أحدث الأخبار

“قضايا الشّكل والمضمون في المسرح الفلسطيني” في إطار ((مهرجان فلسطين الوطني للمسرح.. (الجزء 1, 2) طرح: رجاء بكريّة

+ = -

طرح: رجاء بكريّة

“… لا نخطىء حين نعتقد أنّ التحدّي الأكبر تمثّلَ في تطوير مخيّلة النّص لا مادّتهُ لأنّ فقر المخيّلة هو السّبب في سقوط الأعمال العظيمة، وهذا ما حاول جاهدا تلافيه في طبيعة النّصوص المرتبِكَة خصوصا، فكانت إضافاتُه تفكيكا مضمونيا لإشكاليّات النّص لِتنوب عنه مشاهدَ تخييلِهِ..”

لا أذكر

تماما منذ متى لم أعرض للعلاقة المتجانسة أو المتضاربة بين هذين المتغيّرين في مقارباتي النّقديّة, وأعني (الشّكل والمضمون)، لكنّ ما أذكُرُه جيّدا أنّي جنحتُ إلى تأثيث رأيي الجمالي في مستوى العرض المسرحي بثقافة مزدوجة تحرص على توثيق أثر المضمون على الشّكل بتوازٍ حريص، وأعني أثر النّص على المظهر الدّارمي من منطلق الحاجة المتبادلة بينهما لاستكمال الحالة المشهديّة في أسمى

تجلّياتها لدى جمهور الهدف، وأعني تحديدا ما اصطُلِحَ على تسميتِهِ “بالفِتنة المشهديّة”

وإذ أؤكّد هذه الحقيقة، لا لأنفي فكرة تفوّق أحدهما على الآخر وتفرّدهِ بالجمهور لحظة يُملي شروطَهُ عليه، بقدر ما أؤكّد أنّ لحظة الانفصال تلك، لا بدّ أن يسبقها اختلالا في الرّؤية الجماليّة لإعدادات العرض وخروجها عن مألوف ما يراه المضمون مناسبا، ولعلّهُ ما يناسبنا تماما حين نعرض لهذا الصّراع الخفيّ-مُعلَن بينهما، أن نعترف، ما لم يتجاوز الشّكل إملاءات المضامين الكثيرة في المسرح عامّة، والفِلسطيني خاصّة فلن نحظى بلحظة الإدهاش القابضة للأنفاس الّتي نتوخّاها من العروض الّتي نرتادها لنختلف أو نتّفق على مذاقِ متعتها.

1)) أهوُ حاجة الشّكل إلى المضمون، أم أنّهُ العكس؟

هو، تساؤلنا الأوّل حول حاجة المادّة المسرحيّة لإطار يترجمها, لأيّ مدى ولماذا؟

بالعادة، خوفنا من تسيّب الحالة المسرحيّة يدفعنا للالتصاق بفكرة هندسة إطار يحتوي الفكرة قبل انطلاقها، لكن بحدود، لئلا نهدم المرجعيّات الّتي تُقَوْنِن انتماءنا لفكرة العرض. وأكاد أجزم أنّ جلّ التّجارب المسرحيّة الضيّقة والمتواضعة وقعت في فخّ التردّد وسوء الخيارات فخرجت إلى النّاس باهتة ومحدودة الألق، ونحن نسعى لتحقيق حالة الانبهار الحقيقي بالعرض عبر الطّواقم المسرحيّة المتلهفّة. والواضح أنّ معظم التّجارب الأخرى الّتي غامرت حين انتقت من المضامين ما يناسب رؤياها الشّخصيّة وأسّست لفكرة تجاوزت الأطر الّتي يذهب بعض المخرجين لحصرها بين السّقف والحائط، وحدها أثبتت جدارة حضورها.

إذا, حين نتحدّث عن حاجة الشّكل المسرحي إلى مضامين تعرض إلى مساحاته فنحن لا نعني بالضّرورة ترجمة السّيناريو المسرحي إلى أبعاد ثابتة بقدر ما ندعو

إلى تصفيتها, وتحكيم الذّائقة الشّخصيّة لتحديد الفكرة أو مجموع الأفكار الّتي لا تسير بنفس اتّجاه المخيّلة كي نؤسّس لشكل جديد يخالف السّائد، وينتصر لمذهب جديد في تأدية أشكال صناعتها، شرط ألا تؤدّي بنا إلى تضليل النّص وفرض شكل دخيل لا يتجانس معه أو يتجاوزه، بل يزيد، حين يوقعُهُ في تداعيات خاطئة.

2) حين يُلغي الشّكل طموح المضامين !

كنموذج أوّليّ لاستعراض تجنّى فيه المضمون على الشّكل المسرحي، وأبدأه مقلوبا، أسوقُ عرضا لمسرحيّة “رحلة صعبة رحلة جبليّة”، (مسرح الميدان، 07 ) باعتماد المضمون كصياغة مجدّدة لنص فدوى طوقان حول سيرتها الذّاتيّة. في هذا العرض يطمح الشّكل المسرحي للتفوّق على مضمونهِ عبر فانتازيا غير مألوفة. (أورنا عقّاد،07)أدّى بهِ لشكل يفتقر للمصداقيّة المعلوماتيّة والشّكليّة. حيث حرصت أورنا عقّاد على استحضار روح فدوى طوقان ضمن بُعدَين مسرحيّين يتصارعان عبر الحُلُم في مسيرة البحث، فيهِ يتداخَلَ صوت فدوى الثّائرة الّذي أدّتهُ سلوى نقّارة مع فدوى المُطالِبة بالإنصياع للتّقاليد بأداء سناء لهب.

شكل الصّراع المشهدي عبر الشّخصيّة المركزيّة طوقان، المُنقسِمة على ذاتين بدا هزيلا وموضعَ تساؤل لدى جمهور الهدف حينَ اختصَرت الهالة الّتي أحاطت بالنّموذج الأصل، طوقان، عبر حِوارٍ مُقحَمٍ، برأيي، لا يغذّي أبعاد المضمون الغنيّ بذاته أَصلا، والمُختَزَل من صورة فدوى الإنسانة الثّائرة. زِد على ذلك إقحام قصاصات من لقاءات سياسيّة لذاكرة الحلم الّتي لفدوى خلال شكل المواجهة، من

(رحلة صعبة رحلة جبليّة)

وجهة نظر شخصيّة بحتة للمخرجة. الأمر الّذي أساء لصورة فدوى كتاريخ انتماء وطني وتحديدا لقاء جمعها بموشيه ديّان. هذا التشوّش في رؤية إخراجيّة تريد أن تثبت معرفة لا يحتاج السَيناريو المسرحي لها أسقطهُ وسط دويّ هائل من عين المُشاهِد. واعتقادنا المتواضع أنّ المشرف على تأثيث الشّكل المسرحي أخطأ في فهم مضامين الثّورة الّتي خرجت بها فدوى في تلك البيئة المحافظة إلى العالم، حتّى باتت فكرة خلق مواجهة ضمن صوتين مجسّدتين في دائرتين ونقلهما إلى مسرح أكبر هو صالة الجمهور بهدف تحريضِهِ ضمن فكرة المسرح المتداخل، استثنائيّا ونافلا لحدّ بعيد. لقد انزلق المشهدين لصراع شخصيّ نشأ عن تداعي

الحدث. حيث حاولت كلٌّ منهما تجاوز موهبة الأخرى، على اعتبار أنّهما متساويتان أداء وتجربة، ما لا نجزم بصحّتهِ بأيّ حال.

يرتبط هذا النّموذج المسرحي، آنف الذّكر، عن الآخر الّذي سنعرض لفنيّته الاستثنائيّة في تحديد شكله أمام الجمهور في التّسعينيّات بتجربة أخرى غنيّة لنثبت أنّ تقادم العمل ليس سببا في تجاوز الجيل المسرحي الجديد لقيمتهِ الفكريّة والفنيّة هو “رأس المملوك جابر”، مسرحيّة سياسيّة بامتياز للسّوري سعدالله ونّوس الّتي تتحدّث عن الصّراع على السلطة، بثمن انسحاق الشّعب. وقد تمّ إعدادها من قبل طاقم مسرح (بيت الكرمة) للمخرج فؤاد عوض.

في هذا العمل حصل التباس نوعيّ بين مساحتي العرض، وصالة الجمهور، التباس اتّسعت فيهِ دائرة المشاكسة بين المسرحين المتداخلين ضمن شكل مسرحي لافت، لشكل الظّهور الفنّي للأدوار، فالأقنعة والألبسة الخاصّة بالفترة الزمنيّة، والأضواء المتداخلة اختيرت بعناية، فأحدثت تشويقاً مُكثّفاً للسيناريو المسرحي، وجذبا نوعيّا لجمهور الهدف، تحقّقَ متعةَ مشاهدة نادرة.

واعتقادنا أنّ تجربةَ المسرح المتداخل، (مسرح داخل مسرح)، الّذي غذّتهُ معظم أعمال سعدالله ونّوس أحدثت متعة فائقة وراكمت التّجربة، فالتّجانس بعيد النّظر بين الشّكل الّذي اختير لمساحة العرض ومرجعيّاته المضمونيّة امتلك فنيّة ورؤية شخصيّة بعيدة، ما لم تنجح أورنا عقّاد في تحقيقهِ، ومهما جنّدت من تقنيّات الظّلال والإثارة والإضاءة. فالواضح، بالرّجوع إلى النّموذجين أيّ شكل حرصنا على تقديمهِ لجمهورنا في مسرحنا الفلسطيني. لقد ظلّت مدرسة المسرح المتداخل الّذي ثوّر بركانه بيرتولد بريخت إحدى الأصول الشّكليّة الّتي جُنّدت بذكاء ولضرورة، هذا إذا أضيفت الثّقافة الفنيّة الّتي لمخرجي هذا النّوع من الأعمال فسوف تُضفي لغتُها الفنيّة تميّزا استثنائيّا في أسلوب تعديل الحوار المضموني عند تصفيتهِ النّهائيّة.

واعتقادنا الشّخصي أنّها، هي الأسباب الّتي حقّقت لمسرحيّة، “رأس المملوك جابر” انتشارها غير المسبوق، ذكاء المهنيّة في انتقاء الشّكل المسرحي ضمن رؤية فنيّة ناضجة في حواره مع المادّة وجمهور الهدف.

3) ثمّ ماذا؟

لم يقتصر استعارة الشّكل المسرحي آنف الّذكر، “المسرح داخل مسرح” على عملين، بل نكاد نجزم بفكرة رواج هذا اللّون المسرحي كمذهب وشكل فنّي ناجح في تلك الفترة وما بعدها إلى يومنا هذا، مع تفاوت الأثر في تكنيكها الفنّي لدى كلّ مخرج وآخر، لكن ما نعرفه جيّدا أنّ المهنيّة ظلّت بين قوسي مساءلة.

في إشارة لافتة للأعمال الماثلة في ذاكرة المسرح نستذكر أعمال منير بكري في أسلوب تذويته لشكل مسرحي مثير للإهتمام، ضمن عمله على مسرحيّة “بياض العينين”، 05 مع تأكيدِنا على رؤية فنيّة متفرّدة في معظم أعماله المسرحيّة. لقد أسّسس بكري لمسرح الدّاخل مسرحا يخصّ بصمتَهُ ورؤيته النّافذة، واللّافت بحدّة

أنّه لم ينشىء هدنة بين الشّكل والمضمون الّذين يعالجهما، بل، بحثَ دائما عن شكل نوعيّ يخصُهُ هوَ يستجيبُ لشغفِهِ الشّخصيّ بالمميّز المهمّش أحيانا في المضامين الّتي يعثر عليها. وغالبا أضاء عتمة مدهشة لا يراها إلّاهُ في متن العمل المسرحي لحظة تجلّيه. لن نفاضلَ بينَ درجات التفوّق في أعماله، لكن من المهمّ أن نؤكّد أنّه أنشأ في “بياض العينين” مجابهات دراميّة تخصّ رؤيته، تتواجه، في ذات اللّحظة، فتنشىء تصعيدا دراميّا خلّابا. تتداخل بقدر ما تنفصل, تتلاحم بقدر ما تبتعد، تتعالى تتصارع ولا تسقط . فعلَ وفي ذهنهِ هاجس واحد أن يخلقَ مساحة لرؤية فنيّة أرحب من المضامين البسيطة تستوعب مخيّلته. لا نخطىء حين نعتقد أنّ التحدّي الأكبر تمثّلَ في تطوير مخيّلة النّص لا مادّتهُ، لأنّ فقر المخيّلة هو السّبب في سقوط الأعمال العظيمة، وهذا ما حاول جاهدا تلافيه في طبيعة النّصوص المرتبِكَة خصوصا، فكانت إضافاتُه تفكيكا مضمونيا لإشكاليّات النّص لِتنوب عنه مشاهدَ تخييلِهِ، أضف إليها الأضواء والدّيكور الّذي لا تتصوّر كيف سيقتطعهُ قبل أن تفاجئكَ فكرته مجسّدة.

ملاحظاتي حول الأشكال المسرحيّة لدى بكري تحديدا تتعلّق بأشكال الحداثة المسرحيّة الّتي تكسر المضامين حين تُخلّ بشروط نجاحها، وإسعاف المضامين بمتصرّفات المخيّلة الّتي تمتلك أبجديّة أشدّ اتّساعا من الكلمة، وعمليّا هو ما نرتأيه من المسرح الفلسطيني الحالي، أن ينشىء أبجديّة شكليّة جديدة تتفوّق على السّيناريو حين يُخفق في تجلّي مضامينه، علينا أن نعثر على خطّة إخراجيّة بديلة من بنات الرّؤية الفنيّة للمخرج ذاته، غير مستوردة ولا تعتمد على الطّروحات الجاهزة للمدارس المسرحيّة، بل تتجاوزها إلى ذواتنا لأنّها بيتُ المخيّلة الحقيقيّة الّتي تغيب كثيرا عن أعمالِنا

(الجزء, 2)

طرح: رجاء بكريّة

“..فليس من واجبِ المسرح توثيق مرجعيّات المضامين بقدر ما هو مُلزَم بتفنين أبعادِها، وهو يعني استشفاف الإستثنائي ليس في طروحات النّص بل حركَتِهِ وصُوَرهِ، وأعني غرابة واختلاف صوتِها وإيقاعِها المضموني وإعادة صياغتها كنصٍّ

يغامر في الغريبِ النّادر والمُفاجىء”

.. وإذ أسوقُ مسرحيّة “بياض العينين” أستذكر بذات الحماس وأكثر مسرحيديّة “رقصتي مع أبي” لذات المخرج، وهي حكاية ساحرة لطفل مُعاق يفقد سنده الوحيد في الحياة، والده، فيعيش على ذاكرة الماضي ومشاهدها المؤثّرة. بكري ذاتهُ الّذي خذلنا في عرضه المُتقدِّم لمهرجان فلسطين الوطني الأوّل، حيثُ بثّ فيها من فلسفتهِ الفكريّة وتجربتهِ الفنيّة ما لا يمكن اختصاره بسطرين في تأويل عالم نصّ مركّب من أصول غير عربيّة.

يُعتبر هذا النّموذج المسرحي، بمستوله الشّكلاني مُرادفا نوعيّا للتّعبير الحركي الرّاقص، البانتو-ميم حتّى لحظة ارتفاع صخب المونولوج الصّوتي للبطلة، إذ يحلّق بكري ويخلق فضاءات أشدّ اتّساعا من الكلمة ومسافات المونولوج بتداخل نبراتهِ. مونولوج لا تملّ مضامينهُ مهما طال على لسان البطلة سلمى خشيبون. لا نبالغ حين نضيف أنّ شفافيّة المعالجة الحذرة مكّنتهُ من إفراغ النّص من تركيبتهِ الغريبة حينَ يترجم للعربيّة ويُسقِط مُعيقات وصولهِ إلى المتلقّي، وأعني أنّه أحال اللّغة إلى مادّة جماليّة بحتة طيّعة على لسان البطلة، وزاوج بين الحركة والموسيقى التّصويريّة حتّى خيّل إلينا أنّنا نتموّجُ مع الحركة واللّحن معا. نوع من

الإشباع الحسّي المثير للجدل حين يأخذنا إلى كلّ مكان ويعيدنا إليه بذات اللّهفة والعطش.

إذا، “رقصتي مع أبي” تشكّل نموذجا حيّا لتجانس دافىء بين شكل ومضمون مطوّر عن الأصل لغة فكرة، حركة وإيقاعا، حتّى تجاوُزِهِ، وسط مراعاة لافتة لإضاءة مشبعة بمشاعر نصّها، بل أنّها تجاوزتها من حيث بُعدِها التّخييلي. بديهيّا إذا، في عمل تجاوز إيقاِعه الشّكلي مضمونه أن يعيد رقصتهُ أرحب جاذبيّة وحضورا ويظلَّ على دهشةِ حُضورهِ الأولى.

4) فاصلة أخرى

فهل أضافت مسرحيّة “العاجزون” للرّاحل رياض مصاروة مقارنة مع سواها لرصيد التّجديد في الأشكال المسرحيّة لغة شكليّة جديدة حين تحاور مضامينها؟

للإجابة على سؤال كهذا علينا أن نتذكّر أن حجر الزّاوية لمسرحيّة الرّاحل رياض مصاروة سنة 05 الّتي أشرَف على إخراجها بنفسه يتلخّص بمفهوم العجز ببعديه السّياسي والجسدي، وغالبا يتمخّض البعد الثّاني عن الأوّل، كفلسفة مفروضة على النّص برؤيته الذّاتيّة.

لقد قدّم فكرته على اعتبار أن مرجعيّات العجز السّياسي الفلسطيني جنسيّة، فالنّموذج الّذي عرض إليه يقدّم مجموعة رجال بمرجعيّات سياسيّة مشوّهة ومتفاوتة، وللإيضاح فإنّ الكاتب والمخرج مصاروة يعزو حالة العجز الجنسي للعجز السّياسي، على اعتبار أنّ العقم السّياسي حالة فلسطينيّة مستشرية في الرّجولة، فهل أمكن للشّكل المسرحي الّذي توزّع بين دوائر غير مكتملة لحوارات متلاحقة بين امرأة واحدة مثيرة وسط رجال أن يُشبعَ المضمون الفكري ويحقّقَ طموحاته؟

باعتقادنا، تَلاحُق وتيرة المجابهات ضمن حلقات متداخلة أغنت الشّكل الدرامي المضموني لحدّ بعيد فأنشأت لها منطقا خاصّا في التّداخل الصّوتي، وهو أحد الأشكال المتفرّدة لمصاروة، إثارة الحوار بين مساحتيّ العرض والصّالة عن بعد وبدون تدخّل الجمهور ولو أراد، ولكنّه ظلّ مُحرَّضاً بسببِ خروجِ الدّوائر مجزّءة وناقصة، لم يعوّضها ابتكارا لافتا لأشكال الأداء، كأنّ تواطؤا جرى بين المخرج والمضمون لاحتكار بُعدَين في بُعد واحد. والإجابة ظلّت في حضن الجمهور الّذي تخبّط مع دوائر المواجهة من بعيد.

ستنقلنا العاجزون” مباشرة لشكل مسرحي اخر لمسرح الحكواتي لسنة 05. في مركزه مسرحيّة “جداريّة” فلسطينيّة صافية، بإشراف إخراجي لأمير زعبي. وإعداد خليفة ناطور، كنموذج استثنائي لشكل مسرحي تجريبي بعينيّ بما أنّنا نتحدّث عن نص شعري لشاعر استثنائي هو محمود درويش. نصّ يجرؤ على المغامرة بإيقاعٍ عالي النّبض.

علينا أن نتذكّر، أنّ هذا النّوع من النّصوص يستدعي استعدادا نفسيّا لدى المشرف على إخراجه وإيقاعا صوتيّا خافت الوتيرة، يصغي خلاله بحِرفيّة بالغة لعلاقة النّبرة الحسيّة المتداخلة بإيقاع اللّحن الخارجي للنّص. ذلك لأنّ الشّعر أٍساسا مغامرة من نوع آخر في التّجربة الإخراجيّة، ولا بدّ أن تفرض مسرحيّة “أذكر” للرّاحل شكيب جهشان حضورها على المشهد حين نتناول عرضاً شعريّاً، مع اختلاف مرجعي المُعالَجة. بدا واضحا آنذاك أنّ مرجعيّات النّص الغنائيّة أملت لحدّ بعيد الشّكل الإخراجي الرّاقص الّذي اختير لعمل “أذكُرُ”، وبدا أنّ لشاعر النصّ في جداريّة أثرا بعيدا على سياستهِ الإخراجيّة. على المستويين التّعبيري-حسّي ارتبط العمل مضمونا وإخراجا بظروف كتابته أيضا، حيث رقد درويش في المستشفى، وهذا ما لا أعتبرهُ تحديدا لصالح العمل بأيّ حال، أو أنّ السّياسة الإخراجيّة أخطأت حين حرصت على التّرجمة الذّاتية لهذا النّص الشّعري.

فالشّكل الإخراجي للنّص في علاقتهِ بالمضامين الأخرى، بعينيّ، لم يلبِّ تطلّعاتهِ الحسيّة تحديدا، إيقاعا وصوتا. فليس من واجبِ المسرح توثيق مرجعيّات المضامين بقدر ما هو مُلزَم بتفنين أبعادِها، وهو يعني استشفاف الإستثنائي ليس في طروحات النّص بل حركَتِهِ وصُوَرهِ، وأعني غرابة واختلاف صوتِها وإيقاعِها المضموني وإعادة صياغتها كنصٍّ يُغامر في الغريبِ النّادر والمُفاجىء. بطبيعة الحال لن نهمل بعض نتف تفرّقت على طول العمل حرصا من المخرج والمشرف على السّينوغرافيا على جوهر السّيرة الذّاتيّة. فهل كنّا بحاجة لخلق لغة بمستوى آخر تدمج الشّكل الإخراجي بالحوارين الباطني (المونولوج) والخارجي ( الدّيالوج) على نحو يثري التّجربة الحياتيّة للنّص، أم إلى سينوغرافيا من نوع آخر تأخذ من السّيرة مادّة تُغني التصوّر البديل للطّابع الذّاتي؟ هذا، على اعتبار أنّ الفكرتين مشتقّتين من سيرة درويش الذّاتيّة.

ووسط الإضاءة العالية واللّغة الحسيّة الزّخِمة لشعر استحال إلى أغانٍ، لم أعثر على الخيط الحسّي الشّفاف لدرويش مع السّرير الّذي تغنّى أمام جمهور الهدف بخيالاتهِ. للمخيّلة بعينيّ تشظّيات أخرى تخرج من شفافيّة المخرج ذاتهَ. لا تأتي إليه بل تخرج منه تلقائيّا لتثري النّص وتَصِلُهُ بعوالَمِه. في جداريّة قدّم مسرح الحكواتي شكلا مسرحيّا ثرّ الحركة باهر الأضواء والدّيكور، بعيد الأثر، لكنّ علاقته بالمضمون بدت شحيحة، أعزوها شخصيّا لتأخّر إيقاعات أصول المضامين الدّاخليّة في الوصول. نحنُ نتوقّع في نصٍّ كهذا تَصَدُّر الشّكل لدرجة تغييب أبعاد النّص الأصلي، والإستعاضة عنه بظلّه التّخييلي من منطلق تجريبي بحت، كما سبق وذيّلنا، لنشوء أبعاد لمخيّلة فضفاضة. ومهما اختلفت الرّؤية الإخراجيّة عن الأخرى المضمونيّة فإنّها تظلّ مشدودة في أصولها إليه، وإذا عجزَت عن تجاوز أبعادهِ النصيّة بهدف إضاءة جماليّاتها الماورائيّة فلا نعتقد أنّها تحتاج مسرحا يُؤدّيها، لأنّ الأداء الفنّي تفاصيل، ومغامرة فكريّة جاهزة لقلب المعايير، يعرفه معروفة في قاموس الحالة المسرحيّة.

هي على الأقل رؤيتي الشّخصيّة في هذه العلاقة المركّبة بين عالمين يتفاوضان بشراسة على حقّ الواحد في التفوّق على الآخر في قلب الهدف.

ورغم ما أسلفناهُ فقد منح الإسم الحار لدرويش في الثّقافة العالميّة حضورا غير مسبوق لمسرحيّة “جداريّة” إذ مثّلت المسرح الفلسطيني في المسرح الأجنبي والعربي معا، وعلى نطاق واسع، وهو إنجاز يستحقّ أن نحتفي بأثَرِهِ لكن ليس على حساب نصوص الأسماء الجاهزة الّتي لنا، والمذاق الإخراجي الّتي لها. والواضح فعلا أنّ التّجربة المسرحيّة للمسرح الفلسطيني تحتاج المزيد من المغامرة في مناحيها الشّكليّة الحاليّة، بل والفلسفة المضمونيّة. فالمسرح ليس فُرجة مجّانيّة، بل فعلُ سحر يُنتِج حالة استثنائيّة لواقع مُتخيّل كما أشار بنتلي. فهل

تمكّنت التّجارب الشّبابيّة الّتي خرجت بأعمال عدّة، وفي ظنّها أنّها تقدّمُ أطُراً شكليّة مُغامِرة أن تَمنح لغة جديدة للمسرح التّجريبي على الأقل؟

للآن، لم أشهد مضمونا يتجاوز ما تابعناهُ، حتّى لحظات عرض (مسرح الحريّة_جنين) في مهرجان المسرح الفلسطيني الأوّل، “مروِّح على فلسطين”. بإمكانيّات بسيطة مصدرها لغة الجسد تجاوزوا الفِتنة المَشهديّة بكثير. والجدير ذكرهُ أنّ التّجارب الشّبابيّة ظلّت تُعَوّل على المُجابهات الفكريّة في معظمها بادّعاء غياب الميزانيّات، مع العلم أنّ المسرح الذّهني أثبت فشل حضوره بمعزل عن شكل يثوّرُ معانيه. حتّى التّجارب المونودراميّة (مسرح المونودراما) بات ومنذ سنوات يستسهل الخوض في نصوص مُغامِرة، ويعتقدُ معتنقوهُ أنّ فنّ الصّراخ أو القفز، المونولوج الطّويل أو الدّيكور الفوضوي مصحوبا بنبرة حالمة سيغفر مثلا لضحالتهِ.

لكن, ما نُدركهُ جيّدا أنّ المسرح باختلاف مسمّياته يحتاجُ إعادة نظر في العثور على نصوصهِ أو إعدادها. وأنّ الشّكل المسرحي الّذي يخصّنا يجب أن يستفيد من الأشكال الأوبراليّة مثلا، والتّجريبيّة، والمتداخلة. وباعتقادنا، تكاثف كلّ هذا الفراغ وسط غياب الأداء الإستثنائي في معظم العروض يشكّلُ خطرا نوعيّا علينا تَدارُكَهُ، وحتما علينا ألاّ نُعوّل على أشكال التّعبير الغنائي كركيزة، لحشد الضّحالة بالامتلاء.

حيفا، 26 سبتمبر،018

rajaabk@gmail.co

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم محاكمة ولي العهد السعودي في قصية مقتل خاشقجي؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً