أحدث الأخبار

فلسطين بين ثقافتين: الإحياء والموات / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخmajed1

في غزة شعب يقاوم الاحتلال، لكن مقاومة الاحتلال بصنوف شتى من الاستبداد، وسلوك ضروب شتى من القمع والارهاب، وحفلات “الاستتابة” للأطفال في المدارس، والتعاطي مع كل أفراد الشعب وكأنهم قصر وناقصو عقل ودين، لا يقدم أي إفادة لموضوعة المقاومة، بقدر الإضرار بها وبما يفترض أنه مجتمعها وحاضنتها الشعبية.

في غزة شعب يتوق للحرية، كباقي البشر الذين يعيشون على أمل الحياة والاستمتاع بها وبملذاتها وأطايبها، بدل العيش في الحداد الدائم والعذاب القائم فوق الأرض وتحت التراب، على أن انعدام الحياة المدنية الطبيعية، في بقعة يحاصرها الحصار من كل الجهات، حتى من جهة البحر، في وقت لم يعد هناك لا ميناء ولا مطار يربط غزة بالعالم الخارجي.

كل هذا يجعل غزة أكثر توقا لاستعادة روحها الأدبية والفنية من قبضة الأيديولوجيا السوداء المعتمة، حيث لا مسرح ولا سينما ولا موسيقى ولا أماكن أو أدوات ترفيه، ومؤخرا احتضن الهواء الطلق في غزة، سينما، جعلت المحرر الثقافي لموقع “أمد” يكتب ليقول: “في غزة سينما، مخرج مجنون اسمه خليل المزين، معجون بالكاميرا وبالعتمة، صالات مستأجرة مقبولة نوعاً ما لعرض الأفلام، ووزارة ثقافة خائفة من غضب الله عليها لو سمحت بظهور السجينات الفلسطينيات في فلم 3000 ليلة بملابس غير محتشمة، رجال أمن بأجهزة إتصالات حديثة وأحذية عسكرية ومسدسات، وظيفتها أن تفصل النساء عن الرجال في صالة العرض، أطفال بعمر العام والجدة صفية حضروا، فتيات بكامل فطرتهن وأناقتهن.

لينهي المحرر الثقافي مقالته حول هذا الحدث الأهم على الصعيد الثقافي بالقول: (دعونا نحارب الاحتلال بطريقتنا. على سبيل المثال في فلم “سارة” البطل الحقيقي كانت كاميرا المصور المحترف ابراهيم ياغي. اسبوع السجادة انتهى. واقفلت دار العرض ابوابها غادر الممثلون ونحن على موعد قريب مع السينما من جديد.. تحية حب للجمهور الذي كان هو البطل الحقيقي في هذا العرس السينمائي.. لضابط المباحث الذي أدرك أن هناك أناساً غير مرتاحين من هذا الفرح المرسوم على وجوه الصبايا والشباب فدافع عنهم. الجمهور كبير كان بالكم والرقي. في نهاية عرض فلم “سارة” قال خليل أنا أقبل كل شخص حضر هذا المهرجان، وأنا أقول شكراً لكم شكراً للجميلة غزة).

في رام الله لا يختلف الوضع كثيرا عما يدور في غزة، من استبداد مقيم، تعممه السلطة والاحتلال على حد سواء، وما بينهما سلطة “المعارضة”، قرينة تلك السلطة القائمة في غزة.

في رام الله ماتت الثقافة وسلطة الثقافة، وغاب المثقفون، إلا من البعض القليل، ممن يصرّفون الأعمال الإدارية لما يفترض إنها الثقافة الفلسطينية تحت الاحتلال وفي مواجهته، وعلى طريقة الاحتفاءات السنوية بإقامة معارض للكتاب، احتفت رام الله بإقامة معرض كتابها هذا العام، وعلى هامشه احتفى الداخل الفلسطيني بفوز الروائي ربعي المدهون بجائزة البوكر العربية عن روايته “مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة” وبإقامة بعض الأمسيات الشعرية وغيرها من الفعاليات الثقافية.

أما في داخل الداخل، (الجليل الفلسطيني المحتل عام 1948)، وضمن الدّورة التّاسعة لاحتفاليّة فلسطين للأدب، نظّمت جمعيّة الثّقافة العربيّة، كما في كلّ عام، احتفاليّة حيفا، تحت عنوان “نصوص منثورة في المدينة”، وذلك يوم الثّلاثاء 24 أيار (مايو) 2016، استضافت فيها 30 صوتًا في الشّعر والأدب من فلسطين والشّتات والعالم العربيّ والعالم، بمشاركات حيّة وعبر الفيديو. وذلك في الفضاءات العامّة للمدينة، من مقاهي ومساحات ثقافيّة وفنّيّة، بالإضافة إلى المركز الثّقافيّ العربيّ. وقد ضمت احتفاليّة الأدب في حيفا مشاركات حيّة لكتّاب وشعراء فلسطينيّين ومن الجولان السّوري المحتلّ ومشاركات عبر الفيديو من الشّتات والعالم العربيّ، بما في

هذه الخطوة من أشكال حضور المبدعين الفلسطينيّين والعرب في حيفا الفلسطينيّة، رغمًا عن أنف الحدود والحواجز(حدود وحواجز الاحتلال)..

لا تستطيع الثقافة أن تصرّف أعمالها وانشغالاتها وتوزع مؤثراتها، إلا في أجواء من الفرح والحرية، طالما أن مهمتها إسعاد الروح لا قبضها، ورميها كجيفة لدى محترفي السلطة، واستعمالها واستخدامها دريئة للمصالح الزبائنية الخاصة، فكيف حين يكون الواقع محتلا من قبل سلطتين تنسقان أمن الاحتلال، ولا تلتفتان إلى أمن الواقع الفلسطيني الموزع بين احتلال قديم، واستبداد مقيم، في كل أراضي فلسطين التاريخية.

في فلسطين شعب يتوق للحرية والاستقلال، وتذوق طعم تحقق الحلم الجماعي بوطن متحرر من الاحتلال والاستبداد والفساد، وكل سلطة تقمع إرادة الناس وتمنعهم من ممارسة حريتهم في تحرير وبناء وطن الآباء والأجداد، واستعادته حرا من ظلم الاحتلال صاحب النكبتين الأولى والثانية ، ومن كل أشكال وصنوف القمع والارهاب والاستبداد، لآصحابه أولئك الذين غيبوا العقل والعقلانية ورذلوهما، انتصارا للتكفير على حساب الفهم والتفكير وإرادة التغيير.

في فلسطين ثقافة ترنو إلى المستقبل، كي تصنع منه ورد الحدائق ونسائم الحرية. ثقافة مقاومة لا تساوم أو تساق سوق العبيد، تقاوم كل من يعترض طريقها، لا تنحني كل ما مر النسيم، بل تنهض دائما وأبدا دفاعا عن قضية قضايا الوطن: فلسطين تاريخا وجغرافيا وديموغرافيا يستحيل أن تموت.

كم أملنا ونأمل أن تنتصر الثقافة كي يفرح الوطن، وكم نأمل ان ينتصر الوطن، كي تكون الثقافة فرحنا الدائم.

الوسم


أترك تعليق

يجب عليك الدخول لترك تعليق.

اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°