أحدث الأخبار

قانون الكانتونات الثقافية المتعادية / ماجد الشّيخ

+ = -

ماجد الشّيخ

ماجد الشّيخ

يبدو أن ما استطاعته إسرائيل الكيان الغاصب لأرض فلسطين التاريخية ووطن الفلسطينيين التاريخي، خلال أعوام النكبة الأولى، من تفتيت وتفكيك المجتمع الوطني الفلسطيني، وشرذمته وتقسيمه إلى طوائف، وأخذت حصة لها منه، وإدماجهم وإدخالهم في الحياة الإسرائيلية/الصهيونية، لن تستطيع اليوم وعبر إقرار “قانون القومية” بكل مثالبه وسيئاته وإعلانه الإيغال أكثر في دروب التمييز العنصري، وجعل “الدولة” وقوانينها دولة أبارتهايد فعلية، ودولة إثنوقراطية معلنة على رؤوس الأشهاد، نفيا لديمقراطيتها ومدنيتها وعلمانيتها ومساواتها المزعومة،

لن تستطيع عبر هذا القانون البقاء كما كانت طوال السبعين عاما الماضية، فالانفضاض السياسي المعارض للقانون والرفض الطائفي والمدني والوطني الفلسطيني في نطاق فلسطين الـمحتلة عام 1948، كلها تقوم على تسفيه القانون والحط من قيمته القانونية والقضائية والسياسية، وصولا إلى رفضه بالكامل.

وفي ظل عنصرية المؤسسة الكولونيالية، وانكشاف توافرها على سياسات تمييزية واضحة، تفرق أكثر مما توحد، فإن الهزة التي أثارها “قانون القومية” العنصري، الذي أقره الكنسيت مؤخرا، أثارت وما فتئت تثير ردود أفعال متباينة بين الإسرائيليين اليهود أنفسهم، كما بين من اعتبروا إسرائيليين من غير اليهود، ضد ائتلاف اليمين الإسرائيلي الحاكم، حيث انضم الجنود والضباط البدو العاملون في الجيش الإسرائيلي، إلى احتجاجات الجنود والضباط من الطائفة الدرزية، الذين يدعون إلى الانسحاب من الخدمة في الجيش، كتعبير احتجاجي قوي ضد القانون الذي يصنفهم على أنهم جنود “درجة ثانية”، في حال لم تقم الأحزاب اليمينية بإدخال تعديلات أو حتى تغييرات جوهرية عليه، في الوقت الذي كشف فيه النقاب عن شروع قيادة الجيش بمحادثات معهم للتوصل إلى حلول. ونقلت هيئة البث الإسرائيلية “مكان” عن أحد الضباط البدو قوله إنهم يشعرون بأن إسرائيل “تخلت عنهم بعد ان دافعوا عنها”.

جاء ذلك وسط الاحتجاجات الكبيرة التي شرع بها الضباط الدروز، ووصلت إلى حد قيام أحدهم بالإعلان عن الانسحاب من الخدمة في جيش الاحتلال رفضا للقانون الجديد. وأكد هذا الضابط أن الدولة التي خدمها هو واثنان من أخوته بالإضافة لوالده “لم تمنحهم شيئا في المقابل سوى تحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية”، وطالب قيادة الطائفة الدرزية بالدعوة للانسحاب من قانون التجنيد الإلزامي.

وكانت احتجاجات الدروز والبدو اشتدت وتيرتها، مع الكشف عن عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو “صفقة” مع الأحزاب الدينية، لتمرير “قانون القومية”، يشمل موافقتهم على القانون الجديد، الذي يعطيهم ميزات عن باقي السكان، مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية، التي يعمل بها البدو والدروز رغم انتقاص القانون من مكانتهم.

وفي هذا السياق انفجرت الجلسة بين نتنياهو، والرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، ووجهاء دروز آخرين، على خلفية “قانون القومية”، بعد أن قاطع أحد الحضور، وهو العميد (احتياط) في الجيش الإسرائيلي، الدرزي أمل أسعد، حوار طريف ونتنياهو، عدة مرات. ما أدى إلى ارفضاض الجلسة، واضطرار نتنياهو للقول أنه “لن يقبل أي مس بمكانة رئيس الحكومة والدولة، من شخص يصف إسرائيل بأنها “دولة آبارتهايد”.

ويستمر تعبير أبناء الطائفة الدرزية (نحو 120 ألف نسمة) عن الغضب، بالرغم من تعهد نتنياهو، بـ”ترسيخ وضعهم” في إسرائيل. في وقت أعلن 3 ضباط دروز في الجيش اعتزامهم الاستقالة، حسب قناة “كان” العبرية، رغم دعوة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، جادي إيزنكوت؛ “إلى إبقاء القضايا السياسية المثيرة للجدل خارج نطاق الجيش”.

في سياق المعارضة الداخلية لحكومة الليكود والائتلاف اليميني المتطرف، كشف نائب رئيس جهاز “الموساد” السابق، رام بن براك، عما أسماه الهدف الحقيقي وراء إقرار “الكنيست” الإسرائيلي “قانون القومية”. وهو التمهيد لضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وعدم منح سكان تلك المناطق أية حقوق سياسية.

ليس هذا فحسب، فأهداف نتنياهو تتعدى ذلك، إلى البيت الداخلي، فهو يريد الفصل بين اليهود أنفسهم، ففي مقال له في هآرتس 1/8/2018 ذهب تسفي برئيل إلى أنه في القانون الجديد لدولة إسرائيل، كما صيغ في قانون القومية، هناك نقص، ليس صدفة، لكلمتين مهددتين: ديمقراطية ومساواة. في أي مكان في القانون لم يذكر أن الدولة اليهودية ستكون ديمقراطية أو أنها ستمنح المساواة لكل مواطنيها. فإذا كانت هناك ذريعة واحدة ومن أجلها يلتزم كل سكان إسرائيل بالخروج إلى الشوارع، فإنما تكمن في غياب هاتين الكلمتين.

وفي توضيح لا يخلو من دلالات وإشارات إلى نقائص القانون وتناقضاته، الأمر الذي لن يجعل منه وثيقة “الخلاص” النهائية من مشاكل إسرائيل الوجودية التي لم تحسم رغم مرور سبعين عاما على قيامها، ورغم المزاعم القائلة اليوم بأن “قانون القومية” يأتي ليكمل ما أرادته مؤسسة السلطة الحاكمة، اضطر نتنياهو وفق ما نقل عنه مكتبه الإعلامي للزعم مرة أخرى أن “دولة إسرائيل هي الدولة القومية الخاصة بالشعب اليهودي، إسرائيل هي دولة يهودية وديمقراطية. الحقوق الفردية مكفولة بقوانين كثيرة بما فيها القانون الأساسي، وكرامة الإنسان وحريته لم ولن يمس أحد بهذه الحقوق الفردية، ولكن بدون قانون القومية لا يمكن ضمان مستقبل إسرائيل كدولة قومية يهودية للأجيال القادمة”.

وفي رد غير مباشر، سبق تصريح نتنياهو الإعلامي الأخير، ذهب (تسفي برئيل) حد اتهام رئيس الحكومة بالكذب، حين قال في مقاله المشار إليه “هنا يكمن الكذب الفظ الذي يقول إنه لا يوجد في القانون مس بحقوق الفرد، لأنه على الأقل، وفي هذه الحالة القانون، يمنع الفرد من السكن في أي مكان يريده. والأهم من ذلك هو أنه في الفصل الذي يقوم به نتنياهو بين حقوق الفرد والحقوق الجماعية للطائفة، فهو يناقض الرؤية التي تقول إن حقوق الفرد، يهوديًا أو عربيًا، مرتبطة ومشتقة من حقوق طائفته. بدون هوية جماعية لا معنى لهوية الفرد. هذه الرؤية هي أساس حياة كل ديمقراطية، لكن ليس بطريقة النظام الإسرائيلي، ببساطة لأن الديمقراطية حسب قانون القومية ليست مكونًا أساسيًا فيها”.

برئيل لا يتوقع أن تجري الأمور بسلاسة، في ظل قانون يثير من التعقيدات أكثر مما يقدم أو يقترح من الحلول القانونية/الدستورية. ففي حين “ساد حتى اليوم وهم لدى الجمهور بأن التهويد والتطوير القومي ظواهر عرضية لحكومة تجري مكوناتها فيما بينها منافسة سياسية، ظواهر يمكن استئصالها بوسائل ديمقراطية مثل انتخابات أو مظاهرات، فقد جاء القانون لينهي هذا الأمل. وهو يخلق مسخًا قانونيًا سيؤدي إلى صراع دائم بين المواطنين وبين دولتهم، وسيحطم هويتهم كأفراد وكطائفة، وسيبني كانتونات ثقافية تعادي بعضها بعضًا، وسيحول الزعيم وليس الدولة إلى محل للتماهي ورمز للهوية”. فهل هذا ما سعى إليه نتنياهو ملك ملوك التطرف والمراوغة والفساد؟.

اليمين المتطرف لم يكتف بالترحيب بقانون القومية هذا، بل ذهب البعض لنفي العنصرية عن القانون، كونه فقط “يكفل تقرير مصير اليهود”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين اعتبر القانون درعا حاميا من خطر تحول إسرائيل إلى “دولة ثنائية القومية”، وكذا يضع حدا لوقف الاتجاه الذي كان يدفع نحوه القاضي أهرون باراك عبر ما يسمى باللغة الأكاديمية “دولة كل مواطنيها”، ولكن عمليا كذلك الحد من الاتجاه إلى “دولة كل قومياتها”. والاستنتاج الأخير يقول أنه بدون هذا القانون، كان مواطنو إسرائيل العرب سيطالبون بحكم ذاتي قومي، وهم يطلبون هذا منذ الآن، ولكن وبدون حجر عثرة “قانون القومية” هذا، كانت طريقهم يمكن أن تكون سلسة.

المحصلة التي يمكن أن ترسي عليها وضعية “قانون القومية”، ليس إثارة العديد من التعارضات والتباينات وعديد الصراعات التي يمكن أن يثيرها القانون داخل إسرائيل الكولونيالية سياسيا وثقافيا، وسلطويا كذلك، مثلما أشار الون بن دافيد في إطلاق تسمية “رسول الرب” على نتنياهو من قبل القناة 20، في سياق التصويب على القانون الذي عد بمثابة “نجاح عظيم لنتنياهو . فقد نجح مرة أخرى في أن يمزق القبائل في المجتمع الإسرائيلي ويناطحها الواحدة بالأخرى، ويقرر الأجندة المفضلة التي ستجرى عليها الانتخابات المقبلة: مؤيدو قانون القومية هم يهود أخيار، ومعارضوه هم يساريون وخونة”.

أخيرا ولئن كان “قانون القومية” بصياغاته الراهنة يعلن بدون مواربة أو تأتأة عما تريده المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية، وما تترصده من أهداف إفشال أي تسوية تفضي إلى “حل الدولتين” ومنع عودة اللاجئين؛ ما الذي يريد الفلسطينيون – جميع الفلسطينيين على اختلاف مناطق تواجدهم – من إسرائيل الكولونيالية، وهي تقرر أحاديا أن “تقرير المصير” و”حق العودة” حق لها فقط؛ لذاتها ولمهاجريها ولمستوطنيها القادمين من كل بقاع العالم، كي يقيموا فوق تراب وطن شعب آخر، وعلى حسابه وفوق أرضه التاريخية التي يراد السيطرة عليها بالكامل، وإسرائيل النكبة كما القانون الحالي هي “الدولة الإثنوقراطية” بامتياز، دولة أبارتهايد أرادت منذ البدء، وكما تريد اليوم أن يستتب لها “الأمر الواقع”، وليستمر كيفما كان طوال السبعين عاما الماضية. وها هي عبر “القانون الجديد” تريد استعادة مبادىء الصراع الأولى من حيث لم تحتسب.

في المقابل كان ألون بن دافيد قد خلص في مقالة له تحت عنوان “القانون الأساس هو الضم” (معاريف 3/8/2018) للقول أنه “إذا ما ابتلعنا في داخلنا ثلاثة ملايين فلسطيني، فلا يمكن لأي قانون أن ينجح في أبقائنا دولة يهودية. فقانون القومية دفن منذ الآن رؤيا هرتسل وموقعو وثيقة الاستقلال. التاريخ سيحكم إذا كان أيضا سيشق الطريق نحو نهاية الحلم الصهيوني”.

الوسم


التعليقات مغلقة.
استطلاع

هل تتم التهدئة ما بين اسرائيل وحركة حماس؟

View Results

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
اعلان
صدر حديثاً