أحدث الأخبار

في مطبخ السياسة / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

دخلت ذات يوم مطبخا سياسيا في أحد القصور العامرة بالخيرات والملذات وجاء أمر دخولي للمطبخ بدعوة كريمة من السيد مدير عام المطبخ ليريني أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الحديثة من تطور في عالم المطابخ الحديثة.

كان المطبخ مذهلا لدرجة لا يتخيلها المواطن العادي أمثالي، فلقد كان عبارة عن مكان اجتمعت فيه كل ملذات الحياة من مأكل ومشرب ومعدات على أحدث مستوى… ومضت الدقائق وأنا في حالة ذهول ولكني وما أن أفقت من غيبوبتي حتى شرعت في البحث عما يتم إعداده هنا من موائد للشعب العربي فوجدت تقريبا كل شيء، كما وجدت أن الطهاة يرتدون ملابس غاية في الأناقة والترتيب بشكل يعكس أهمية أدوارهم التي يقومون بها. لقد بحثت وبحثت فوجدت كل شيء سوى الكرامة والحرية والشجاعة والنخوة والاستقلالية وبحثت مطولا عما يمكن إعداده من أجل سعادة المواطن ورفاهيته ولكن للأسف لم أجد شيئا أبدا.

الغريب بالأمر أن مصطلح المطبخ السياسي استُحدث أثناء الحرب العربية الإسرائيلية العام 1973 وذلك عندما شكلت رئيسة وزراء إسرائيل حينها؛ غولدا مائير خلية عمل دائمة في مطبخها الخاص مع وزير الدفاع حينها موشيه دايان وبعض القادة العسكريين لتجاوز الضربة الأولى التي أحدثها الجيش المصري.

إن ما يطبخه الساسة في صالوناتهم السياسية أو الثقافية ينعكس دائما على أفراد الشعب والمواطنين سلبا أو إيجابا، فالقرارات التي تتمخض عنها إما إيجابية في صالح الوطن والمواطن وإما أنها مؤامرات ومخططات تحاك للنيل من بعض الأطراف واصطياد أخطائهم أو تلفيق التهم لهم، وهذا الصنف من الممارسات هو الشغل الشاغل لبعض المتطفلين على السياسة، فالشعب لا يعنيهم بشيء سوى أنهم حقل تجارب لوصفاته المطبخية.

فساعة يزيدون الملح فيصبح طعم قراراتهم مالحا لا يؤكل، وساعةً يزيدون الفلفل الأسود فيسبب للشعب مشاكل مزمنة في المعدة والقولون، وحيناً تكون قراراتهم بلا ملح ولا فلفل وعندها لا يكون لها طعم أو بالأحرى غير قابلة للأكل وكأنهم أعدوها لشعب يعاني من الضغط المزمن حرصا منهم على سلامة الشعب وصحته.

القرارات السياسية تماما مثل تحضير وجبات الطعام لا فرق يذكر بينهما، فالقرارات السياسية الغير مدروسة جيدا تماثل في أثرها إعداد وجبة عشاء لضيوف جاءوا بدون سابق موعد، فحينها ستكون مائدة أقل ما توصف به بأنها عُدّت على عجل وعندها ستكثر الأخطاء فيها مما يزعج الضيوف وينغص عليكم ليلتكم.

والملفت للانتباه أن القرارات العربية المعاصرة تكون عادة كردات فعل على حدث ما، فردودهم ركيكة وأفكارهم ضحلة وتأثير قراراتهم لا يسمن ولا يغني من جوع. وخذ مثالا على ذلك عند إعلان الرئيس الأمريكي قرار نقل سفارة بلاده لمدينة القدس في إعلان سافر منه بأن القدس عاصمة دولة إسرائيل الأبدية بشقيها الشرقي والغربي. حينها ماذا كانت الردود العربية المتعجلة…؟ الشجب والتنديد والاستنكار ولم يتجاوز كلامهم حناجرهم وبقيت أفعالهم مكبلة بقيود الضعف والهوان، مع العلم بأن العالم كله كان يعرف مسبقا خطوة ترامب التي سيقبل عليها ولكن لم تكن المواقف بالمستوى المتوقع… حتى أني أستطيع أن أجزم بأن الرد الأقوى كان من الرئيس الفلسطيني محمود عباس مقارنة بالآخرين وذلك عندما اعتبر أن أمريكا ليست شريكا نزيها في المفاوضات العربية الإسرائيلية.

ولكن ما الذي يجري في مطابخ العرب السياسية حتى تكون قراراتهم بهذا الضعف؟ هل لأن إراداتهم مسلوبة أم أن مصيرهم بيد أمريكا تحركهم كيفما تشاء؟ أم هو الخوف من فقدان الكرسي ومميزاته هو الدافع الرئيس لسلوكياتهم؟

أكاد أجزم أن كل ما تم ذكره أعلاه ينطبق حرفيا على زعمائنا إلا من رحم ربي منهم وقد يأتي هذا التفاوت بينهم بسبب أن مطابخهم تُصنع فيها القرارات بوصفات خارجية غربية أو شرقية، ولذلك لن تجد أثرا لطبخة عربية أصيلة مثل المنسف الأردني أو المسخن الفلسطينية أو الفلافل المصرية أو حتى التبولة اللبنانية. في حين أن ما هو متوفر هو البرجرز والنجتس والباستا والبيتزا وغيرها من مأكولات الغرب التي تتمتع بالشكل الجميل ولكن لا فائدة صحية أو غذائية في مكوناتها.

هكذا هي مخططات العرب السياسية… هذا إن وجدت، وهكذا هي وسائلهم في التعامل مع قضاياهم المصيرية الاقتصادية والدينية والقومية. لقد أجبرَنا الغرب على أن نكون أتباعا لهم في كل صغيرة وكبيرة وأذاقونا بالإكراه طعامهم “الدالع” وألبسونا رداءهم العاري فأصبحنا أجسادا وأسماء عربية بعقول وأهواء غربية، فضاعت هويتنا الحقيقية وأصبحت وجبة البيتزا والباستا من وجباتنا الأساسية وغاب عن موائدنا الحمص والفول والفتوش والكباب الحلبي والعراقي والمقلوبة والمندي والمجبوس والكبسة وأكلاتنا البحرية اللذيذة.

أيها السادة: تعلموا فنون الطبخ واستعملوا ما لديكم من مهارات في تشكيل موائدنا بما يتلاءم مع ثقافتنا وحضارتنا، ولا بأس بقليل من طعام الغرب والشرق بشرط ألا يكون هو الأساس، وخططوا لما فيه مصلحة البلاد والعباد وكفى عبودية وذل فلقد ولدتكم أمهاتكم أحرارا فحافظوا على ما بقي لكم من كرامة… الله يخليكم.

د. زياد الوهر
z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
اعلان
صدرحديثاً
صدر مؤخراً
+5
°
C
H: +
L: +
هيلسينجبورج
الأحد, 17 شباط
أنظر إلى التنبؤ لسبعة أيام
الاثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
+ + + + + +
+ + + -3° -3° -3°