أحدث الأخبار

بريكست: ما هي الحلول المتبقية لبريطانيا بعد فشل صفقة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي؟ /مولود بن زادي

+ = -


مولود بن زادي

أسواق مركز (كناري وارف) بلندن يوم الثلاثاء 15 كانون الثاني/يناير 2019. تقترب الساعة من 16.30، ولم يعد يفصلنا إلاَّ ساعتان ونصف عن الحدث السياسي الكبير الذي شغل بال السياسيين، وأضرم نار النقاش والجدل في وسائل الإعلام البريطانية والأوروبية، وأضفى أجواء مكهربة على البرلمان البريطاني، وهو موعد التصويت على صفقة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

البريطاني لا يتحدث عن السياسة

لا نرى أثراً لتلك الأجواء السياسية، ولا نسمع حديثا عن السياسة في هذا المكان الفخم والمزدحم، وهو أحد أهم المرافق التجارية في العاصمة لندن.

جماهير غفيرة تتوافد على المحلات التجارية ومحلات الأكل الخفيف وتملأ الساحة الطويلة الممتدة من سوبر ماركت (ويتروز) إلى محطة قطارات النفق من جهة ومحطة القطارات الخفيفة (دي أل أر) في الجهة المعاكسة. السياسة هنا ليس لها مكان في حديث المواطن البريطاني المنشغل بنفسه وبحياته. هكذا هو طبع البريطاني، نراه يتحدث عن العمل اليومي ودار الحضانة أو المدرسة التي يذهب إليها أطفاله، والطقس المتقلب في الجزر البريطانية، والسفر والعطلة، وآخر الأفلام التي تعرض في دور السينما، وآخر مباريات الدوري الأول، وفوز فريق مانشستر يونايتد على توتنهام… ولا نراه يتحدث عن السياسة حتى في أوقات الانتخابات والأيام المصيرية لوطنه مثل هذا اليوم الذي طال انتظاره والذي سيقوم فيه أعضاء البرلمان البريطاني بالتصويت على صفقة استغرق إعدادها سنتين وتتعلق بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكل ما قد يترتب عن هذا الخروج من انعكاسات في حياة البريطانيين الذين تجمعهم روابط سياسية واقتصادية واجتماعية وثيقة بالقارة الأوربية.

لكن ماذا لو استدرجنا أحد هؤلاء للحديث عن السياسة؟! ماذا سيقول؟ جايمس، عامل بأحد مطاعم سوشي في المركز رد باسما: “زوجتي إسبانية، وأنا مؤيد

لأوروبا، وقد صوتُ لأجل البقاء في الاستفتاء. لكن، ماذا باستطاعتك أن تفعل؟! إذا كان لابد أن نغادر، نغادر! لكن حتى أكون صريحا معك، لا أهتم بما يجري!…”. لين، منظّفة بالمركز، ضحكت عندما سمعت سؤالي: “بريكست؟! لا أهتم بذلك! حياتي نفسها بريكست ومشاكل أحاول أن أعالجها!…” بالنسبة لجايمس ولين وكثير من هؤلاء الناس في هذا المكان وفي أنحاء لندن وبريطانيا، لقد أدى الشعب واجبه بمشاركته في استفتاء حزيران /يونيو 2016، والقرار الآن بين أيدي السياسيين. ولم يخطئ هؤلاء، فالصفقة التي أعدتها تريزا ماي باتت الليلة بين أيدي نواب البرلمان.

صفقة تريزا ماي

“صفقة تريزا ماي” التي كثر الحديث عنها في وسائل الإعلام هي الاتفاق الذي توصلت إليه رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي بعد سنتين من المفاوضات. وينص هذا الاتفاق أساساً على خروج منظم لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الموعد المحدد المتمثل في 29 آذار /مارس 2019، وترتيب فترة انتقالية تصل إلى غاية 21 شهرا تسمح للجانبين بمزيد من التفاوض للتوصل إلى إبرام صفقة تجارة حرة تخدم الطرفين، وحل المشاكل الأخرى العالقة مثل مشكلة الحدود الإيرلندية التي قد تهدد اتفاقية السلام الموقعة عام 1998 والتي أنهت 30 سنة من العنف الطائفي في شمال إيرلندا.

تأجيل التصويت

بعد الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، لم يتأخر البرلمان الأوربي في المصادقة على الصفقة. لكن الأمر كان صعبا من جانب بريطانيا نتيجة الانقسامات الكبيرة في البرلمان بين أنصار الطلاق الكلي مع أوربا، وأنصار الخروج المنظم، وأنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي. هذه الانقسامات تعود بالدرجة الأولى إلى انقسام النواب بين مؤيد ومعارض لخروج بريطانيا من الاتحاد واختلاف تصورات هذه الأطراف لمفهوم بريكست وما صوت لأجله الشعب البريطاني. رئيسة الوزراء البريطانية كانت قد حددت في البداية يوم 11 كانون الأول / ديسمبر 18 موعدا للتصويت على صفقتها. لكنها، فيما بعد، تراجعت على قرارها عشية الموعد تجنباً لهزيمة ثقيلة معلنة تأجيل التصويت إلى منتصف

كانون الثاني /يناير 19.. تريزا ماي تطلعت إلى الحصول على مزيد من التنازلات والضمانات من المفاوض الأوربي وهو ما يبرره سفرها إلى بروكسل ساعات قليلة بعد ذلك القرار. لكن احتمال تغيُّر المعطيات بشكل كبير ومقنع كان يبدو ضعيفاً بعد الإعلان عن نهاية المفاوضات واقتراب موعد الخروج المقرر في شهر آذار /مارس. والاتحاد الأوروبي سارع إلى تأكيد أنه ليس مستعدا لإعادة فتح ملف الاتفاق الذي استغرق تصميمه سنتين من المباحثات.

