أحدث الأخبار

أنا فقط… وسواي لا أحد / د. زياد الوهر

+ = -


د. زياد الوهر

فرعون: أنا ربكم الأعلى

يوليوس قيصر: أنا الدولة

الحَجاج بن يوسف الثقفي: أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني

مدام دي بومبادور (عشيقة لويس الخامس عشر): أنا ومن بعدي الطوفان

نجاح الموجي: أنا الشعب (من مسرحية المتزوجون)

كريستيانو رونالدو: أنا أفضل لاعب كرة قدم في العالم

المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم

أحد الحكام العرب: أنا الدولة أنا الحاضر والمستقبل

شخصيات معروفة ومقولات اشتهرت عنهم وكلها تؤكد الهوس بحب الذات والإغراق في النرجسية إلى درجة أن الإنسان لا يرى سوى نفسه… إنه الاعتداد بالنفس الذي يصل إلى مرحلة مَرَضية تُورِد صاحبها المهالك… طبعا باستثناء نجاح الموجي رحمه الله الذي كان يلعب دورا كوميدياً في مسرحية المتزوجون.

وكثيرا ما نسمع في اللقاءات الإعلامية والسياسية متحدثا يضع كلمة “الأنا” في كل جملة ينطق بها وينسب لنفسه الفضائل ولغيره المساوئ والأخطاء مما يسبب لدى المشاهد النفور وعدم الثقة بما يقوله. هذا الصنف من البشر لا يتعلم من التاريخ ولا من تجارب الآخرين فهو على صواب دائما ولا يدرك أن هذه السلوكيات مرفوضة وتُبعد عنه الناس وتخلق له الأعداء ونهايته غالبا تكون وخيمة.

وعلى الطرف الآخر لو استعملنا نفس “الأنا” في جمل أخرى قد تحمل في طياتها معان سامية وراقية مثل:

أنا آسف… أنا أحبك….

ديكارت: أنا أفكر إذاً أنا موجود

أبو فراس الحمداني: أنا مشتاق وعندي لوعةٌ ولكن مثلي لا يُذاع له سر

نزار قباني: أنا أفكر باختراع الناي حتى يأكل الفقراء؛ بعدي، (الميجنا)

محمد بن عبدالله نبي الله ورسوله: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة

بالتأكيد في هذه الحالة سنقدر الطرف الآخر ونحترمه وقد نعذره إن أخطأ، فهنا الحديث عن الذات لا يحمل في طياته الغرور والإحساس بالعظمة والفوقية على الناس.

الأنا مثلها مثل أي كلمة عربية إن تم وضعها في المكان الصحيح ستكون ذات رسالة سامية وإن وضِعت في المكان الخطأ فإنها تؤدي إلى تنامي الحقد والكراهية… وليس هنالك أفضل من قصة فرعون مصر التي تناولها القرآن الكريم بالكثير من التفصيل والتي انتهت بموته وجيشه غرقا وخلدها الله في كتابه الكريم.

لقد بلغت “الأنا” في فرعون أن قال:{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} هنا أصاب فرعون الغرور وغاب عنه العقل والمنطق وتلبّس رداء أكبر منه فأعماه عن رؤية الحقيقة الأزلية… أننا جميعا عباد الله ولا نملك من أمرنا شيئا.

أما الحَجاج فهذا الرجل كان مجرما سفّاحا يعشق سفك الدماء بشكل تعجز الكلمات عن وصفه… كان الناس يخشونه ويخافون بطشه وهو بعيد آلاف الكيلومترات… لأنه إن قال فعل… لم يردعه رادع ولم يوقفه ضمير أو وازع ديني أمام تحقيق أهدافه ومهما كانت الوسيلة… فعل كل

ذلك وأكثر وهو يعتقد اعتقادا جازما أنه ينفذ أمر الله ويحمي دينه ويخدم مولاه الوليد ابن عبد الملك وأبوه من قبله.

في حين أن يوليوس قيصر فقصته قد نالت شهرة واسعة بسبب المسرحية التي كتبها شكسبير باسم “يوليوس قيصر” كانت نهايته الموت طعنا على يد أقرب الناس منه وهم كاسيوس وبروتوس ولقد اشتهرت تلك العبارة “حتى أنت يا بروتوس” لأنه تفاجأ بغدر صديقه المقرب فما كان من بروتوس إلا أن قال: “لقد قتلتك ليس لقلَة حبي لك، بل لأني أحب روما أكثر”.

مدام دي بومبادور عشيقة لويس الخامس عشر والتي أطلق عليها لاحقا لقب الماركيزة… كانت تدعو الحاكم دائما للفتك بالآخرين دون رحمة ليدوم له الحكم والسطوة على البلاد التي كان يحكمها.

بينما رونالدو لاعب الكرة المشهور والذي فاز بعدد لا يُحصى من الجوائز وأذهلت قدراته الملايين من عشاق كرة القدم… يبدو أنه هو الآخر قد أصابه هذا الداء وأخشى ما أخشاه أن تكون نهايته مفجعة ويختم حياته بمأساة بعد أن كان سيد الملاعب الرياضية بلا منازع لسنوات خلت… وها هي البوادر قد أطلت برأسها.

وتبقى قصة نهاية الشاعر العربي المتنبي أفضل شاهد على النهاية الأليمة لكل من أصابه الغرور ووصل به إلى ادعاء النبوة ومدح السلطان والتزلف له من أجل المال والعطايا.

لقد تعرضنا جميعا كعرب لهذه الحالات المرَضية من ذوي السلطان في معركة التحرر العربي من نير الظلم والديكتاتورية التي أسماها البعض الربيع العربي… وصل الأمر إلى أن بعض القادة ظن أنه هو الدولة وهو الشعب وهو كل شيء وبدونه سيضيع الوطن ويعم الخراب وتشيع الفوضى… نعم قد يكون ذلك صحيحا من زاوية واحدة، أنهم كانوا حريصين على أن تكون الدولة دولة أشخاص كأنها حديقتهم الخاصة وليست دولة مؤسسات وبالتالي حصل الانهيار التام في ديارنا ولكنهم لم

يدركوا أن الأنا خاصتهم هي التي دمرت البلاد والعباد ونحن الآن ندفع ثمن أخطائهم التي ارتكبوها خلال عقود من الهوس بالذات وعشقها الجنوني.

عافانا الله وإياكم من هذا البلاء وأرشدنا إلى الطريق الصحيح الذي به تستقيم الأمور، وأن تنهض دولنا من عثراتها بعد أن طال الزمان علينا ونحن في ذيل الأمم وعلى أمل تحسّن الأوضاع إن شاء الله.

د. زياد الوهر

z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تعتقد أن مواجهات الضفة ستؤدي إلى انتفاضة جديديدة؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً