الوان عربية » عودوا لثكناتكم أيها الضباط / د. زياد الوهر

عودوا لثكناتكم أيها الضباط / د. زياد الوهر

+ = -

د. زياد الوهر

هذا نداء من مواطن عربي إلى السادة الضباط والعسكريين الذين امتطوا كرسي السلطة وتشبثوا بها؛ عودوا لثكناتكم واتركوا السياسة لأصحاب الحل والربط، فتاريخنا المعاصر يشهد بعدم وجود تجربة واحدة ناجحة لعسكري حكم البلاد والعباد إلا وعم فيها الخراب والدمار وإن حاولتُ أن أحصي تلك التجارب المريرة سيصيبني الغثيان لكثرتها في الوطن العربي المصاب بهذا الداء المستشري.

بدأت تلك المحن مع إنطلاقة ثورة 1952 في مصر مع ثورة الضباط الأحرار في انقلابهم على الحكم الملكي وحينها أغرتهم السلطة بمباهجها وزينتها فأصابهم العمى وخاضوا بعض المغامرات الطائشة وغير المحسوبة دفع ثمنها المواطن المصري الثمن وكذلك بقية الدول العربية.

كانت ثورة الضباط الأحرار هي الشرارة التي تبعها انقلاب عبدالكريم قاسم على الحكم الملكي في العراق ثم اندلعت الثورات كالنار في الهشيم ليلحق بها الثورات في سوريا وليبيا واليمن والجزائر والسودان وبقي الحال إلى ما هو عليه الحال اليوم في جميع هذه الدول بلا استثناء.

لم يكن حكم الضباط سوى تجربة فاشلة لأنظمة حكم قمعية استعملت كل الوسائل غير الأخلاقية للتشبث بالكرسي والسلطة، وكان من توابع هذه التجارب أن أطلقوا يد العسكر في شؤون البلاد وفي القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وسيطروا على مقدرات الأوطان بحيث لم يعد هنالك إلا برلمانات صورية وأحزاب شكلية.

لقد ذهب الضباط في حكمهم لأبعد ما كنا نتوقع فحولوا الحكم الجمهوري إلى حكم وراثي بالقوة… كيف لا وقد عشقوا السلطة وتنعموا برغد العيش وطيب المسكن والمأكل فانشغلوا عن حماية ثغور الوطن وحدوده إلى تأمين سلطتهم ونفوذهم وتهيئة الظروف لوراثة أبنائهم للسلطة تحت مبررات واهية وسقيمة.

عانت الشعوب العربية من حكم العسكر وتأصل الإنقسام بين الدول والشعوب وزادت التصفيات السياسية الدموية وتضخمت أجهزة الأمن والاستخبارات فضاعت التنمية الإقتصادية وانهارت المنظومة التعليمية وطفت الكثير من فضائحهم وممارساتهم على السطح وأصبحت حديث الجماهير في السر والعلن.

حتى أن بعض أولئك الضباط جيّروا البلاد لخدمتهم واستشرى الفساد أثناء حكمهم وتمسكوا بالكرسي لأخر قطرة دم وما أسقطهم عنها إلا الثورات الشعبية المضادة أو الانقلابات ما بين الضباط أنفسهم في سلسلة من الأحداث شغلت الأمة العربية عن قضاياها الرئيسة وضاعت قضيتها الأولى؛ فلسطين، في غياهب الجب ولا زالت تنتظر من ينتشلها من هذا البئر السحيق.

وبعد كل هذا انفلتت الشعوب من عقالها واشتعلت الثورات فيما سُمّي بالربيع العربي الذي استغلته الدول الأجنبية أحسن استغلال وحوّرته عن مساره، وحينها لم تكن نهايات بعض أولئك الضباط سعيدة بل كانت مؤلمة جدا فاقت في قسوتها ما حصل في بلاد أخرى.

قد لا يعني ذلك أن نطلق حكما عاماً على كل العسكر ولكن معظم التجارب العربية أثبتت فشلها في إدارة الدول وعليه فلا مجال لإعادة التفكير في التجربة وتجرع نفس الكأس مرات ومرات، والأفضل لنا جميعا أن يعود العسكر لثكناتهم فهذا هو عملهم ويتركوا إدارة شؤون البلاد لمن هم أقدر على الحفاظ على الاستقرار السياسي بدل ذلك التخبط الذي عشناه ولا نزال نعيشه حتى اليوم.

أنا أعلم علم اليقين أن ندائي هذا سيذهب أدراج الرياح وأنه لن يلقى آذانا صاغية فلا يوجد في تاريخنا المعاصر أية حادثة عن تنازل ضابط عن الحكم إلا شخص واحد فقط لا غير وهو حاكم السودان الأسبق “عبد الرحمن سوار الذهب” الذي ترك الحكم طواعية في العام 1986 من أجل أن يسلّم الأمر لحكومة مدنية والتي حصل ضدها انقلاب عسكري لاحق وأعاد السودان إلى المربع الأول من حكم العسكر.

جاء في الأثر أن رجلا أخذ ذئبا فجعل يعظه ويقول له: “إياك وأخذ أغنام الناس لئلا تُعاقب” فقال الذئب: “أسرع يا رجل في الحديث واختصر فهناك قطيع من الأغنام أخشى أن يفوتني”.

هذا المثل يُضرب لمن يريد أن ينصح أحدا يخالف طبيعته التي جُبل عليها، فالذئب جُبل على افتراس الأغنام ولن تغير العظة في طبعه شيئا. ومن هذا المنطلق فإن العسكري قد جبل على القتال والمغامرة ولذلك فإن تسنّمه لسدة الرئاسة لن يجلب معه سوى الحرب والدمار… فهذا طبعه وهذا ما تتلمذ عليه طوال حياته ولن يفيد فيهم النصح والإرشاد.

والشواهد التاريخية عن نتائج حكم العسكر كثيرة ومنها على سبيل المثال المعارك التي خاضها الإسكندر المقدوني شرقا وغربا، حيث قام باجتياح الإمبراطورية الفارسية حينها وسيطر على كل أراضيها وسحقهم سحقا حتى وصل نفوذه إلى جبال الهملايا، في حين أن تيمور لنك القائد العسكري المعروف والذي قتل الملايين من البشر لإشباع غريزته في السلطة ووصل نفوذ سلطته من دلهي شرقا إلى بغداد ودمشق غربا في واحدة من أكثر التجارب العسكرية دموية وجنوناً في التاريخ البشري. أما الشواهد المعاصرة فمنها ثورة ماوتسي تونغ في الصين والثورة الكوبية بزعامة فيديل كاسترو وكلا الثورتين جلبتا معهما الخراب والدمار والحروب بشكل تعجز الكلمات عن وصفها.

أيها السادة الضباط… كفاكم عبثا بمقدراتنا وثرواتنا وآمالنا ومستقبلنا ومصيرنا فمهما طال الزمان أو قصر لا بد أن ترجعوا لثكناتكم لتنفيذ مهمتكم في حماية الأوطان واتركوا السياسة لأهلها فقد أثبتم فشلكم الذريع فيها وأتمنى أن لا تتاح لكم أية فرصة في المستقبل القريب.

د. زياد الوهر
z_alweher@hotmail.com

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
كاريكاتور شلا