أحدث الأخبار

سوسن شبلي لاجئة فلسطينية ناطقة باسم الخارجية الألمانية

+ = -

لم تتوقف السياسية الألمانية سوسن شبلي ذات الأصول العربية الفلسطينية عن إثارة ردود الفعل المتباينة في الأوساط السياسية الألمانية هنا في برلين. آخرها كان ظهورها بفستان عليه نفس نقش الكوفية الفلسطينية عندما أعلنت عن جائزة خاصة باللاجئين تهدف إلى تسليط الضوء على ما يقوم به اللاجئون ولم يكن يظهر للعلن من قبل بالرغم من كونه يثري المجتمع الألماني.
شبلي أستاذة العلوم السياسية والمتحدث الأول باسم الخارجية الألمانية ووزيرة الدولة لشؤون المواطنة والشؤون الدولية المفوضة في ولاية برلين الاتحادية، تقول إن الهجرة هي الموضوع الأساسي في الجدل السياسي. وتضيف في تصريحات لـ”العرب” إنه “عندما يلجأ الناس إلينا هاربين من الحرب ومن العنف ومن الإرهاب علينا أن نؤمّن لهم مكانا بديلا، كما يترتّب علينا اتخاذ تدابير الاندماج الصحيحة، مانعين انقسام المجتمع بين كاره ومحبّ، فعلينا أن ننمو معاً”.

وكانت شبلي قد قدّمت مشروعها هذا، ردا على أداء وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، في برلين والذي سمي جائزة “فاربين بيكينن” بمعنى “أظهر نفسك” وهو مشروع تميّزت به مستشارية برلمان برلين، ويعدّ من المبادرات التي تخلق لقاءات بين الناس من بيئات معيشية مختلفة، وبالتالي تساعد في التغلب على الكراهية والانقسام.

طفلة في عالم جديد
تقول شبلي لـ”العرب” إن “الجائزة تظهر للذين يعتقدون أن اللاجئين قادمون ليأخذوا أموالنا، يستطيعوا أن يروا الصورة المشرقة للاجئين القادرين على العمل ولا يريدون أموالنا، لكنهم فرّوا من الحرب والإرهاب، وهذه مسؤولية مجتمعية إظهار الإنسانية كوننا جميعا بشرا”. وهي لا تعتقد أن الجائزة قادرة لوحدها على تغيير الصورة النمطية للاجئين بالنسبة للرأي العام في ألمانيا، “وإنما يتحمّل السياسيون مسؤولية إظهار صورة واضحة وموقف واضح ضد التيار السلبي، لكنها لبنة في بنيان يجب تشييده”.

افتقدت شبلي في سنوات تعليمها الأولى دعم والديها، كونهما يتحدثان العربية فقط، لكنها حصلت على إجازة في العلوم السياسية في تخصص العلاقات الدولية من جامعة برلين الحرة عام 2004. وانتسبت للحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ 20 سنة تقريبا.

تعتبر شبلي واحدة من الأمثلة الناجحة للتكامل والاندماج في المجتمع الألماني، ولدت ببرلين عام 1978 بحي موأبييت البرليني الشعبي، قادمة من مخيمات اللاجئين بلبنان. حيث أتت عائلتها إلى ألمانيا في عام 1970. ولم يُمنح والدها حق اللجوء، فهو لم يكن يستطيع القراءة والكتابة، وتم طرده ثلاث مرات، وثلاث مرات حارب للبقاء. وبقيت شبلي دون جنسية أو حتى أوراق إقامة دائمة، وكما كتبت الفيلسوفة الألمانية حنا أرندت ذات يوم، كانت شبلي “ليس من حقها الحصول على حقوق”.

بعد أن أنهت دراستها الجامعية، اتجهت شبلي للعمل كباحثة سياسية بكتلة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في البرلمان الألماني، وفي عام 2009 اختارها مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن والسياسات الدفاعية عضوا بلجنة القادة السياسيين الشبان.
وفي ربيع العام التالي اختار إيرهارت كورتينغ وزير الداخلية المحلي لولاية العاصمة الألمانية برلين شبلي رئيسة لقسم حوار الثقافات بوزارته.

ولم يمض وقت طويل حتى وقع اختيار المتحدث السابق باسم وزير الخارجية فرانك شتاينماير. والذي أصبح رئيسا لألمانيا لاحقا، على شبلي لتكون نائبة له، حينها لم يقتنع الجميع في وزارة الخارجية بمهاراتها الدبلوماسية.

وكان من المفترض أن تنتقل مع شتاينماير إلى مكتب الرئيس الاتحادي، لكن شبلي كان لديها طموح سياسي مختلف.
لا تتوقف عن الدخول في حوار التكامل والنقاش حول المسلمين والإسلام، مشيرة إلى انتمائها إلى هذه الهوية. تقول “والدي هو مسلم متدين، بالكاد يتكلم الألمانية، لا يستطيع القراءة والكتابة، ولكنه أكثر تكاملا من العديد من المسؤولين في حزب البديل من أجل ألمانيا الذين يشككون في دستورنا”.

ضد الإسلاموفوبيا
وبحسب ما نقلته صحيفة تسايت الألمانية تصور شبلي علاقتها بألمانيا من خلال والدها بالقول “يؤمن والدي بهذا البلد ويحبه وهو ممتن له، لقد علمني والدي ركوب الدراجات ومباريات كرة القدم، دفعني إلى تعلم اللغة الألمانية. دونه لن أكون حيث أنا”.

ترى شبلي أن الشريعة الإسلامية متوافقة مع الدستور الألماني، وقد كررت تصريحات لصحف ألمانية حول تفهمها لكل مسلمة ترتدي الحجاب، وأنها لا ترى فيه أيّ مشكلة. وتضيف “لا أرتدي الحجاب، لأنني أعرف أنه من الصعب على المرأة المحجبة تحقيق نجاح كبير في ألمانيا”. لكنها قالت لاحقاً خلال مؤتمر الإسلام “بالحجاب أو دون حجاب، لا يجب أن يكون هناك أي تمييز في حق النساء”.

شبلي تفهم الإسلام كما تعلّمت في منزلها، كدين محبة وتسامح وسلام، لكن ولسوء الحظ فإن “الصورة السائدة للإسلام شيء آخر”، كما تقول. وتضيف “النساء اللواتي يرتدين الحجاب عرضة للاضطهاد، وكنساء يجب أن يتحررن من قيود آبائهن وأزواجهن”. وتعترف بأنها تنتمي إلى عائلة نساؤها متدينات، تقول “ترتدي أمي وأخواتي الخمس الحجاب، وبعضهن ضد إرادة أزواجهن، والعداء بالشارع يتزايد عليهن”.

وهي تنتقد على الدوام مصطلح “إسلام أوروبي” معتبرة أن عملية تأقلم المسلمين ووجودهم في أوروبا كأقلية في بيئة غير إسلامية، هي فقط “كيفية التوفيق بين حياتهم والحياة بالمجتمعات الغربية، وهي عملية إسلامية داخلية لا ينبغي تحديدها من الخارج”.

وقد بلورت شبلي خلال عملها في وزارة الخارجية مشروعا بعنوان “شباب مسلم فاعل”، يهدف إلى بناء جسور بين الجاليات المسلمة والهيئات الحكومية، وإتاحة المجال لبروز صوت الشباب المسلم في ألمانيا. وتشير إلى الصراعات الاجتماعية والمشاكل التعليمية، من عنف الشباب، وتزايد البطالة، فالأشخاص الذين ينحدر آباؤهم من بلد إسلامي، ولكن ليس لهم أي شيء آخر يتعلق بالإسلام، مسلمون. والنتيجة هي في كثير من الأحيان الإفراط في تحديد الهوية بالإسلام”.

لا تقل لي إني جميلة
شاركت شبلي في الجدل حول التمييز الجنسي، وأثارت ضجّة في الإعلام الألماني بعد إعرابها عن انزعاجها من أقوال السفير السابق هانز يواخيم كيدرلين، الذي عبّر عن إعجابه بجمالها، معتبرة ذلك تمييزا على أساس الجنس.

شبلي نشرت تفاصيل الحادثة على صفحتها في الفيسبوك، قائلة إنها وصلت متأخرة إلى مؤتمر خاص بالتعاون الهندي الألماني، فجلست على مقعد قريب بدلا من مقعدها، وعندما قال رئيس المؤتمر السفير المتقاعد كيدرلين إنها ليست موجودة، صرحت بأنها موجودة، فردّ “لم أكن أتوقع فتاة شابة بسنك، وعلاوة على ذلك جميلة أيضا”، فأعربت عن انزعاجها من كلامه، بحسب صحيفة تاغس شبيغل.

وكانت شبلي مثار نقاش واسع أيضا في الدولة المجاورة النمسا، خلال الشهر الماضي، إذ أعلن المستشار النمساوي، سبستيان كورتز، عن طرد النائب أفغيني دومنيتز من كتلة حزبه “الشعب” في البرلمان، كرد فعل على تغريدة له اعتبرت مسيئة و”متحيزة جنسيًا” ضد شبلي، ردًا على تغريدة لها حول مسيرات اليمين المتطرف الأخيرة في مدينة كيمنتز الألمانية، حيث قالت شبلي في تغريدتها “نحن لسنا راديكاليين بما فيه الكفاية”، وقد فهمت تغريدتها كمبرر لعنف الجناح اليساري.

شبلي وهي اليوم متزوجة من الطبيب نزار معروف الذي يعمل في الطب الدولي في مستشفى الفيفانتس في برلين، لا يخيفها ما تتعرض له من استفزازات أو محاولات النيل منها. تقول لـ”العرب” إنه “من المهم أن يكون لنا موقف واضح، ولا يمكن أن نترك البلد للكارهين ولليمين. سأحارب دائما ضد التطرّف اليميني، ضد النازيين. ليس الأمر سهلا دائما، لكن هناك الكثير من الناس يدعمونني، مما يجعلني أقوى وهذا أمر جيد”.

الإعلام في ألمانيا لا يتوقف عن ذكر شبلي. وكلما هدأت زوبعة اندلعت أخرى حولها، سواء بتصريحاتها هي أو من خلال الهجوم العنيف الذي تتعرّض له من قبل المتطرفين الألمان. وكان من أكثر تلك المتابعات إثارة ما نشرته صحيفة فيلت الألمانية، واسعة الانتشار، والتي قالت في تقرير لها إن “قصة نجاح شبلي تشبه قصص الخيال الجميلة”.

وأضافت الصحيفة أن شبلي تعدّ مثالا على الانضباط والجدية والمثابرة، وهو ما مكّنها من تخطّي جميع الحواجز الاجتماعية والسياسية والقانونية، وحين يتحدث عنها زملاؤها في الحزب، فإنهم يقولون إن “شبلي تأتي للمكتب في الساعة السادسة صباحا، وتنصرف في الليل. إنها طموحة ومتفانية”.

وكانت بياتريكس فون شتورش نائبة رئيس كتلة حزب “البديل” المتطرّف مجبرة على الاعتذار من شبلي بعد نشرها تغريدة على موقع تويتر سخرت فيها من والد شبلي دون معرفة أنه متوفى.

وعلّقت فون شتورش بتغريدتها على عزم الحكومة إصدار قانون جديد، تقلص بمقتضاه مخصصات المساعدة الاجتماعية للأجانب وطالبي اللجوء الذين لا يتقنون الألمانية بقيمة 300 يورو. فكتبت قائلة “إن صدور قانون كهذا من شأنه خلق مشكلة مالية لوالد شبلي”.

وأشارت فون شتورش بهذا التعليق إلى ما هو معروف عن عدم إلمام والد شبلي الفلسطيني الأصل باللغة الألمانية، وهو ما ورد في مقابلة أجرتها صحيفة فرانكفورتر ألغماينه مع ابنته عام 2016 وذكرت فيها أن أباها مسلم متدين لا يتقن الألمانية ويجهل القراءة والكتابة، لكنه مندمج بالمجتمع الألماني بشكل أفضل من سياسيي حزب “بديل لألمانيا” الذين يشككون في دستور البلاد.

حينها ردت شبلي على فون شتورش قائلة “إن كان هدفك جرح مشاعري فقد نجحت بهذا، فوالدي الذي توفي في سبتمبر الماضي كان رحمه الله رجلا صالحا، ولو كان حيّا لما قبل بدخولي في هذا الجدل معك. سامحك الله”.

وما يزال مشهد مغادرة شبلي لقاعة البرلمان باكية يثير مشاعر الألمان، بعد تعرضها لانتقادات حادة، من رئيس إحدى أكبر المجموعات البرلمانية الذي نهض وهاجم شبلي بشدة بسبب موقفها من العنصريين الألمان في كيمينتس قبل أسابيع.

أملود المير

صحيفة العرب اللندنية

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً