أحدث الأخبار

ابو تمَّام…ويوسف بن علوي! / عبداللطيف مهنا

+ = -

عبداللطيف مهنا

في موروثنا هناك بيتا شعر لأبي تمَّام سارا مضرب مثل. احدهما شهير، والثاني هو الأشهر. الأشهر لا من علاقة له من قريب أو بعيد بشوائن راهن مُزق تجزئة الأمة العربية، أو قطرياتها القائمة. واعني به صدر البيت القائل، “السيف أصدق إنباءً من الكتب”، إذ معاذ الله أن تكون هذه القطريات في وارد مضمونه. أما الشهير فينطبق على هذا الراهن وقطرياته وأرى أنه خير ما يوصّفه، يقول: “إذا أنت افنيت العرانين والذرى…رمتك الليالي في يد الخامل الذكر.

العرنين هو اعلى الأنف، والذرى، كما هو معروف، القمم، والمراد مجازاً هنا الزعامات الحقيقية، أو الرجال الرجال في القوم، فهم إن خلوا خلت الساحة من نسورها، وبالتالي غدت مسرحاً لبغاث الطير التي حينها تأنس في نفسها جوارحاً.

ما ينطبق على الأشخاص ينطبق على الدول. وفي حالتنا العربية كان دوماً لاحتمالات النهوض ركائزه القادرة، ذلك لارتكازها على خصوصية حضاريةً وتاريخية تخصها بدورها المؤثر، بل الأساس، في توجيه بوصلة صيرورة أزمنة الأمة من محيطها إلى خليجها.

نعني بالمراكز، هذه الثلاث التي قامت عليهما الدائرة الحضارية العربية تاريخياً، النيل والفرات، وثالثهما مصدر الهجرات وأصل العرب اليمن، واندياحات هذه الدائرة غرباً حتى الأطلسي، أو “بحر الظلمات”. أما الركائز، فمصر والعراق وسورية والجزائر. وهنا ندع أبي تمام، ونتوقّف أمام ما لم يعد الآن مجال جدل ولا حوله تدور اجتهادات، كما لا تنطبق عليه مقولة نظرية المؤامرة لأنه المؤامرة بعينها.

ذلك ابتداءً بإخراج مصر من الصراع إلى حظيرة “كامب ديفيد”، وبالتالي فقدانها لدورها وفعلها ووصولها إلى ما هي عليه الآن، والأدهى ما ألحقته الساداتية من مذبحة بالإرادة العربية نعيش وإلى حين عقابيلها. ثم غزو العراق وتدمير أسس الدولة فيه وإيداعه مكيدة بريمرية تحاصصية مستمرة أودت به لراهنه الغني عن الوصف. تلاه تدمير ليبيا، والحرب التدميرية لثلاثة ارباع عقد على سورية، والتي إن هي فعلت فعائلها، فقد فشلت والحمد لله في اسكات قلب العروبة الشامي النابض والمنتصر. زد عليه، راهن فواجع حرب تحالف محميات التبعية النفطية البشعة على يمن العرب.

هذه المقدّمات هي التي أوصلت الأمة إلى راهن يحشد فيه الأميركان محميّاتهم المتصهينة النفطية وغير النفطية لتشكيل “ناتو عربي” لمحاربة “العدو الفارسي”، أو البديل الإفتراضي المراد للعدو الصهيوني الأصيل، يكون الأخير حجر زاويته، ولهدفين: ابتزاز النفطيين والسطو على صناديق احتياطيات شعوبهم، وتثبيت الثكنة الصهيونية المزروعة في قلب الوطن العربي مركزا تدور من حوله هذه المحميات

…وما تقدم هو السر وراء كل هذا التهافت للتطبيعي مع عدو الأمة، وصولاً إلى استقواء المتهافتين بالتطبيع معه في صراعاتهم البينية الخفية والمكشوفة. وها هنا، وبشكل كاريكاتوري، يعيد التاريخ قبائحه، فيذكّرنا ب”ملوك الطوائف” في الأندلس، ويرينا ثلة من أبي عبدالله الصغير…ولدينا مثلاً طازجاً: في حومة اغتيال جمال خاشقجي البشعة وانتهازاً لها توقيتاً، يحل نتنياهو على الرحب والسعة في مسقط ، ويكفي مجرَّد القاء نظرة على تبريرات يوسف بن علوي في المنامة للمكرمة السلطانية، لنرى إلى أي مدى خلت الساحة لسوريالية صولات وجولات المنطق الانهزامي العربي…يقول أبن علوي: نحن “لسنا وسطاء”، نحن فقط “نقدّم تسهيلات وأفكاراً لمساعدة الطرفين على التقارب”، بمعنى، ما نقوم به لا يزيد عن سمسرة بين العدو الجلاّد والشقيق الضحية، وبالعربي الفصيح “أولويّاتنا هي وضع نهاية للصراع والانتقال لعالم جديد”، جدته تعني دفن قضية الأمة المركزية في فلسطين.

أما السبيل لذلك فهو عنده “صفقة القرن”، إذ يشعر “بتفاؤل شديد حيال هذا الاقتراح لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”! لمنطق أبن علوي هذا مسوّغاته عنده: “إسرائيل دولة موجودة…وربما حان الوقت لمعاملتها بالمثل”، وبالمثل هذه، لا تعني الرد على جرائمها ضد الشقيق الفلسطيني لا سمح الله، وانما التعايش مع جرائمها. كما لا بأس عنده من الاعتراف “بيهودية قوميتها”، ولا اعتماد الرواية الصهيونية للصراع وإنهائه، ذلك عندما يقول: إن “التوراة رأت النور في الشرق الأوسط، واليهود كانوا يعيشون في هذه المنطقة من العالم”، وكأنما هذا كاف لإعطائهم الحق في اغتصاب فلسطين وتصفية وجود شعبها مادياً ومعنوياً!

…لم يكن ابن علوي ولا ممالك النفط لتجرؤ على ما تقدَّم لولا الفراغ الناجم عن عمد وسبق ترصٌّد، بعد اخراج مصر من الصراع، وتدمير العراق وليبيا، والحرب المستمرة على سورية، وتوالي رعاية النفط لفصول الكارثة اليمنية، وقبل هذا وذاك، ما اتاحه الجنوح التصفوي للتسوويين الفلسطينين للإنهزامية العربية من ذرائع اقتنصتها لنفض يد قطرياتها التابعة من قضية قضايا الأمة في فلسطينها استناداً لمقولة لسنا ملكيين أكثر من الملك…رحم الله أبي تمام!

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً