحتلة، وقال عن نفسه إنّه “لا ديني” يشدد على “أوجه التشابه” بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

الطرد من الجبهة اليسارية… وحزبه “الفائز”

كان بوكيلي أحد أعضاء “جبهة فارابوندو مارتي” اليساري الحاكم، غير أنّ انتقاده المتكرر لقيادة الحزب أدى إلى طرده، بعد اتهامه بـ”تشجيع الانقسام الداخلي، والتشهير السياسي ضد الحزب”، إذ لم يحضر بوكيلي الجلسة المقررة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2017 من قبل “محكمة أخلاقيات” الحزب، التي رأى أنّها كانت متحيزة لصالح المدعين. ويُقال إنّ بوكيلي ألقى تفاحة على عضو المجلس البلدي كسوشليت مارتشيلي، ووصفها بأنّها “ساحرة” خلال أحد الاجتماعات.

لم يتوقف بوكيلي عند خطوة “طرده” من الحزب الحاكم، إذ صوّب طموحاته نحو المشاركة في الانتخابات الرئاسية للعام 2019، كمستقل يرفض “النظام السياسي” الحالي. وبدأ في هذا الإطار، حركة “نويفا آيدياز” (أفكار جديدة)، بهدف جعلها حزباً سياسياً حيث يمكنه الترشح لرئاسة السلفادور.اقــرأ أيضاًالتيار المحافظ وحدود المغامرة الأميركية في فنزويلا

غير أنّ الإفصاح عن طموحاته الرئاسية، جعل حزبي “جبهة فارابوندو مارتي” اليساري، و”التحالف الوطني الجمهوري” المحافظ، “المضادان”، يلتقيان على هدف منع محاولات تأسيس حزبه السياسي الخاص، وترشيحه من قبل أي حزب آخر.

وفي نهاية المطاف، تمكّن بوكيلي من الانضمام إلى حزب صغير ينتمي إلى يمين الوسط، يُعرف باسم “التحالف الكبير من أجل الوحدة الوطنية”، المعروف اختصاراً لحروفه الأولى باسم “غانا” أي “الفوز” باللغة الإسبانية.

خطوته هذه اعتبرها العديد من المفكرين السياسيين، قراراً سياسياً مثيراً للجدل، إذ رأوا فيها “خيانة” لمثله التقدمية، في حين تؤكد حملته، في المقابل، أنّ انضمام بوكيلي إلى حزب قائم كان الخيار “الوحيد” المتبقي من أجل خوض الانتخابات الرئاسية.

لواء مكافحة الفساد

سيطر حزب “جبهة فارابوندو مارتي” اليساري الحاكم، ومنافسه المحافظ حزب “التحالف الوطني الجمهوري”، على السياسة السلفادورية منذ اتفاق السلام الموقّع عام 1992، والذي أنهى حرباً أهلية دامية.

لكن مسيرة كلا الطرفين ملطخة بفضائح فساد، وفشل القضاء على عنف العصابات، التي جعلت السلفادور واحدة من أكثر دول العالم دموية في السنوات القليلة الماضية، دفعت السلفادوريين إلى الفرار نحو الشمال.

ففي السلفادرو يعيش ما يقرب من ثلث الأسر في حالة فقر، إذ البنك الدولي إنّ دخل الفرد يبلغ 3560 دولاراً، بينما ينتمي حوالى 67 ألف شخص، إلى عصابات ترهب مجتمعاتهم المحلية بالابتزاز والقتل وغير ذلك من أشكال العنف.

هذا الواقع دفع العديد من السلفادوريين الذين يبحثون عن حياة أفضل، إلى الانضمام إلى قوافل حديثة من المهاجرين الذين يسافرون عبر المكسيك، نحو الولايات المتحدة.

على منصة عنوانها مكافحة الفساد، وقف بوكيلي مطلقاً شعار حملته الرئاسية: “هناك أموال كافية عندما لا يسرق أحد”.

“اليوم فزنا في الجولة الأولى… وسطرنا التاريخ”، بهذه الكلمات أعلن بوكيلي، الأحد، فوزه في انتخابات رئاسة السلفادور، بعدما ضمن أغلبية الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت، الأحد، منهياً بذلك عقوداً من سيطرة نظام الحزبين على مقاليد السياسة في البلاد.

غير أنّ الرئيس السابق لبلدية العاصمة سان سلفادور، تمكّن من جمع أصوات أكثر من أصوات منافسيه مجتمعين، بعدما حصل على ما يقرب من 54٪ من الأصوات، في حين جاء كارلوس كاليخاس من “التحالف الوطني الجمهوري” في المركز الثاني، بنسبة تقل عن 32%، وخلفه وزير الخارجية السابق هوغو مارتينيز من “جبهة فارابوندو مارتي” اليساري.

ومع تجاوزه عتبة الـ50% من الأصوات، تجنّب بوكيلي جولة الإعادة من انتخابات الرئاسة في مارس/آذار المقبل، ليعلن النصر بالفعل أمام جمهوره المبتهج في سان سلفادور، داعياً مؤيديه للاحتفال في الشوارع، بالقول: “لدينا ثقة تامة بأننا فزنا بالرئاسة، وقد فزنا في الجولة الأولى”.

مع الصفحة الجديدة من حياته السياسية، التي يبدؤها من سدة الرئاسة لا يُتوقع أن تكون الطريق أمام بوكيلي مفروشة بالورود، فبمجرد توليه منصبه رسمياً، في يونيو/حزيران المقبل، سيواجه اقتصاداً بطيء النمو، وفقراً مستشرياً.

خلال مشاركتها بصوتها في الانتخابات الرئاسية، تقول الناشطة إستيلا هنريكيز (27 عاماً)، أمام مركز اقتراع في العاصمة سان سلفادرو، بحسب ما تنقل صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، “جئتُ لأصوت لأنني أريد أن تتغير البلاد، لأننا سئمنا من الكثير من الفساد”.

تحديات مرتقبة

يدرك بوكيلي ابن الأجداد المهاجرين، حالة “السأم” هذه التي وصل إليها مواطنو بلاده، ويتعيّن عليه الآن التعامل مع التهديدات المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بقطع المعونات عن السلفادور، إضافة إلى غواتيمالا وهندوراس المجاورتين، إذا لم يضاعفوا الجهود لوقف الهجرة إلى الولايات المتحدة.

ولهذا يعد بوكيلي بإنشاء حكومة هدفها خلق المزيد من فرص العمل، مع خفض معدل الجرائم، فضلاً عن إنشاء لجنة دولية لمكافحة الفساد بدعم من الأمم المتحدة، بعد لجان مماثلة في غواتيمالا وهندوراس.

وعد بوكيلي ناخبيه بذلك، عندما قال، في يناير/كانون الثاني الماضي، “سننشئها (اللجنة)… حتى لا يتمكّن الفاسدون من الاختباء في المكان الذي لطالما اختبأوا فيه… بدلاً من ذلك سيكون عليهم إرجاع ما سرقوه”.

ومن بين وعود حملته الانتخابية الأخرى، أعلن بوكيلي، المستخدم الناشط لوسائل التواصل الاجتماعي، والذي غالباً ما يخاطب مواطنيه مرتدياً سترة جلدية سوداء، أنّه سيطلق مشاريع لتحسين البنية التحتية، والحد من الهجرة.


لم يتوقع كثير من السلفادوريين، تمكّن مرشح شاب من خرق قطبي السياسة، هم الذين اعتادوا انتخاب رئيس من أحد الحزبين الكبيرين في البلاد، فخارج فندق في العاصمة سان سلفادور حيث انتظر بوكيلي نتائج الانتخابات، قامت مجموعة من المؤيدين بإطلاق الألعاب النارية، والرقص على وقع قرع الطبول مع ظهور الأرقام الأولية.

“نعم ، لقد فعلنا ذلك! نعم، لقد فعلنا ذلك!” أطلقوا هتافاتهم مرددّين، بينما ينتظرون في الغد، تنفيذ الوعود التي أطلقها بوكيلي في الأمس.

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°