هزيمة لا مفر منها

التأجيل لم يحقق مكسبا يذكر. والهزيمة في هذا التصويت كانت مرتقبة في الأوساط البرلمانية والإعلامية. وكان السؤال الذي يتردد على ألسنة المتتبعين هو: ما حجم هذه الهزيمة؟ وهل ستكون بمثابة الضربة القاضية بالنسبة لرئيسة الوزراء؟ فبعد استئناف نشاطات البرلمان في العام الجديد، حددت تريزا ماي يوم الثلاثاء 15 كانون الثاني/يناير موعدا لهذا التصويت المصيري. كانت الساعة تشير إلى 7.38 مساء عندما حان موعد الإعلان عن نتيجة التصويت، في بث مباشر عبر قنوات التلفزيون العالمية، ترقبته على وجه الخصوص بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي المعنية بالاتفاق. جاء الإعلان على لسان رئيس مجلس العموم البريطاني جون بيركو، وتمثل في رفض الصفقة بنسبة ساحقة غير منتظرة: التصويت ب(لا): 432 والتصويت ب(نعم): 202. وهكذا منيت رئيسة الوزراء بأسوأ هزيمة برلمانية لحكومة في تاريخ المملكة المتحدة بفارق 230 صوت وبمشاركة 118 نائب محافظ من حزبها في رفض صفقتها!

فوز في التصويت على الثقة:

حزب العمال بزعامة جيريمي كوربين، الذي إلى حد الآن لم يعرض برنامج بريكست واضحا، استغل هزيمة رئيسة الوزراء للدعوة إلى التصويت على حجب الثقة عن حكومتها، وكان همه الوحيد، على ما يبدو، الإطاحة بالحكومة والوصول إلى الحكم وليس إيجاد حل لمأزق بريكزت. لكن، كما كان متوقعا أيضا، فقد استطاعت رئيسة الوزراء هذه المرة النجاة والفوز في هذا التصويت ولو بنسبة ضئيلة (325 صوتا)، مقابل 306 صوتا، بفضل مساندة الحزب الوحدوي الديمقراطي، الذي أعلن دعمه لها قبل التصويت. وزير الخارجية

السابق، بوريس جونسن هو أيضاً أعلن عن التصويت لصالحها رغم رفضه صفقتها التي كان قد وصفها ب “الإذلال الأخلاقي”، وهو من استقال من منصبه احتجاجا على ذلك.

المضي قدماً

على إثر هذه الهزيمة، ألقت تريزا ماي كلمة وعدت فيها بإجراء محادثات مع كل الأطراف بحثا عن طريق للمضي قدما:

“ستباشر الحكومة هذه الاجتماعات بروح بناءة، لكن بحكم أننا في حاجة ماسة إلى تحقيق تقدم، لابد لنا أن نركز على الأفكار القابلة للتفاوض حقيقة، والتي تحظى بدعم كاف في المجلس.”

خيارات بريطانيا المقبلة

مباشرة بعد الإعلان عن تعثر صفقة تريزا ماي، أعلن وزير الخارجية السابق – وهو أحد رواد خروج بريطانيا من الاتحاد – أنّ هذه الهزيمة “ربما أكبر مما كانت تتوقعه الجماهير”. مضيفاً: “أعتقد اعتقادا راسخا أنّ هذه الصفقة ميتة”

لكن التحدث عن موت الصفقة يبدو سابقا لأوانه. صفقة تريزا ماي ستبقى على الطاولة ببقاء رئيسة الوزراء في منصبها. وفوزها في التصويت على الثقة يمنحها شيئا من الثقة والأمل رغم هزيمة مشروعها الثقيلة في البرلمان.

ومع اقتراب موعد الخروج، فإنّ ما تحتاجه بريطانيا بشكل عاجل ليس انتخابات عامة قد يدعو إليها حزب العمال الذي لم يثبت أنه يملك خطة بريكزت أفضل أو حلا للمأزق البرلماني. ولن تستفيد بريطانيا بالضرورة من حجب الثقة من رئيسة الوزراء أو استقالتها. تريزا مي استلمت منصبا صعبا ومسؤولية ثقيلة في ظرف صعب، لم يرغب في تحملها، ولا يرغب في تحملها أحد. ما تحتاجه بريطانيا بشكل عاجل هو تأجيل الخروج من الاتحاد الأوروبي المقرر يوم 29 آذار /مارس، والبقاء في الاتحاد الأوروبي في انتظار إيجاد حل لمأزق بريكست. وفي غياب إجماع في البرلمان على الحل الأنسب أو الصيغة المثلى لبريكست، قد تضطر الحكومة في آخر الأمر إلى العودة إلى الشعب البريطاني من خلال استفتاء يحدد ما إذا كان يختار صفقة تريزا ماي والخروج المنظم، أو الخروج

غير المنظم بغير صفقة، أو إلغاء الخروج كلية والبقاء في الاتحاد الأوروبي. ولعل البقاء في الاتحاد هو الأنسب لبريطانيا أو ربما الأقل ضررا لبلد أوربي مرتبط كل الارتباط بالاتحاد الأوربي.

مولود بن زادي – كاتب جزائري مقيم في بريطانيا

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدر حديثاً
صدر مؤخرأ
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°