أحدث الأخبار

كاتب للإيجار / د. زياد الوهر

+ = -

 د. زياد الوهر

استدعاه سكرتير مكتب الوزير على عجل لأمر طارئ وما أن وصل حتى أبلغه أن معاليه يريده أن يقوم بنشر سلسلة مقالات عن قضية التخابر مع العدو الصهيوني لأجل تغطية الموضوع ودرء الشبهات التي تدور حول الوزير مما يهدد منصبه وموقعه بعد أن وصلت الأخبار للصحافة الدولية بأن الوزير كان على تواصل مع عناصر من الحكومة الصهيونية من أجل التطبيع المستقبلي بين الدولتين من خلال لقاءاته المتعددة معهم في جزيرة مالطا.

قال: حسنا، أنا جاهز فهل الشيك جاهز أيضا؟
السكرتير: نعم، ولكنه ليس شيك بل هو مبلغ نقدي… أنت تعرف الإجراءات… وأعتقد أن المبلغ كافٍ جدا لتغطية مجموعة مقالات… ولكن معالي الوزير يريدها مقالات قوية ومؤثرة تغير المزاج العام في الشارع المحلي وتخرج معاليه من الحرج… بمعنى آخر جد له مخرجا مشرّفاً يستطيع فيه أن يرد على إدعاءات الصحافة الصهيوينة وإلا فإنه لن يكون سعيدا… وأنت تعرف معنى ذلك، إلى اللقاء
قال: شكرا جزيلا… وأبلغ معاليه أني سأكون عند حسن ظنه طالما أن الأمر يسير والخير وفير

ذهب الكاتب لمنزله وهو مزهوا سعيدا بما حصده وأعد العدة لكتابة سلسلة مقالات يحاول فيها أن يلمع إنجازات الوزير الوطنية وأدواره المتعددة في تفعيل المقاطعة العربية الإسرائيلية.

كان مقاله الأول بعنوان “إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”

وقال فيه… إن من تدور حوله الشائعات هو ذلك الشخص الذي يتمنى العدو الصهيوني أن تسقط صورته الوطنية المشرفة. لقد قالوا في معاليه ذلك لأنه رفض الخضوع للإملاءات والضغوط والإغراءات من أطراف متعددة… إنه الوزير الذي يحمل الوطن في قلبه وأحشائه ويحمل هموم المواطن على كتفيه، وتشكل فلسطين له كابوسا لا ينام بسببه حتى يعيد الحقوق والأرض لأصحابها… ما بال بعضكم لا ينفك يهاجم شخصا وقف أمام التطبيع ويمثل لهم عقبة كأداء لا يستطيعون تجاوزها…

وفي اليوم التالي كان عنوان مقاله الثاني “فلسطين أولا” وفيه ذكر إنجازات الوزير في سبيل قضية فلسطين ومحاربة الصهيونية حتى تم اتهامه بمعاداة السامية ورفعوا عليه عدة قضايا في المحاكم الدولية للنيل من صموده ومواقفه الوطنية الراسخة… وهكذا تتابعت مقالاته الواحد تلو الآخر أملا في أن يعيد ثقة الشارع بالوزير الذي أسعدته مقالات هذا الكاتب بعد أن ضمن قلمه وولاءه.

كان وقع مقالات الكاتب الأجير فعالا وها هي صورة الوزير قد بدأت تغيظ الأعداء والأصدقاء، فثقة الناس بنزاهة قلم هذا الكاتب كبيرة نظرا لكتاباته المتعددة في كشف رؤوس الفساد والعملاء والخونة.

استثمر الكاتب هذا النصر العظيم وبدأ يؤجر قلمه لكل باحث عن كاتب للإيجار، فالكتابة لم تكن يوما مصدر دخل يدر عليه المال ويرفع من مقامه الاجتماعي بل على العكس زاد خصومه شراسة وخسر دعم الكثير من المسؤولين المتنفذين في الدولة حتى دفع ثمن ذلك؛ السجن لمدة سنتين بتهمة ازدراء الحكومة وبث الفتنة الطائفية لأنه أخل بالنسيج الاجتماعي للوطن كما جاء في نص الحكم الصادر ضده… حينها قرر أن “يتأدب” وأن يحول مسار حياته ليضمن رضى السلطة وأصحاب النفوذ وفي نفس الوقت يزيد رصيده البنكي بأرقام لم يكن يحلم بها أو يتخيلها.

ومنذ ذلك اليوم وهو يؤجر قلمه خدمة لمصلحته الخاصة وليذهب الشعب والوطن والمبادئ للجحيم… ولسان حاله يقول: لقد بذلت كل ما أستطيع للدفاع عن الثوابت التي أؤمن بها وكانت نهايتي الفقر والسجن والمهانة، ولكن فور تخليه عن هذه العقلية انفتحت له أبواب السعادة والثراء وانتقلت أعماله الخيرة للوطن العربي ومسؤوليه… كيف لا وهو يملك قلما ساحرا وأسلوبا
فريدا في تغيير القناعات وتبديل المواقف ودخل على الخط الفنانون والراقصات والتجار ورجال الأعمال ورجال الدين وغيرهم من طبقات المجتمع المتنفذة بحثا عن كاتب لتلميع صورهم وزيادة متابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

اتصلت عليه الراقصة الشهيرة “ميمي” وقالت أن شهرتها بدأت في الأفول وأن مستقبلها على المحك بسبب الراقصة الشابة المغرية “ريري” التي سحبت البساط من تحتها… ولذلك فإن ميمي تريد أن يبث الإشاعات عنها حتى تعيد البوصلة لمكانها ومن ثم ما بين النفي ونفي النفي يعود اسمها للصدارة في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية ويزداد عليها الطلب مرة أخرى في الأندية الليلية والأعراس وحفلات كبار القوم الخاصة.

فكان مقاله الصادم الأول “الفنانة ميمي تتبرع بكل مالها للأيتام” ثم تبعه بمقال ثان بعنوان “رقصة الكيكي للفنانة ميمي” وثالث بعنوان “تيك تيك تاك ميمي على الشباك” وهكذا استمر على هذا المنوال حتى عاد للراقصة ميمي مجدها التليد وانفتحت لها أبواب الأندية والقصور.

مضى الكاتب يوما بعد يوم في هذا المسلك وكثرت عليه الطلبات وكان آخرها رجل الدين الشهير الشيخ “عبده” والذي أصدر عدة فتاوي حديثة أوقعته في الحرج مع المؤسسات الدينية المحلية والعربية وأراد من الكاتب أن يلمع صورته وينفي عنه التهم المنسوبة إليه في الإعلام، وقدم للكاتب مبلغا سخيا جدا من المال أتبعه بطلب أن يسرع فحياته ومستقبله على المحك.

توالت مقالات الكاتب بعناوين مختلفة بين “درء الشبهات عن شيخ المؤتمرات” و “حبيب الله… شيخ مشايخ الأمة” و “رجال الدين درع الأمة الحصين” ولكن مقالاته تلك لم تحقق الهدف المرجو فلقد كشف الشارع نفاق هذا الكاتب بعد سنوات من تأجير قلمه فتوالت الاتهامات عليه وتم طرده من الصحيفة ورفضت استقباله المؤسسات الإعلامية المختلفة وبينما كان يسير على شاطئ البحر ذات مساء مر بجواره قائد دراجة هوائية وقال له: أحمل لك هدية من كل محبيك ومريديك

فتفضل… ووضع رصاصة في صدغه أردته فورا وكتبت عندها نهاية هذا الكاتب الأجير الذي سُفك دمه بعد أن أنهى مهمته في تلميع الكبار وتحسين صورهم السوداء القبيحة في نهاية طبيعية لكل من أراد أن يسلك طريقا خاتمته متوقعة.

. زياد الوهر
z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً